حين يتدخل القائد لحماية الوعي

 

 

 

محمد بن علي بن ضعين البادي

لم يكن التوجيه السامي من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- في الاجتماع الأول لمجلس الوزراء لعام 2026، حديثًا عابرًا عن ظاهرة اجتماعية طارئة؛ بل كان تشخيصًا قياديًا دقيقًا لخطرٍ صامتٍ يتسلل إلى عُمق النسيج المجتمعي، ويُعيد تشكيل الوعي والسلوك دون استئذان.

والمتغيرات السلوكية التي أشار إليها جلالته ليست مجرد مظاهر فردية أو حالات معزولة؛ بل هي تحولات تراكمية تمس جوهر منظومة القيم، وتؤثر في أنماط التفكير، وتكاد تُعيد تعريف "المقبول والمرفوض" مجتمعيًا. ويأتي هذا بفعل التأثير الكاسح لمنصات التواصل الاجتماعي، التي تجاوزت دورها كأدوات للتواصل، لتصبح وسيلة للتوجيه، وصناعة الرأي، وأداة لبناء السلوك أو هدمه.

وحين يوجه القائد بضرورة "الدراسة والتشخيص"، فهو يضع حدًا للمعالجات السطحية وردود الفعل المُتعجِّلة، ويؤسِّس لمرحلة من الوعي المؤسسي. مرحلةٌ تُبنى فيها السياسات على الفهم لا الانفعال، وعلى التحليل لا الانطباع، وعلى الحكمة لا الاستسهال؛ فالسلوك لا يُقاس بظاهره اللحظي؛ بل بما ينتجه على المدى البعيد من تماسك أو تفكك، ومن وعي أو فوضى.

لقد أفرز الفضاء الرقمي المُتسارِع أنماطًا سلوكية مُقلِقة؛ منها تطبيع الإساءة، وتسويق التفاهة، وتشويه القيم الأصيلة، حتى اختلطت لدى البعض المفاهيم، فباتوا يخلطون بين حرية التعبير وغياب الضوابط، وبين النقد والبذاءة، وبين الجرأة والفوضى. وهنا تتجلى خطورة ترك المشهد بلا سياسات واضحة، ولا أُطر مُحوْكَمة، ولا خطاب وطنيًا جامعًا يحفظ هيبة الكلمة ومسؤوليتها.

إنَّ التوجيه السلطاني بوضع آليات عمل واضحة ومُحوْكَمة لا يمثل تقييدًا للمجتمع؛ بل هو "سياج حماية" له، وصونٌ للوعي العام من الانجراف خلف تيارات الهدم القيمي؛ فالدولة الواعية لا تنتظر انهيار السلوك لتتحرك؛ بل تستبق الخلل وتُحصِّن المجتمع قبل أن يدفع الثمن من استقراره وهويته.

وتعزيز القيم الإيجابية مسؤولية تشاركية عظمى؛ تبدأ من الأسرة التي هي نواة المجتمع، وتمر بالمؤسسة التعليمية، وتتجذر عبر الإعلام، وتتكامل مع الخطاب الديني والثقافي. منظومة واحدة متناغمة هدفها بناء إنسان متزن، ناقد بوعي، متفاعل بأخلاق، ومشارك بمسؤولية.

إن ما طرحه جلالة السلطان- حفظه الله- هو مشروع وطني لحماية الإنسان قبل حماية النظام، ولصيانة الوعي قبل معالجة النتائج، وهي دعوة لترسيخ القواعد الحاكمة في مجتمع يعرف كيف يُطوِّع أدوات العصر دون أن يفقد بوصلته، وينفتح على العالم دون أن يتنازل عن أصالته. وفي زمن التحولات السريعة، يبقى وعي القيادة هو صمام الأمان، وتبقى الحكمة في التدخل المبكر هي الفارق بين مجتمع يقود التغيير، ومجتمع ينجرف خلفه.

وختامًا.. إن التوجيهات القيادية هي المنارة التي تضيء الطريق، لكن العبور الآمن نحو مجتمعٍ مُحصَّن هو مسؤولية كل فرد وبيت ومؤسسة؛ فالحفاظ على رصانة السلوك وسموّ الأخلاق في الفضاء الرقمي والواقعي ليس ترفًا؛ بل ضرورة وطنية قصوى؛ فبناء المدن والمشاريع قد يستغرق سنوات، لكن بناء الإنسان الواعي هو الضمانة الوحيدة لبقاء تلك المنجزات وحمايتها من أمواج التغيير العاتية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z