مرتضى بن حسن بن علي
في خريف عام 1979، أطاحت تحالفات شعبية عريضة بنظام الشاه في إيران، مدفوعة بمزيج من السخط الداخلي المُتراكم: طغيان سياسي وقمع عبر جهاز "السافاك"، وفساد إداري مستشرٍ، واقتصاد متدهور أتى على الطبقة الوسطى. لم تكن الثورة حدثًا معزولًا؛ بل كانت نتيجة تفاعل معقد بين عوامل داخلية قابلة للاشتعال، وإطار أيديولوجي بديل (الإسلام السياسي) وفّره العلماء بقيادة الخُميني، وضعف الدعم الخارجي الحاسم للشاه في اللحظة الفاصلة.
اليوم، وبعد أكثر من 4 عقود، تواجه الجمهورية الإسلامية حالة قد تبدو متناقضة؛ فهي من جهة أشد تماسكًا أمنيًا من نظام الشاه، ومن جهة أخرى، تبدو وكأنَّها تعيد إنتاج ظروف السخط ذاتها، وإن كانت ضمن إطار أيديولوجي مُغاير. طغيان سياسي جديد يتركز حول مؤسسات غير مُنتخبة (المرشد، الحرس الثوري)، وفساد هيكلي يستشري في مؤسسات اقتصادية شبه حكومية عملاقة، واقتصاد في حالة انهيار (تضخم جامح، عملة منهارة، بطالة متفشية) يدفع بالطبقة الوسطى- العمود الفقري لأي استقرار- إلى الفقر المدقع. هذه العوامل الداخلية وحدها كفيلة بخلق أرضية احتجاجية دائمة.
التدخل الخارجي: الوقود الذي يُغذي النار ويُصلب الجدران
لكن الصورة لا تكتمل دون فهم دور العامل الخارجي، الذي تحوّل من مجرد خصم جيوسياسي إلى متغير فاعل في المعادلة الداخلية الإيرانية. سياسة "الضغط الأقصى" الأمريكية، مع حزمة عقوباتها الشاملة التي خنقت قطاعات النفط والتمويل، لم تُضعف الاقتصاد فحسب؛ بل حولت الحصار إلى واقع معيشي يومي للملايين. هذا الواقع يُغذّي السخط الشعبي مباشرة ضد الحكومة التي فشلت في توفير الحماية. من جهة موازية، تُواجه إيران حملة أمنية واستخباراتية خارجية مكثفة، تتهم فيها إسرائيل بشكل رئيسي باغتيال العلماء وضرب المنشآت الحيوية، مما يخلق حالة من الاستنفار الدائم ويُضعف شعور الدولة بالسيادة.
غير أن التأثير الأكثر خطورة لهذا التدخل الخارجي قد يكون في مجال الشرعية والسياق الدعائي. فالنظام الإيراني، بمهارة، يحوّل هذه الضغوط الخارجية إلى أدوات تحشيد داخلي. كل عمل عدائي من الخارج- عقوبة أو عملية تخريبية- يُقدم كدليل على "المؤامرة العالمية" ضد إيران، ويُستخدم لتبرير أي إجراء قمعي داخلي تحت مظلة "الدفاع عن الوطن"؛ بل إن بعض التقارير والاتهامات المتبادلة تشير إلى أن عناصر خارجية تُشجِّع- بشكل مباشر أو غير مباشر- على أعمال عنف محدودة داخل إيران (كاستهداف رجال الأمن أو حرق المنشآت الحكومية). هذه الأعمال، تُقدِّم للسلطة الفرصة الذهبية السحرية التي تبحث عنها: صورة مشوهة للاحتجاج كعمل تخريبي وعنيف، مما يُبرر لها القمع الشامل وتصوير نفسها كحامية للأمن والاستقرار في مواجهة "العملاء". وهكذا، يتحول الضغط الخارجي إلى سيف ذي حدين: يُعجّل من التدهور الداخلي، وفي الوقت نفسه، يُمد النظام بذخيرة دعائية تسمح له بتأجيل محاسبة الشارع له على إخفاقاته.
من الثورة إلى إدارة الأزمات: التعايش مع الفشل في مواجهة الحصار
في هذا المناخ المشحون داخليًا وخارجيًا، لم تعد إيران تُواجه أزمات منفصلة قابلة للحل؛ بل دخلت مرحلة "إدارة الفشل المزمن". الاقتصاد لم ينهار بين ليلة وضحاها؛ بل يتآكل في سقوط بطيء، محوّلًا انهيار العملة إلى حالة نفسية جماعية من اليأس. الاحتجاجات الدورية ليست مفاجئة؛ بل هي تعبير متكرر عن عقد اجتماعي مقطوع؛ حيث يستغل النظام ضغط الخارج لتبرير عدم قدرته على الوفاء بوعوده الداخلية.
حتى السياسة الخارجية الطموحة للنظام- ونفوذه الإقليمي- تُوضع اليوم على ميزان المواطن العادي. السؤال الذي يتردد بقوة هو: "ماذا جنينا من كل هذا المجد الإقليمي والمقاومة، إذا كنا لا نستطيع شراء اللحم أو إيجاد عمل؟" لقد تحولت المُقايضة من المجال الأيديولوجي إلى المجال الاقتصادي الصرف، مما يخلق شرخًا صامتًا بين خطاب الدولة وهموم شعبها.
الخلاصة أنه لا انهيار مفاجئًا؛ بل تآكل في مواجهة عدو خارجي مُعلن. ولا تشير هذه المعادلة المعقدة بالضرورة إلى ثورة وشيكة على غرار 1979؛ فالنظام الحالي أكثر تماسكًا أمنيًا وأكثر قدرة على استخدام ورقة "المواجهة مع الخارج" لتحييد السخط الداخلي. لكنها تشير إلى مسار أكثر خُطورة: مسار دولة تتعلم البقاء في حالة من الانهيار المُؤجّل. والقدرة على "إدارة الأزمات" ليست علامة صحة؛ بل هي تعايش مرضي مع الداء.
إيران اليوم لا تسقط سقوطًا حرًا؛ بل تنزلق على منحدر. العوامل الداخلية- القمع والفساد والانهيار الاقتصادي- هي التي حفرت هذا المنحدر. أما الضغوط والتدخلات الخارجية، فتساهم بشكل مُزدوج: فهي من جهة تدفع بالدولة إلى أسفل المنحدر بسرعة أكبر عبر خنق الاقتصاد، ومن جهة أخرى تمنح السلطة أدواتًا لبناء حواجز أمنية ودعائية مؤقتة تبطئ السقوط، دون أن تغير من اتجاهه النهائي.
والخطر الأكبر ليس في الانفجار؛ بل في التعود على العيش داخل دائرة الفشل المُدار؛ حيث يصبح الأسوأ مقبولًا، والمقبول قاعدة، والعدو الخارجي ذريعة أبدية لتبرير كل تقصير داخلي. الدول لا تسقط عندما تصل إلى القاع؛ بل عندما تعتاد العيش فيه، وتُقنِع نفسها أن هذا القاع هو خط الدفاع الأخير عن هويتها في عالم مُعادٍ.
