قانون التغيير الصامت

 

 

 

صالح بن سعيد الحمداني

 

 

في لحظات قصيرة وربما في ثوانٍ معدودة، تتحول صفوف المصلين داخل المساجد من تجمعات عشوائية قبل الصلاة إلى صفوف مستقيمة ومتناسقة بصورة تثير الإعجاب وهذه الظاهرة البسيطة والمشاهد اليومية تحمل في طياتها رسالة عميقة عن سر التغيير وعن قاعدة أساسية لو أدركناها وطبقناها في حياتنا لتبدلت أحوالنا وتغيرت مجتمعاتنا إلى الأفضل، وإن السر يكمن في أن كل فرد من المصلين يبدأ بنفسه أولًا، فيسعى مباشرة إلى تسوية الصف والالتزام بالنظام دون انتظار أوامر إضافية أو مراقبة خارجية.

النتيجة أن الجميع يتحرك بانسجام وكأن هناك تنسيقًا خفيًا بينهم، بينما الحقيقة أن الأمر لا يتطلب سوى وعي كل شخص بمسؤوليته الفردية وهنا تتجلى قاعدة ذهبية يمكن أن تكون مفتاحًا للتغيير في حياتنا ومجتمعاتنا ابدأ بنفسك، في كثير من الأحيان نقف أمام مشكلاتنا اليومية أو تحديات مجتمعاتنا ونلقي باللوم على الظروف وعلى الآخرين وعلى الحكومات، أو على الزمن نفسه، ننسى أن التغيير الحقيقي لا يأتي إلا حين يتحمل كل فرد مسؤوليته الخاصة ويبدأ بنفسه قبل أن يطالب غيره بالتغيير، عندما يقرر الفرد أن يتغير من الداخل.

أن يعدل من سلوكه وأن ينمّي مهاراته وأن يتبنى القيم الإيجابية فإنه يصبح نواة صغيرة لبذرة التغيير الكبرى، هذا المفهوم ليس جديدًا فقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ"، وهي آية واضحة الدلالة على أن نقطة البداية هي الفرد، ولكن لماذا يصعب على الكثيرين الالتزام بهذه القاعدة؟ السبب ببساطة أننا اعتدنا انتظار التغيير الخارجي،  ننتظر قائدًا ملهمًا أو قوانين صارمة أو ظروفًا مثالية، بينما التجربة تثبت أن المبادرات الفردية مهما بدت بسيطة وهي التي تُحدث الفارق على المدى الطويل، ولو تأملنا مشهد المسجد مرة أخرى، عندما يقرر كل مصلٍّ أن ينتظر غيره حتى يبدأ لبقي الصف غير منتظم ولأصبحت الفوضى هي السائدة، ولكن لأن الجميع يدرك القاعدة ويطبقها تلقائياً يتحقق النظام سريعًا، هذا المثال يمكن إسقاطه على حياتنا اليومية في مجالات شتى، فمثلًا في المرور لو التزم كل سائق بالقوانين دون انتظار رقابة صارمة لاختفت الفوضى والازدحامات، وفي بيئة العمل لو بدأ كل موظف بالالتزام والانضباط والإتقان قبل أن يطالب به الآخرين لارتفع الإنتاج وتحسنت بيئة العمل، وكذا الحال في المنازل لو حرص كل فرد على أداء مسؤولياته باجتهاد لأصبحت الأسرة أكثر ترابطاً ونجاحًا.

القاعدة إذن واضحة.. التغيير الجماعي يبدأ بالتغيير الفردي، وكل خطوة صغيرة يخطوها الفرد نحو الأفضل تضيف إلى خطوات الآخرين حتى تصنع فرقًا ملموسًا في المجتمع كله، من مزايا قاعدة "ابدأ بنفسك" أنها تُلهم الآخرين دون كلمات كثيرة، حين يرى الناس شخصًا منضبطًا ملتزمًا بالقيم والمبادئ ويسعى بجد وإخلاص فإنهم يتأثرون به بطريقة تلقائية، هذا ما يمكن أن نسميه "العدوى الإيجابية"؛ حيث ينتشر السلوك الحسن بين الناس بسرعة لأنه قائم على القدوة العملية لا على التنظير فقط.

التاريخ مليء بأمثلة لأفراد بدأوا بأنفسهم فأثروا في أمم كاملة، فالمصلحون والعلماء والقادة العظماء لم ينتظروا الظروف المثالية؛ بل غيروا أنفسهم أولًا فاكتسبوا الاحترام والتأثير ثم قادوا الآخرين إلى التغيير. ولتطبيق مبدأ "ابدأ بنفسك"، يمكن اتباع خطوات بسيطة لكنها فعّالة تبدء بالوعي بالمسؤولية الفردية بإدراك أن كل تصرف نقوم به يترك أثرًا ومهما بدا صغيرًا، والالتزام بالقيم مثل الصدق والأمانة والانضباط واحترام الوقت وتطوير الذات بالعلم والمهارات وتحسين العادات اليومية، القدوة الحسنة بأن تكون نموذجًا عمليًا لما تريد أن تراه في مجتمعك، مع الاستمرارية.

التغيير ليس قرارًا لحظيًا، ولكنه عملية تحتاج صبرًا ومثابرة، وسر انتظام صفوف المصلين بسرعة يكمن في أن كل فرد يبدأ بنفسه دون انتظار تعليمات طويلة أو توجيهات متكررة، وهذه القاعدة الذهبية لو طُبقت في حياتنا اليومية لأحدثت فرقًا هائلًا في مجتمعاتنا؛ فالتغيير الحقيقي لا يأتي من الخارج بقدر ما يبدأ من الداخل ومن وعي الفرد بمسؤوليته وإرادته للتغيير. وحين تتجمع الإرادات الفردية الصادقة، يصبح التغيير الجماعي حتميًا، إنها رسالة بسيطة وعميقة في الوقت ذاته "ابدأ بنفسك يتغير العالم من حولك".

الأكثر قراءة

z