حين يتكلم الهدوء

 

 

 

صالح بن سعيد الحمداني

 

في زمنٍ تتسارع فيه الإيقاعات وتعلو فيه الأصوات، وتزدحم المنصّات بكل أشكال الجدل والانفعال، بات الهدوء قيمة نادرة، والحِلم عملة أخلاقية لا يتداولها إلا القليل، لم يعد الصمت حكمة في نظر كثيرين، ولا صار التريّث دليلًا على القوة فقد أضحى الضجيج هو اللغة السائدة والانفعال هو الوسيلة الأسرع للفت الانتباه.

غير أن التأمل العميق في تجارب الأفراد والمجتمعات يكشف حقيقة ثابتة "أن تكون هادئًا أمام الضجيج، حليمًا حين يعلو صوت الغضب، رصينًا في أوقات السَّفَه، ومتزنًا عندما تختلّ عجلة الاتزان؛ فذلك وجه أصيل من وجوه الحكمة التي لا يُحسنها إلا من "أُوتي خيرًا كثيرًا"؛ فالهدوء ليس انسحابًا من الواقع ولا هروبًا من المواجهة فهو الوعيٌ العميق بطبيعة اللحظة وقدرة على الإمساك بزمام النفس قبل الانجراف مع التيار، فالضجيج مهما علا يبقى مؤقتًا أما الكلمة الهادئة فتدوم آثارها، وفي المجتمعات التي تُقدّس الصراخ وتُكافئ التشنّج، يغيب صوت العقل، وتضيع البوصلة، ويصبح الانفعال بديلًا عن التفكير، هنا تحديدًا تتجلّى قيمة الإنسان الحكيم، الذي لا يسمح للعواطف أن تختطف قراراته، ولا للغضب أن يقوده حيث لا يريد.

الحِلم في جوهره قوة داخلية ناضجة، فهو ليس ضعفًا ولا تهاونًا فأن تملك القدرة على الرد، ثم تختار التعقّل، هو فعل سيادة على النفس، وأن تسمع الإساءة ولا تردّها بمثلها ليس عجزًا وإنما هي رفعة أخلاقية تُربك الخصم قبل أن تُرضي الضمير، وقد أثبتت التجارب الإنسانية قديمها وحديثها أن أكثر الناس تأثيرًا هم أولئك الذين امتلكوا أعصابًا باردة في لحظات الغليان وعقولًا حاضرة حين غابت العقول، أما الرصانة في أوقات السَّفَه فهي اختبار حقيقي للنضج ففي زمن الاستفزازات المتعمّدة، والتنمّر اللفظي والمزايدات العاطفية، يُدفع الإنسان دفعًا إلى ردود أفعال متسرّعة، غير أن الحكيم يدرك أن الانجرار إلى السفه يُفقده قيمته، ويضعه في مستوى لا يليق به، والرصانة هنا ضرورة لحماية الذات من الانحدار، وحفظ المكانة من التآكل فهي ليست ترفًا أخلاقيًا.

الاتزان حين تختلّ الموازين هو ذروة الحكمة، فالأزمات تكشف معادن الناس، وتُظهر من يملك قدرة حقيقية على الثبات، فحين تضطرب الظروف وتتداخل المصالح، وتتشابك الضغوط، يسهل على الإنسان أن يفقد توازنه النفسي والفكري، ولكن من يحافظ على اتزانه، ويزن الأمور بعقل بارد، ويُفرّق بين العاطفة والقرار، يملك مفاتيح النجاة والنجاح معًا، فالقرارات التي تُتخذ في لحظات الغضب غالبًا ما تُندم، أما تلك التي تُصاغ في هدوء فغالبًا ما تُحمد عواقبها، وقوة الشخصية خلافًا لما يظنه البعض ليست في الشدّة ولا في الحدة ولا في سرعة الانفعال، فالصوت العالي لا يعني بالضرورة حجة قوية والانفعال المفرط لا يدل على صدق الموقف،  القوة الحقيقية تتجلّى في أسمى صورها في الحِلم، والوقار، والهدوء الحكيم، وإن القدرة على الثبات الانفعالي، وضبط المشاعر في المواقف المختلفة، هي علامة على نضج داخلي، ووعي بالذات، وإدراك لحدود التأثير.

من يملك زمام نفسه ويُحسن قيادتها وتوجيهها هو القوي حقًا، فالانفعالات إن تُركت دون ضبط وتتحول إلى سطوة عمياء تُفسد العلاقات، وتُعقّد المشكلات، وتُغلق أبواب الحل، أما حين تُدار المشاعر بوعي، وتُوجَّه الطاقة العاطفية نحو الفهم والحل، فإنها تصبح قوة بنّاءة لا هدامة، وهذا ما يميّز القائد الحقيقي، والمثقف الواعي، والإنسان الحكيم، وفي واقعنا المعاصر نحن بأمسّ الحاجة إلى إعادة الاعتبار لقيم الهدوء والحِلم والاتزان، لا بوصفها فضائل فردية فحسب وإنما كأساس لخطاب عام أكثر نضجًا، وحوار اجتماعي أكثر احترامًا، وإعلام أكثر مسؤولية، فالمجتمعات لا تُبنى بالصراخ، ولا تُدار بالغضب، بل تُنهض بالعقل، وتستقر بالحكمة.

وتبقى الحكمة عطية عظيمة لا يُؤتاها كل أحد، ومن يُؤتَ الحكمة فقد أُوتي خيرًا كثيرًا؛ خير النفس المطمئنة، وخير القرار الرشيد، وخير الأثر الباقي، وفي عالم يزداد صخبًا كل يوم، يظل الهادئون، الحلماء، المتزنون، هم الأقدر على صناعة الفرق، ولو بصمت.

الأكثر قراءة

z