الهيمنة الأمريكية وصناعة الاضطراب

 

 

 

خالد بن سالم الغساني

 

تستمر ملامح الصراع وتتجدد بين الولايات المتحدة الأمريكية والدول التي ترفض الخضوع لهيمنتها السياسية والاقتصادية، وفي مُقدمتها إيران، بوصفها نموذجًا واضحًا لدولة اختارت منذ عقود مسار الاستقلال السياسي ورفض التبعية، الأمر الذي جعلها هدفًا دائمًا لمشاريع الاحتواء والعقوبات والتدخل غير المباشر. فمنذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، وطرد شاه إيران محمد رضا بهلوي، وإعلان قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية بموقفها الواضح المناهض للكيان الصهيوني المحتل والداعم لقضية الشعب الفلسطيني، لم تكن العلاقة بين واشنطن وطهران سوى علاقة صراع بنيوي، يرتبط بطبيعة المشروع الأمريكي القائم على فرض النفوذ وإعادة تشكيل الأنظمة بما يخدم مصالحه الاستراتيجية وحماية حلفائه، وعلى رأسهم الكيان الإسرائيلي.

لقد أثبتت التجربة التاريخية أن الولايات المتحدة لا تتعامل مع مفهوم السيادة الوطنية بوصفه حقًا ثابتًا للشعوب، بل كمُتغير يمكن تجاوزه متى تعارض مع مصالحها. ومن هنا فإن تدخلها في الشؤون الداخلية للدول لا يأخذ دائمًا طابع الاحتلال العسكري المباشر، وإنما يتجلى في أدوات أكثر تعقيدًا وأقل كلفة، مثل العقوبات الاقتصادية، والحصار المالي، والحروب الإعلامية، والضغوط الدبلوماسية، فضلًا عن دعم وتمويل منظمات وقوى سياسية مُعارضة تعمل، بوعي أو من دونه، على زعزعة الاستقرار الداخلي وإضعاف الدولة من الداخل.

في الحالة الإيرانية، يظهر هذا النمط بوضوح. فمنذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، تحولت إيران إلى هدف ثابت للسياسة الأمريكية، ليس فقط بسبب خروجها من دائرة النفوذ الغربي، بل أيضًا بسبب تبنيها خطابًا وممارسة سياسية مُعادية للكيان الإسرائيلي، ودعمها العلني لحركات المقاومة في فلسطين ولبنان والمنطقة. هذا الموقف وضعها في مواجهة مباشرة مع المشروع الأمريكي- الإسرائيلي، وجعل أي استقرار داخلي فيها يُنظر إليه في واشنطن بوصفه تهديدًا استراتيجيًا طويل الأمد.

وتتعمد الولايات المتحدة، في هذا السياق، تسويق تدخلاتها تحت عناوين براقة من مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، بينما تتجاهل عن عمد الدور الذي تلعبه سياساتها في تعميق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية داخل الدول المستهدفة؛ فالعقوبات المفروضة على إيران، على سبيل المثال، لم تكن يومًا موجهة فقط ضد مؤسسات الدولة؛ بل أصابت حياة المواطنين بشكل مباشر، وأسهمت في تآكل العملة وارتفاع معدلات التضخم والبطالة. ثم يُعاد توظيف هذه النتائج لاحقًا في الخطاب الأمريكي بوصفها دليلًا على فشل النظام، دون أي اعتراف بالمسؤولية الخارجية عن هذا التدهور.

إن دعم واشنطن لما تسميه قوى المجتمع المدني أو المعارضة الديمقراطية، غالبًا ما يتجاوز حدود التضامن السياسي ليصل إلى التمويل المباشر والتوجيه الإعلامي، في محاولة لصناعة بدائل سياسية منسجمة مع رؤيتها ومصالحها. ولا يعني ذلك نفي وجود مطالب داخلية مشروعة أو أزمات حقيقية، لكن الإشكالية تكمن في تحويل هذه المطالب إلى أدوات ضغط جيوسياسي، تُستخدم لإضعاف الدول المُناوئة وإدخالها في دوامة عدم الاستقرار.

ولا يقتصر هذا النهج على إيران وحدها، بل يتكرر في مناطق مختلفة من العالم، ولعل فنزويلا تمثل مثالًا صارخًا على ذلك. فقد شهدت هذه الدولة تدخلات أمريكية مباشرة وغير مباشرة، شملت فرض عقوبات قاسية، ودعم محاولات إسقاط الحكومة المنتخبة، والسعي إلى فرض قيادة بديلة تحظى بالاعتراف الخارجي دون سند شعبي حقيقي. وكانت النتيجة تعميق الأزمة الاقتصادية وزيادة معاناة الشعب، من دون تحقيق الاستقرار أو الديمقراطية التي ادّعت واشنطن السعي إليها.

في إيران، يتداخل العامل الداخلي مع الخارجي بصورة معقدة. فالتحديات الاقتصادية والاجتماعية قائمة، لكن توظيفها ضمن استراتيجية الضغط الأقصى يجعلها جزءًا من صراع أوسع يتجاوز حدود الداخل الإيراني. كما أن التصعيد الأمريكي في الخطاب السياسي والإعلامي تجاه طهران يعكس محاولة دائمة لاستثمار أي اضطراب داخلي في سياق الصراع الإقليمي، خصوصًا في ظل فشل السياسات السابقة في دفع إيران إلى التخلي عن خياراتها الاستراتيجية أو تغيير مواقفها من قضايا المنطقة.

ولا يمكن فهم هذا الصراع بمعزل عن العداء التاريخي بين إيران والكيان الإسرائيلي؛ إذ تشكل إيران اليوم أحد أبرز الداعمين لمحور المقاومة، ما يضعها في مواجهة مباشرة مع منظومة الهيمنة في المنطقة. ومن هنا، فإن أي تحرك داخلي أو أزمة اقتصادية داخل إيران تُقرأ أمريكيًا باعتبارها فرصة لإعادة خلط الأوراق، لا من منطلق الحرص على الشعب الإيراني، بل في إطار صراع النفوذ والمصالح.

التجربتان الإيرانية والفنزويلية وسواهما، تكشفان أن التدخلات الأمريكية تقوم على منطق الهيمنة والتبعية الاستعمارية، لا الشراكة، وعلى صناعة الاضطراب وما يُسمى بـ"الفوضى الخلاقة"، سيئة الصيت، لا دعم الاستقرار. وهي سياسات قد تنجح مرحليًا في إرباك الدول المستهدفة، لكنها غالبًا ما تفشل في كسر إرادة الشعوب، وتترك خلفها أزمات أعمق، بينما يبقى الخطاب الأخلاقي مجرد غطاء لسياسات ضغط وفوضى تخدم مصالح ضيقة على حساب السيادة الوطنية والاستقرار العالمي.

الأكثر قراءة

z