الميزانية والتطلعات الوطنية

حاتم الطائي

 

"ميزانية 2026" تتزامن مع المرحلة التنفيذية الثانية لـ"عُمان 2040"

نجحنا في التغلب على التحديات الاقتصادية وحان وقت "الانطلاق"

إنعاش القطاع الخاص يظل التحدي الأكبر.. والتحفيز هو الحل

 

في مُستهل كُلِّ عَامٍ، يترقب المُجتمع إعلان تفاصيل الميزانية العامة للدَّولة، استبشارًا بما ستأتي به من خير وازدهار لوطننا الحبيب، وأملًا في أن تتحقق في العام الجديد التطلعات الوطنية الطموحة، في مختلف القطاعات، وعلى رأسها القطاع الاقتصادي الذي ينعكس مُباشرة على حياة المواطنين.

وما يُضاعِف الآمال هذا العام، أنَّ ميزانية 2026 تتزامن مع الانطلاقة الثانية في رؤية "عُمان 2040"، من خلال بدء تنفيذ خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة، والتي تحمل في طياتها العديد من المشروعات الواعدة في شتى المجالات، وبصفة خاصة في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية. وقد عكست الأرقام التي أُعلن عنها مدى الإنجازات المُتحققة؛ سواء فيما يتعلَّق بميزانية 2025، أو في تقديرات ميزانية 2026، من حيث الإنفاق العام والإيرادات والعجز المالي وحجم الدين العام، وغيرها من أرقام ومؤشرات تبرهن على حجم الجهود المبذولة من أجل أن ينعم وطننا بالازدهار والنماء.

والمُلاحظ أننا منذ انطلاق مسيرة النهضة المُتجددة، وبدء تنفيذ رؤيتنا التنموية الطموحة "عُمان 2040"، يُواصل اقتصادنا التغلُّب على التحديات، وهي في حقيقة الأمر تحديات صعبة تسببت في مشكلات اقتصادية لدول أخرى لم تستطع أن تتكيف مع الضغوط التي فرضتها الأوضاع العالمية والإقليمية منذ 2020، مثل الجائحة الصحية والتراجع الشديد في أسعار النفط واضطرابات سلاسل الإمداد والتوريد علاوة على اضطرابات الملاحة البحرية، وغني عن الذكر التوترات والصراعات العسكرية والحروب، وليس آخرها حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، والعدوان على قطر وإيران ولبنان، وتأجج الصراع في اليمن، وغيرها من المتغيرات الإقليمية التي تُؤثر بالسلب على مسارات النمو الاقتصادي. لكن وبفضل القيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- وما يُسديه من توجيهاتٍ ساميةٍ كريمةٍ، فقد نجحت الوزارات المعنية بالمالية والاقتصاد والتجارة والاستثمارات، في تنفيذ سياسات مالية واقتصادية متوازنة، حافظت على معدلات نمو مناسبة، مع خطط ترشيد حكيمة، تجلّت في تنفيذ برنامج التوازن المالي، والذي حقق نجاحات على صعيد خفض الدين العام من أكثر من 70% من الناتج المحلي إلى نحو 36% حاليًا، كما استطاعت هذه السياسات الحصيفة أن تكبح العجز المالي، بعدما وصل إلى أرقام مليارية في سنوات قليلة مضت، ليبلغ في ميزانية العام الجاري 530 مليون ريال.

مثل هذه التطورات أسهمت في تعزيز معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي، والذي بلغ بالأسعار الثابتة 39.2 مليار ريال بنهاية عام 2025، مقارنة مع 34.5 مليار ريال عُماني بنهاية عام 2021، وهي السنة الأولى في الخطة الخمسية العاشرة، أي بنسبة نمو 14% خلال تلك الخطة. وهذا النمو لم يتحقق من فراغ، ولا اعتمادًا على أسعار النفط وحسب؛ بل بالتركيز على القطاعات غير النفطية، وهنا مربط الفرس؛ إذ إنَّ تسريع وتيرة التنويع الاقتصادي من شأنه أن يساعدنا في تحقيق المُستهدفات الوطنية، سواء فيما يتعلق بمعدلات النمو، أو توفير الوظائف للشباب، أو إنعاش القطاع الخاص.

وهذه قضية تتطلب مزيدًا من تسليط الضوء عليها، فرغم ما يتحقق من تطورات إيجابية حازت على إشادات المؤسسات الدولية، لا سيما فيما يتعلق باستعادة مستوى الجدارة الائتمانية، إلّا أنَّ انعكاسات هذا التَّقدم على أداء القطاع الخاص وتطورات الأسواق المحلية، دون المأمول؛ فالقطاع الخاص ما يزال يُعاني من حالة ضعف عام، وعدم قدرة على التوسع، لعوامل عدة من بينها ارتفاع تكلفة التمويل وغياب المُحفزات، واستمرار بعض التعقيدات الإدارية، أضف إلى ذلك استمرار ضعف القوة الشرائية في المجتمع، نتيجة جمود الرواتب وتباطؤ وتيرة نمو دخل الأفراد، علاوة على تشبُّع السوق المحلية في بعض القطاعات؛ الأمر الذي يؤثر على تنافسية هذه القطاعات.

مثل هذه الأوضاع، تتطلب مضاعفة جهود التنمية الاقتصادية، وفق نهج اللامركزية الذي يدعو له صاحب الجلالة- أيده الله- في كثيرٍ من المناسبات، وهذا النهج قادر فعليًا على إحداث تطور لافت في منظومة الاقتصاد الوطني؛ حيث أسهمت المُخصصات المالية للمحافظات في دفع التنمية المحلية، وقد بلغ إجمالي المبالغ المعتمدة لتنمية المحافظات بنهاية 2025، نحو 983 مليون ريال، ونأمل زيادة المخصصات خلال خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة، وتعزيز صلاحيات المُحافظين، لا سيما فيما يتعلق بزيادة جذب الاستثمار الأجنبي وتنفيذ المشاريع النوعية التي تعود بالنفع على المواطن.

لقد كشفت الميزانية العامة للدولة لسنة 2026 وإعلان ملامح من خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة، عن طموحات واعدة لتعزيز النمو الاقتصادي، منها استحداث مسار في الميزانية الإنمائية لمشروعات التحول الاقتصادي التي تدعم تعظيم العائد الاقتصادي للمحافظات والقطاعات الاقتصادية المُستهدفة، بإجمالي مخصصات سنوية تصل إلى 400 مليون ريال، ولا شك أنَّ هذا المسار سيُؤتي ثماره الاقتصادية والتنموية. وهنا تأكيد على أهمية تنفيذ أفكار غير تقليدية، تُسهم في إحداث التحولات الاقتصادية المنشودة، وتدعم مسارات النمو.

ويبقى القول.. إنَّ الميزانية العامة للدولة لسنة 2026 وبدء تنفيذ خطة التنمية الخمسية الحادية عشرة، تحمل بُشريات سارة لنا جميعًا، وعلى الجهات المعنية أن تحرص على تطبيق الخطة بصورة تَتكاملُ مع تطلعات المُواطن، وتدعم النمو الاقتصادي، وبصفة خاصة نمو القطاع الخاص، مع تعزيز كفاءة منظومة الحماية الاجتماعية؛ بما يضمن تحقيق المُستهدفات الوطنية وترسيخ الاستقرار والرخاء الاقتصادي في عُماننا الحبيبة.

الأكثر قراءة

z