مُزنة المسافر
ما هذه الدوائر التي نسجتَها حول الساحات والباحات البيرُوتيَّة، إنك تضيع يا شادي، هل غيّرت مسارك وعبرت الأوتوستراد؟ لن تصل.. لن تصل في الميعاد.
ارجع للوراء، اقطع الشارع الأخير، وقل: الله كبير.
ستصل يا شادي، ولو كان قلبك ينادي على كارلا والمصاري.
التوصيلة وصلت، والأمور طابت والحياة راقت، عُدتَ أنت، ووقفتَ أمام الإشارات، وأمام الناس الفائتة والغائبة، انظر للمارة والعامة، كلهم ربما ينتظرون أن تكون مشهورًا، ليسلِّموا عليك يا شادي، أنت في التو في غير كار، في عمل له كل الأفكار، وستبيع السعادة، وستنام على أفضل وسادة.
نديم: مشكلتك يا شادي ما معك مصاري.
يُخبره نديم وهو صديق طفولة قديم، يعيش فوق جراج صغير قرب مطعم المعلم سمير، ويعمل في تصليح السيارات: أنت بحاجة إلى سترة جيدة وحذاء جديد، وقلب حديد حتى تتقبل النقد.
شادي: فهمان يا نديم!
نديم: بفهم بكل شي، بس إلك عندي نصيحة زغيرة كتير.
شادي: شو هيه؟
نديم: بدك تغير البرفان!
مثلًا عطر من نوع مختلف.
لأنك مختلف يا شادي.
الرائحة ستصعد للهواء، وسيعلم الجميع أن لك أفضل عبير، مع كل غيمة ترقص مع الريح، سيُنطق اسمك بشكل صريح، هذه هي الشعبية يا شادي، أن تُفتح نوافذ بيروت كلها أمام هيبتك وشخصيتك.
وهل تعرف كارلا أي شيء عن شخصيتك؟
شعرك المتموج مثلًا، وقلبك العارم بالمشاعر الجياشة، وعيونك الناظرة دائمًا نحو فوق، للأعالي والشرفات والبلكونات التي تريد منك أن تصعد إلى سماء بيروت المليئة بالفرص.
هل همست لك الدربوكة بشيء؟
واعترفت لك في كلام غريب تعرفه فقط الدرابيك.
قالت ربما: الدمبك تاك دمب!
هل أنت الآن وسط ساحة النجمة أو في شارع ضيق في الجميزة، وهل أنت رائحٌ إلى أهل الفن؟
بيوتهم ربما فوق، قهوتهم يحتسونها على الشرفات، ويتسلون في رؤية الغيمات.
بيروت تعرفهم جيدًا كما تعرفك يا شادي، إن ظهر أحدهم على الشرفة.
فلتُظهر لهم الطبلة.
تلك الدربوكة العنيدة، لقد كانت هادئة وفارغة في جوفها، اغتنم الفرصة لتقول كلمات راقصة، لتنطق أنت والدربوكة، ماذا ستقول هي؟
دعها تُخبر بيروت وأهلها أنك تحب الفن، مثلًا وديع الصافي، وملحم بركات والست فيروز وكل فنان كبير أنجبته المدينة والقرى البعيدة والضِيَع الوادعة، الضائعة على تلال صغيرة، وأن الدنيا أنجبتك ربما لتكون من أهل الذوق والفن، وأهل الإحساس والتعبير، ولأنك شاب وسيم، تبدو في الحقيقة كالأمير.
يا عيني يا شادي يا غالي على قلب أمك وأبيك، لقد احتلك الطموح، وعاشت فيك الأحلام، ونسيت أنك تعمل ليل نهار، وأن المصاري لا تعرفك إلّا في أيام قليلة، لكنها قادمة، وستكون عائمة في سطح بحر قريب، وأنك يا شادي ستكسب القلوب والأفئدة، وستبني الأعمدة التي فيها قيام كبير للموهبة، وها هي كارلا تعبر من جديد عبورًا كبيرًا لفكرك في هذه اللحظة.
وهل تعرف هي أن المصاري مهمة؟
لكن يا شادي، العمر له وروده وقلوبه التي يكسبها، وعافية لا تعرفها الأجساد المنحنية، وستعرف كارلا أنك دائمًا هنا، تدور دوائرك المستمرة بالتأكيد حولها.
