طاعة القانون أم المسؤول؟

 

 

 

 

 

 

خالد بن حمد الرواحي

 

في أروقة بعض المؤسسات الحكومية، يقف الموظف الملتزم أمام امتحانٍ أخلاقيٍّ يومي لا يراه أحد؛ امتحان بين صوتٍ داخليٍّ يذكّره بالقانون، وصوت خارجي يُطالبه برغبات مسؤولٍ يخشى مخالفتها.

وبينما يسعى هذا الموظف إلى تطبيق الإجراءات بكل أمانة، يجد نفسه أحيانًا أمام تعليماتٍ شفوية لا تشبه النصوص التي يعرفها، ولا تتسق مع روح النظام الذي يؤمن به، لكنها تصدر من صاحب سلطة يضع في يده تقييمه ومساره المهني، وربما مستقبله الوظيفي كلّه. ولأنها تأتي بلا ورقة ولا توقيع، تبدو في ظاهرها مجرد «طلب بسيط»، لكنها في حقيقتها بداية التناقض الذي قد يجرّ الموظف إلى منطقة لا تشبه قيمه ولا مبادئه.

وحين يتلقّى الموظف هذا النوع من التعليمات، يجد نفسه في منطقةٍ رمادية لا قواعد واضحة فيها؛ فإن أطاع، شعر بأنَّه تخلّى عن قيمه وضميره، وأنه وضع نفسه في دائرة الخطر التي قد تنقلب عليه يومًا إذا تغيّر المسؤول وجاء آخر يفتح الملفات المغلقة. وإن رفض، بات في نظر مسؤوله شخصًا «غير متعاون» أو صاحب «مشكلة شخصية»، لتبدأ سلسلة ردود الفعل الصامتة: تقييمٌ أقل مما يستحق، وتجاهلٌ للفرص، وتجميدٌ هادئ لمساره الوظيفي. وبين الطاعة والرفض، يعيش الموظف صراعًا لا يسمعه أحد… لكنه يستنزف داخله أكثر مما يفعل أي عبءٍ وظيفيٍّ آخر، ويمهّد لمرحلةٍ أكثر تعقيدًا حين تتداخل المصالح الشخصية مع التعليمات الرسمية.

يزداد هذا التناقض قسوةً حين يدرك الموظف أن هذه التعليمات لا تنبع من حاجة مهنية، بل من شبكة مصالح يسعى المسؤول من خلالها إلى تحصين موقعه وتعزيز نفوذه. فبعض المسؤولين يتجاوزون الإجراءات، ويغضّون الطرف عن الأنظمة، ويمرّرون معاملاتٍ غير مستوفية لأن علاقاتهم الشخصية تتطلّب ذلك؛ كأن يُطلب من موظفٍ تمريرُ معاملةٍ ناقصة، أو تجاوزُ تسلسُلٍ إداريٍّ واضح لإرضاء طرفٍ نافذ. ولأن المسؤول يُدرك خطورة ما يطلبه، يحرص على أن يبقى كل شيء «شفهيًا»… بلا ورقة، ولا توقيع، ولا أثر يمكن الرجوع إليه عند المساءلة. وهكذا يتحول الموظف إلى الحلقة الأضعف في معادلة مختلّة؛ يُطلب منه التنفيذ دون حماية، ويُحاسَب وحده إذا تغيّرت الأوضاع، بينما يبقى المسؤول في مأمنٍ خلف ستار الصلاحيات، مما يفتح الباب لأسئلةٍ أكبر حول دور المؤسسة نفسها في ردع هذه الممارسات.

هنا تبرز مسؤولية المؤسسة قبل مسؤولية الفرد؛ فحماية الموظف من التعليمات الشفوية لا ينبغي أن تُترك لاجتهاده الشخصي، بل هي واجبٌ مؤسسيٌّ لا يحتمل التأجيل. فالمؤسسات التي تسمح بانتشار التوجيهات غير الموثَّقة تُضعف منظومتها الرقابية من دون أن تشعر، وتمنح مساحةً خطرة للتفسير الشخصي للقانون بدلًا من الالتزام بروحه ونصّه. ولهذا، تصبح الحاجة مُلحّة إلى نشر ثقافة واضحة تؤكد أن أي توجيه يتعلق بالإجراءات أو المعاملات يجب أن يكون مكتوبًا، ومحددًا، ويمكن الرجوع إليه عند المساءلة. فالتوثيق ليس مجرد ورقة؛ بل هو ضمانة للعدالة، وحماية للموظف والمسؤول معًا، وسدٌّ للطريق أمام تحوّل الصلاحيات إلى أدوات شخصية لا تخدم المؤسسة ولا المجتمع.

وفي النهاية، لا تُقاس قوة المؤسسات بعدد اللوائح التي تصدرها، بل بقدرتها على تطبيقها بعدلٍ وحماية من يلتزم بها؛ فالموظف الذي يرفض مخالفة القانون ليس متمرّدًا ولا خصمًا، بل شريكٌ صادق في حماية سمعة المؤسسة وصون نزاهتها. وعندما تُرسّخ المؤسسات ثقافة التوثيق، وتُجرّم التعليمات الشفوية، وتُحاسب كل من يتجاوز القانون- أيًا كان موقعه- يتحقّق التوازن بين السلطة والمسؤولية، وتزدهر بيئة العمل التي يقوم نجاحها على الإنصاف لا على الأهواء. عندها فقط، يعمل الموظف مطمئنًّا، ويقود المسؤول بثقة، وتمضي المؤسسة بثباتٍ نحو مستقبلٍ لا تضيّعه تناقضات الأفراد، بل تبنيه قيم العدالة والنزاهة واحترام القانون.

الأكثر قراءة

z