د. بدر المسكري **
الشركة محدودة المسؤولية نموذجًا
تُعدّ الشركة محدودة المسؤولية إحدى أبرز الصيغ القانونية التي تبنّتها التشريعات المُعاصرة لتحقيق معادلة دقيقة بين تشجيع الاستثمار وضبط الائتمان التجاري. وقد جاء قانون الشركات التجارية العماني ليكرّس هذا الشكل بوصفه إطارًا ملائمًا لتنظيم المشروعات الصغيرة والمتوسطة وجذب رؤوس الأموال، مستندًا إلى ركيزتين جوهريتين هما الشخصية الاعتبارية المستقلة للشركة، والمسؤولية المحدودة للشركاء.
غير أن هاتين الركيزتين، على الرغم من أهميتهما الاقتصادية، تثيران تساؤلات قانونية متصلة بمدى كفاية الحماية المقررة لدائني الشركة، لا سيما في حالات التعثر أو سوء الاستعمال.
فالشركة، منذ تسجيلها، تكتسب شخصية اعتبارية مستقلة عن أشخاص الشركاء، بما يترتب عليه قيام ذمة مالية منفصلة، يكون لها وحدها حق اكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات. وهذا الاستقلال يعني أن العلاقة بين الشريك والشركة ليست علاقة تطابق أو اندماج، بل علاقة قانونية يحكمها مبدأ الفصل بين الذمتين. وقد استقر القضاء العُماني على هذا الفهم، إذ أكدت المحكمة العليا العمانية في أكثر من مناسبة- من بينها الطعن رقم 877/201- أن الشركة كشخص معنوي لا تختلط شخصيتها بشخصية شركائها، وأن ديونها لا تُعد ديونًا عليهم، وهو تأكيد قضائي يُعزز القراءة التشريعية دون أن يُنشئها.
وانطلاقًا من هذا الأساس، قرر المشرع في المادة (234) من القانون ذاته أن مسؤولية الشريك تقتصر على مقدار حصته في رأس المال، فلا تمتد إلى أمواله الخاصة. وهذا التنظيم لا يمثل امتيازًا استثنائيًا بقدر ما يُجسد فلسفة اقتصادية قوامها حصر المخاطر في نطاق المشروع ذاته، بما يشجع على الاستثمار ويُسهم في تنشيط الحركة التجارية. وقد جاء القضاء ليؤيد هذا الاتجاه عند تطبيقه، حيث بيّنت المحكمة العليا العمانية في الطعن رقم 859/2019 أن الرجوع على الشريك خارج حدود حصته يُعد خروجًا على القاعدة التي أرساها القانون، وهو ما يعكس انسجام الاجتهاد القضائي مع الإرادة التشريعية في حماية مبدأ المسؤولية المحدودة.
غير أن هذه الحماية، وإن كانت مبررة من زاوية الاستثمار، قد تُلقي بظلالها على مركز الدائنين؛ إذ ينحصر ضمانهم في أصول الشركة وحدها. فإذا تبين أن هذه الأصول غير كافية أو تم العبث بها، فإن الائتمان التجاري يتعرض للاهتزاز. ومن هنا تدخل المشرع ليقرر استثناءات محددة تُجيز الخروج على مبدأ الشخصية الاعتبارية المستقلة للشركة والمسؤولية المحدودة للشركاء في حالات بعينها، حيث أورد بعض الاستثناءات التي تهدف إلى إسقاط حاجز الحماية عن الشريك وتجعله مسؤولًا في أمواله الخاصة. فقد ورد أول استثناء صريح في المادتين 234و235 قانون الشركات في حالة تجاوز عدد الشركاء للحد الأقصى المسموح به قانونًا وكذلك أورد المشرع العماني استثناء اخر في المادة 236 من قانون الشركات التي تهدف إلى حماية الغير حسن النية ممن يتعامل مع هذه الشركة ضد التضليل بما يتعلق بطبيعة المسؤولية المحدودة للشركاء في هذا الشكل من الشركات؛ حيث تقرر استبعاد ميزة المسؤولية المحدودة للشركاء في حالة عدم ذكر نوع الشركة في اسمها ومراسلاتها وهذا قد يضلل الغير حسن النية الذي يتعامل مع الشركة.
وكذلك أورد المشرع نصًا صريحًا في المادة 242 على المسؤولية الشخصية للشريك في حالة المبالغة في تقييم الحصة العينية التي تضمن جدية وصحة رأس المال وتوضح الملاءة المالية الحقيقية للشركة. فيما عدا ذلك تركز نصوص المسؤولية غير المحدودة في الشركات ذات المسؤولية المحدودة على محاسبة المدير المفوض بالتوقيع والإدارة وفقا للحالات التي نص عليه قانون الشركات. ولا يخفى أن تطبيق هذه المادة من الناحية العملية ينطوي على بعض التحديات العملية مثل صعوبة إثبات سوء النية، مما يضعف فرص دائني الشركة في استرجاع حقوقهم وتظهر أهمية هذه الاستثناءات في كونها أدوات تصحيحية تُفعل عند ثبوت الانحراف، دون أن تمس بالأصل العام.
وقد عكس القضاء هذا التوجه المتوازن، إذ لم يتوسع في تحميل الشركاء أو المديرين مسؤولية شخصية إلا عند قيام موجبها القانوني، بما يحافظ على استقرار المعاملات ويمنع إساءة استعمال الشكل القانوني في آنٍ واحد. فالأحكام القضائية لم تُنشئ نظرية عامة لاختراق الشخصية الاعتبارية، لكنها أيدت تطبيق النصوص الاستثنائية في حدودها المقررة، وهو ما يعزز فكرة أن الحماية الممنوحة للشركاء ليست حصانة مطلقة، وإنما حماية مشروطة بحسن الاستعمال.
ويبدو أن المشرع كان أكثر صراحة في حالة شركة الشخص الواحد؛ إذ أجاز، وفق المادة 296 مساءلة مالكها في أمواله الخاصة عند ثبوت سوء النية أو خلط الذمم، وهو ما يكشف عن إدراك تشريعي لخطورة تركز السلطة في يد شخص واحد. غير أن غياب نظرية عامة لرفع الحجاب القانوني في بقية صور الشركات يطرح تساؤلًا حول مدى كفاية التنظيم الحالي لمواجهة صور التحايل المستحدثة، وهو أمر قد يُترك لتطور الاجتهاد القضائي في إطار النصوص القائمة.
ختامًا.. إنَّ صراع المسؤولية والائتمان في نطاق الشركة محدودة المسؤولية ليس صراعًا عارضًا، بل هو نتيجة طبيعية لفلسفة هذا الشكل القانوني ذاته. فكلما تعززت حماية الشركاء، اتسعت دائرة المخاطر التي يتحملها الدائنون، والعكس صحيح. ومن ثمّ، فإن تحقيق التوازن بين الطرفين يقتضي تطبيق الاستثناءات بحذر، وتفسيرها تفسيرًا ضيقًا يحقق الغاية منها دون أن يُفرغ مبدأ الشخصية الاعتبارية المستقلة للشركة والمسؤولية المحدودة للشركاء من مضمونه.
وقد أظهر القضاء العُماني، في اتجاهاته العامة، حرصًا على هذا التوازن، مؤكدًا أن الشخصية الاعتبارية ليست أداة للتحايل، كما أنها ليست قابلة للإهدار لمجرد تعثر الشركة. وبهذا المعنى، يبقى التوازن بين حماية الاستثمار وصون الائتمان هو المعيار الحقيقي لنجاح التنظيم القانوني للشركة محدودة المسؤولية.
** كلية الحقوق جامعة السلطان قابوس
