نبني الجسور ولا نهدمها

الدبلوماسية العُمانية.. حكمة الهدوء في عالمٍ صاخب

 

د. غالية بنت عيسى الزبيدي **

في عالمٍ تتسارع فيه المواقف، وتعلو فيه نبرة الصدام، وتتشابك المصالح على نحوٍ غير مسبوق، تبرز الدبلوماسية العُمانية نموذجًا مختلفًا في الأداء والفلسفة؛ نموذجًا يؤمن بأن الهدوء ليس غيابًا عن المشهد، بل حضورٌ واعٍ، وأن الحكمة لا تحتاج إلى ضجيج كي تُثبت فاعليتها.

لقد تأسست الدبلوماسية العُمانية على مبدأٍ راسخ مفاده أنَّ السياسة، في جوهرها، فعلُ توازنٍ أخلاقي قبل أن تكون لعبة مصالح. ومن هنا، اختارت عُمان طريق الحوار، واحترام السيادة، وبناء الجسور بدل هدمها، فكانت وسيطًا موثوقًا، وصوتًا عاقلًا في لحظات احتدام الخلافات الإقليمية والدولية. لم يكن هذا الدور وليد ظرفٍ عابر، بل ثمرة تاريخٍ طويل من الانفتاح الحضاري، والتواصل السلمي مع الآخر.

إن حكمة الهدوء التي تنتهجها الدبلوماسية العُمانية لا تعني الحياد السلبي، بل تعكس فهمًا عميقًا لتعقيدات المشهد السياسي، وإدراكًا بأن القرارات المتزنة تُصنع بعيدًا عن الانفعال. فالدولة التي تُنصت جيدًا، وتقرأ ما بين السطور، قادرة على أن تحمي مصالحها، وتُسهم في استقرار محيطها، دون أن تنجرّ إلى صراعاتٍ تستنزف الإنسان والمكان.

كما تستند الدبلوماسية العُمانية إلى منظومةٍ قيميةٍ تُقدّم الإنسان على النزاع، وتُعلي من شأن السلام كخيارٍ استراتيجي لا تكتيكي. ولذلك، ظلّ الخطاب العُماني متسقًا، هادئًا، واضحًا في مبادئه، بعيدًا عن الازدواجية أو المواقف المتقلبة، وهو ما أكسبه احترام المجتمع الدولي وثقته.

وفي زمنٍ تتبدّل فيه التحالفات بسرعة، وتُدار فيه الأزمات عبر الشاشات قبل طاولات التفاوض، تثبت التجربة العُمانية أن الدبلوماسية الهادئة قادرة على الصمود، بل وعلى صناعة الفارق. فالحكمة، حين تقترن بالثبات والرؤية بعيدة المدى، تتحول إلى قوةٍ ناعمة، تصنع السلام دون أن تفرضه، وتحفظ المكانة دون أن ترفع الصوت.

هكذا تمضي الدبلوماسية العُمانية: ثابتة الخطى، عميقة الأثر، تؤمن بأنَّ أكثر الطرق رسوخًا هو ذلك الذي يُسلك بعقلٍ هادئ، وقلبٍ مفتوح، وإيمانٍ راسخ بأن الحوار، مهما طال، يظل أقل كلفة من الصراع.

وفي ختام المشهد، تُثبت الدبلوماسية العُمانية أن الهدوء حين يُدار بحكمة يتحوّل إلى قوة، وأن الصمت المملوء بالبصيرة أبلغ من ضجيج المواقف؛ فهي تمضي بثبات العارفين، لا تستعجل النتائج ولا تُساوم على المبادئ، وتترك للتاريخ أن يشهد بأن السلام يُصنع أحيانًا بأقل الكلمات وأكثرها اتزانًا.

** شاعرة وكاتبة وباحثة في اللسانيات الحديثة وتحليل الخطاب

** الفائزة بجائزة سرد الذهب 2025

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z