الإنجاز والعمل من القلب

 

 

 

د. سعاد بنت محمد اللواتية

 

لا يكون طريق النجاح مفروشًا بالورود كما يعتقد الكثيرون خاصة الذين يشاهدون الناجحين عن بعد ويشاهدون إنجازاتهم، خاصة الإنجازات التي تخدم الآخرين وتؤثر على حياتهم بشكل إيجابي في المجتمع.

فطريق النجاح شائك وصعب ويتطلب الكثير من الصبر والإصرار والانضباط والمثابرة وتحمل المسؤولية والاستمرارية في العمل وأحيانًا نحتاج إلى تغيير طرق العمل من أجل الوصول إلى الهدف وتحقيق الإنجاز وترجمته على أرض الواقع. وعندما تنتهي المبادرة بالإنجاز الملموس في واقع الحياة وتغير حياة الناس إلى الأفضل وتؤثر عليهم وعلى حياتهم بشكل إيجابي، ويترقي ويزدهر المجتمع، حينها يتلاشى تعب ومجهود الفرد بغمضة عين ويشعر حينها بالإثارة والنشوة.

لكن لماذا لا يشعر كل الأفراد بدافع الإنجاز ومتعته؟ ولماذا المبادرات الحقيقية والفعَّالة محدودة جدًا في المجتمع؟ ولماذا لا يحرك دافع الإنجاز الجميع؟ سؤال شغلني كثيرًا خاصة عندما كنت أرى البعض يسعى دائماً إلى التهرب من العمل ويلقي به على عاتق الآخرين ليؤدي غيره عمله، ويعتبرها شطارة من وجهة نظره. وهناك من يؤدون العمل المطلوب منهم، ولكن بشكل سطحي وبسرعة ودون إتقان ودقه وجودة! وآخرون يتظاهرون بالعمل الجدي والشاق، ولكن بدون أي منجزات حقيقية ملموسة تذكر في الحقيقة. وإذا تمعنت في سيرتهم الذاتية فالبنود مكررة، وأحيانًا تتم كتابة نفس البنود تحت عناوين متعددة، وتتكرر من صفحة إلى أخرى وذلك لتزيد عدد الصفحات وينبهر القارئ بعدد الصفحات. لماذا نختلف عن بعضنا البعض بهذه الدرجة الشاسعة رغم تقارب الوظيفة والمؤهلات والكثير من العوامل الأخرى؟

إن تحقيق الإنجاز حتى لوكان صغيرًا وبسيطًا مثلًا في الأعمال البسيطة والصغيرة يفرز نفس الناقلات العصبية والهرمونات في جسم الإنسان التي تعزز الحافز والمتعة والثقة. فمجموعة الهرمونات التي يفرزها الجسم هي كالآتي: هرمون النورادرينالين يعطينا التركيز واليقظة، وهرمون الإندورفين يعطينا الطاقة والتحمّل، وهرمون السيروتونين يعطينا الثقة والرضا، وهرمون الدوبامين يعطينا الحافز والمتعة، وهرمون الأوكسيتوسين وهو هرمون جماعي يفرز عندما نعمل في مجموعات ويعطينا الدعم والانتماء.

تساهم كل الهرمونات السابقة في تحفيزنا أثناء العمل والأداء، وتمدنا بالتركيز واليقظة والطاقة والتحمل والحافز والثقة للاستمرار في العمل للوصول إلى الهدف المنشود، وثم الشعور بالمتعة والرضا عند إنجاز الهدف بشكل ملموس على أرض الواقع وتحقيق التنمية المستدامة لرقي وازدهار المجتمع والوطن.

فلماذا لا يشعر الكثيرون بهذه الثقة والمتعة والرضا عند العمل؟ أين دافع الإنجاز لديهم؟ لماذا لم ينمو دافع الإنجاز لديهم؟

هل نوع التربية هو السبب؟ أم أن هناك أسباب أخرى؟ مازال حتى يومنا هذا يربي الوالدان في أغلب أرجاء العالم العربي الأطفال واليافعين باستخدام النظرية السلوكية وهي من أوائل نظريات التعلم في علم النفس وتعتمد على مفاهيم أساسية هي الثواب والعقاب والتعزيز الإيجابي والسلبي وغيرها لتعديل السلوك. وتستخدم هذه النظرية في تعليم الحيوانات سواء في السيرك أو حدائق الحيوان السلوكيات المختلفة والحركات المطلوبة لتسلية الحاضرين والمشاهدين. تعتبر النظرية السلوكية نظرية قديمة وغير مناسبة لتربية الإنسان بتاتًا لأنها تنشئ جيلًا عطاؤه يكون مرتبطاً بما يحصل عليه في المقابل، ولا يستطيع الاستمرار في العطاء بدون مقابل لأن التعزيز غرس فيه منذ الطفولة وأصبح جزءًا منه، فلا بُد أن يحصل على مقابل من أجل أن ينجز أي عمل فالراتب هو حقه المشروع ولا بُد من مكافآت وتقدير مادي لأداء وإنجاز العمل المطلوب منه، أما القيام بالمبادرات من أجل خدمة الآخرين والمجتمع فهي خارج نطاق تفكيره. هل سيرتقي ويزدهر الوطن مع هذا النوع من الشخصيات؟ لأنه مهما كان عطاؤها، سيظل عطاءًا محدودًا جدًا. كما أن المدارس رغم تطور المناهج فيها في بعض الجوانب العلمية مازالت معتمدة على النظرية السلوكية في تعديل سلوك الأطفال والناشئة رغم وجود نظريات أخرى كثيرة أخرى في التربية تستخدم في دول العالم المختلفة، وسبب العزوف عنها لأنها تتطلب الكثير من الجهد والوقت في التنفيذ. فتطبيق المفاهيم الأساسية في النظرية السلوكية كالثواب والعقاب والتعزيز سهل جدًا لتغيير وتعديل وضبط سلوك الطفل أو اليافع حيث يكون التركيز على السلوك فقط بدلًا من تغيير وتنمية شخصية الطفل أو الناشئة وتطويرها.

أصبح ربط الإنجاز بالقيم والمعاني لخدمة الآخرين وتحقيق الذات "أن يرى الإنسان نفسه وإنجازه فيرضى عما ينظر إليه" مهمًا جدًا في وقتنا الحاضر، كما إن غرس القيم الأخلاقية والمهنية (كخدمة الآخرين والالتزام خاصة الالتزام بالوقت والانضباط وتحمل المسؤولية والأمانة وتحقيق الذات وغيرها) ضرورية في المناهج الدراسية، ومع الأسف فإن المناهج الدراسية ما زالت تركز على الجانب النظري وقت التدريس بدلًا من الجانب التطبيقي العملي؛ مما يشَّكل فجوة في غرس القيم المهنية والأخلاقية ودافع الإنجاز، وذلك لأن القيم عندما تدرس نظريًا ولا يوجد أي جانب عملي تطبيقي للقيمة يمارسه الطفل أو اليافع في حياته اليومية بشكل متكرر، فإن القيمة لا تنغرس فيه ولا تصبح جزءًا من شخصيته. كما أن المناهج لا تركز على تنمية دافع الإنجاز وغرسه بطريقة عملية في الأطفال والناشئة، وكل ذلك يعزز من تنشئة شخصيات مادية محورها في الحياة نفسها فقط وما يناسبها، فلا تنجز ولا تعمل من القلب ولا يصبح الإسهام داخليًا من الفرد لخدمة المجتمع بقوة مستدامة للرقي به وازدهاره.

** رئيسة الجمعية العمانية لعلم النفس

** سفيرة المسؤولية المجتمعية

** مستشارة وخبيرة بمركز واحة الأمل للإرشاد النفسي والأسري

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z