الشيخ الخليلي.. فكر إصلاحي متزن

 

 

د. محمد بن خلفان العاصمي

يبرُز سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي المُفتي العام لسلطنة عُمان كأحد العلماء المُجدِّدين في هذا العصر، وهو من بين القلة من العلماء الذين جعلوا ميزان الحكمة والدعوة إلى التسامح ولَمّ شمل المُسلمين ووحدة صفهم ونبذ خلافاتهم، منهجًا يسير عليه في رسالته الدعوية، وطريقًا يسلكه في خدمة دينه الحنيف.

ولا مبالغة إذا قلنا إنَّ سماحة الشيخ المفتي رسم خطًا متفردًا في صلابة موقفه وحفاظه على مبادئ الدين الإسلامي الحنيف، ونبذه لكل ما من شأنه المساس بالعقيدة الإسلامية، ودائمًا ما كانت آراؤه منطلقة من قناعاته وفكره الديني المعتدل الذي ينبذ الإكراه ويدعو بالتي هي أحسن.

وخلال العقود الخمسة التي قضاها سماحته مفتيًا لسلطنة عُمان عاصر العديد من التحولات الفكرية في الأُمَّة؛ فمع بداية تعيينه مفتيًا كانت الشيوعية الماركسية تسعى جاهدة للعبث بفكر الشباب المسلم في الوطن العربي، ووصل هذا الخطر إلى الوطن العزيز من خلال ما كان يُعرف بجبهة تحرير الخليج العربي. هذا الفكر الذي كان يدعو للتحرر مما يراه قيودًا ورجعية في تعاليم الدين الحنيف، وراحت هذه الأفكار في تلك المرحلة بشكل كبير في العالم الإسلامي، ولم نكن استثناءً من هذا المد الفكري الضال. هذه الأوضاع فرضت واقعًا جديدًا تطلبت مجابهته منهجية فكرية مضادة تعتمد على مخاطبة العقل، ودحض الفكرة بالفكرة فكانت سنوات سماحته الأولى تحديًا حقيقيًا، وهو الذي عرف الفكر الشيوعي وخطورته عندما تمكن من الشرق الأفريقي وارتكب أبشع الجرائم باسم التحرر والحرية.

ثم جاءت مرحلة أخرى مع بداية الثمانينيات من القرن الماضي، عندما انتشرت أفكار التشدد الديني والتطرف التي شوهت صورة الإسلام، وانتجت الإرهاب والتطرف الذي ربط بالإسلام وهو بريء منه، وهذا الفكر الذي مثل خطورة بالغة على الإسلام والمسلمين، وجذب كثيراً من الشباب الذين لم يتم تسليحهم بمبادئ الدين الحنيف بشكل جيد، والذين كانوا ضحايا تيارات فكرية مختلفة أفضت إلى وقوع الكثير منهم في دائرة التطرف والإرهاب. وكالعادة كان لسماحته جهدًا كبيرًا في الحفاظ على الشباب العُماني المسلم بعيدًا عن هذه الأفكار الضالة، وذلك من خلال سلسلة ممنهجة من العمل الدعوي وحملات التوعية ونشر مبادئ الدين الإسلامي السمحة، ونجحت سلطنة عُمان في ترسيخ قيم التسامح والاعتدال من خلال عمل متكامل وممنهج متعدد الجوانب.

لن تنسى الأجيال درس الإثنين في جامعة السلطان قابوس ودرس الثلاثاء في جامع السلطان قابوس بروي؛ حيث صبَّ سماحته خلاصة فكره الإسلامي المعتدل في عقول الناشئة. هذه الدروس ساهمت بشكل كبير في خلق جيلٍ واعٍ من الشباب العُماني الذي ينهج الإسلام المعتدل البعيد عن الغلو والانحراف وعن التساهل في حدود الدين والعقيدة الصحيحة، ولذلك نشأ هذا الشباب على نهج إسلامي لا يرى في المذهبية والتشدد خيرًا؛ بل يرى إسلامًا بلا مذاهب، ولذلك ابتعدت سلطنة عُمان طوال تاريخها عن المذهبية والطائفية، وتجنَّبت المزالق التي انزلقت إليها عديد الدول، وعانت منها فترة طويلة راح خلالها عديد الضحايا وسلب الأمن والأمان منها، ولذلك جاءت رسالة سماحته الدعوية مركزة على ترسيخ القيم الإسلامية الصحيحة في عقول الشباب وهم في أهم مرحلة عمرية تتجاذبها الصراعات الفكرية والسياسية.

وفي أهم قضية من قضايا الأمة الإسلامية وهي القضية الفلسطينية، وقف سماحة الشيخ الخليلي شامخًا كالطود، ثابت الرأي والمبادئ داعيًا إلى مقاومة هذا الاحتلال البغيض والورم السرطاني الذي ابتُليت به الأمة الإسلامية في واحدة من بقاع الإسلام الغالية. وقد كانت لسماحته مواقف مشهودة حول القضية الفلسطينية جعلته في منزلة عالية في قلوب المسلمين وخاصة أبناء فلسطين الذين لقبوه بـ"شيخ المجاهدين" و"شيخ المقاومة"، وهذه المواقف نابعة من إحساس سماحته بدوره كعالم في المقام الأول وما يتحمله العلماء من مسؤولية وأمانة، وكمواطن عربي مسلم يشعر بما يجب عليه اتجاه هذه القضية الإنسانية. ولقد ضرب سماحته أروع الأمثلة في الوقوف مع القضية الفلسطينية دون أن يخلط آراءه بمواقف سياسية واعتبارات لا يجد لها مبرر أمام الواحد القهار؛ بل صدح بكلمة الحق وأعلن انحيازه الكامل دون تردد. ومِثل سماحته ورجل بقيمته فهو يمثل قيمة كبيرة للقضية الفلسطينية وكلماته تجد صدى واسعاً وتبعث في نفوس أبناء الأمة الأمل بدحر هذا الاحتلال، كما إن أبناء فلسطين العزيزة يجدون في دعم سماحته خير سند لهم في هذه الأيام الصعبة.

لقد ساهم سماحة الشيخ الخليلي في مسيرة الفكر الإسلامي وأثرى مكتبة الأمة بكتب قيمة، والقارئ لكتب سماحته يدرك أنَّ ما بداخلها خطاب فكري عميق ورسائل فكرية تبحث عن إعادة الأمة إلى مسارها الصحيح وريادتها الحضارية التي فقدت عندما تخلى بعض علمائها عن واجبهم تجاه قضايا الأمة الإسلامية الأساسية. وهذه الكتب في مجملها هي عصارة تجارب وخبرات وقراءات واجتهادات فكرية لسماحته، وفيها ما يبهر الإنسان حول شخصية الكاتب الفذ خاصة عندما يعلم بعض أبناء الأمة أن كاتبها لم يكن يومًا دارسًا نظاميًا في مدرسة أو جامعة.

هناك الكثير مما يمكن كتابته حول هذا العالم الرباني ولا يمكن أن نحصر إسهامات سماحة الشيخ الخليلي في بضع مقالات، وما يزال عطاؤه مستمرًا بفضل الله تعالى الذي نسأله أن يبارك لنا في عمره وعلمه، ويكفي الإشارة إلى اختياره وهو في تلك السن ليكون مفتيًا لسلطنة عُمان في الوقت الذي كانت تعج البلاد بالعلماء الأفذاذ لندرك قيمة ما يملكه هذا العالم وما يمثله من فكر قادر على المساهمة في تنشئة أجيال إسلامية مُحافظة.

ومن أجل ذلك وجب علينا أن نُربي أجيالنا ونقرّبهم من القدوات التي سخرت حياتها لخدمة الأمة ورفعة شأنها، وأن تكون النماذج الحاضرة في أذهانهم هي بقيمة سماحته، حتى يكون لدينا جيل قادر على تحقيق آمال الأمة ونهضتها.

الأكثر قراءة

z