الصين.. النموذج وخطوط التصدع

 

 

علي الرئيسي

ما يُميِّز المجتمع الصيني أنه مجتمع غير مُتديِّن، رغم انتشار كل الديانات في الصين؛ فهناك البوذيون، والمسيحيون، والمسلمون. غير أن الدين ليس عاملًا مهمًا في الثقافة والمجتمع الصيني. إن الذي يجمع الصينيين هو الثقافة الصينية. كان الإمبراطور شخصًا مقدسًا لدى الصينيين، لذلك لا يخضع الإمبراطور للنقد، وإنما تُنتقد السياسات. إن التاريخ الحضاري الطويل للصين وثقافتها المميزة هو العامل الذي يميز الصينيين. حتى اللغة لا تجمعهم، فهناك لغات متعددة في الصين؛ فأهل الشمال لغتهم تختلف عن لغة أهل الجنوب.

ما هي خطوط التصدع (Fault Lines) في الاقتصاد الصيني؟ هناك شبه إجماع، سواء تم قياسه من حيث الاتساع أو العمق، على أن النظام المالي الصيني لا يزال متخلفًا؛ فهو يعتمد شبه كليّ على البنوك. الائتمان المصرفي هو المصدر الأساس للتمويل في الصين؛ إذ بلغ في عام 2019 حوالي 165% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما في الولايات المتحدة -على سبيل المقارنة- يشكِّل الائتمان المصرفي حوالي 52% من الناتج المحلي الإجمالي.

وفي الاقتصادات المتقدمة، فإن أسواق المال -مثل الأسهم والسندات- تؤدي دورًا أكبر في تمويل النمو والابتكار؛ ففي الولايات المتحدة، تبلغ نسبة سوق الأسهم (مقاسة بالقيمة السوقية للأسهم المصدرة) حوالي 150% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2019، بينما تبلغ نسبة سوق السندات حوالي 250% من الناتج المحلي الإجمالي. أما في الصين، فإن سوق الأسهم تُشكِّل 60% من الناتج المحلي الإجمالي، وسوق السندات ارتفعت من 35% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2008 إلى 113% في عام 2020، ويرجع ذلك أساسًا إلى هيمنة الحكومة الصينية على سياسات البنك المركزي (بنك الشعب الصيني). ولا يزال البعض يذكر أن النظام المالي في الصين يُعاني مما يُسمّى بالكبت المالي (Financial Repression)، ولا تزال الصين تُحدِّد أسعار الفائدة على الودائع والقروض، كما تُحدِّد أسعار صرف الرنمينبي (اليوان)، رغم أنها أدخلت كثيرًا من المرونة على هذه السياسات. وترى الصين أن هذه السياسات قد حصَّنت النظام المالي والمصرفي من الانهيارات والأزمات التي عصفت بالنظام المالي العالمي في عام 2008، وكذلك من الأزمة التي حلَّت بالدول الآسيوية بعد أن قامت بتحرير سوق رأس المال في عام 1997.

يُعلِّمنا تاريخ الاقتصاد السياسي أن أي دولة لكي تتحول إلى دولة عظمى، لا بد أن تكون عملتها هي السائدة في المعاملات التجارية والمالية. وهذا ما حصل فعلًا مع بريطانيا حينما كانت الشمس لا تغرب عن إمبراطوريتها، وكذلك مع الدولار الأمريكي بعد الحرب العالمية الثانية، ورغم أن الصين في السنوات الأخيرة عقدت الكثير من الاتفاقيات لتسوية معاملاتها التجارية بعملتها الوطنية، إلّا أن الرنمينبي لا يزال لم يصل إلى مستوى يمكنه من الحلول محل الدولار الأمريكي كعملة أساسية لتسوية المعاملات التجارية أو المالية أو كعملة احتياط. ويذكُر بعض المراقبين أن المسؤولين الصينيين يتجنبون عمدًا تحويل عملتهم إلى عملة احتياطية عالمية. كما أن ضحالة أسواق المال وأسواق العملات تجعل من الصعب أن تتحول العملة الصينية إلى عملة تسويات واحتياط في القريب العاجل.

اتخذت الصين خطوات مهمة نحو إصدار عملة رقمية مصدَرة من البنك المركزي، والسؤال: كيف يمكن أن يؤثر صعود العملة الرقمية على خطة الصين لإزاحة الدولار عن هيمنته؛ بما يسمح لدول مثل الصين بتجاوز النظام المالي الحالي الذي يُهيمن عليه الدولار عند إجراء معاملات مع دول أخرى؟ قد يؤدي ذلك إلى مستقبل يمكن فيه لأي شخص إرسال الأموال إلى الخارج بأي عملة يختارها بلمسة زر، وسيؤدي هذا بالتأكيد إلى خفض تكلفة المعاملات وإضعاف هيمنة الدولار.

المسألة الأخرى التي تُثار حول النموذج الصيني هي التمويل السخي الذي تحصل عليه الصناعات الصينية، والذي تسبب في الهدر والفساد. وأدَّى ذلك إلى نشوء صناعات تُنتج فيها عشرات الشركات المنافسة منتجات مُتشابِهة تكافح لتحقيق الربح. ويؤدي ذلك إلى خفض الأسعار، كما تسبَّب في تردُّد الشركات في توظيف موظفين جدد أو رفع الأجور؛ مما أفضى إلى انخفاض ثقة المستهلك وضعف النمو.

هذه المشاكل ليست تافهة، لكن من الخطأ الجسيم الاعتقاد بأنها كبيرة بما يكفي لعرقلة الزخم التكنولوجي الصيني. لم تنجح سياسة بكين الصناعية لمجرد أن المخطِّطين اختاروا القطاعات المناسبة ودعموها؛ بل نجحت لأن الدولة شيَّدت البنية التحتية اللازمة لتصبح قوة تكنولوجية قوية ومتينة، كما أنشأت بيئة ابتكارية ترتكز على شبكات كهربائية ورقمية قوية، وأنشأت قوة عاملة ضخمة تتمتع بمعرفة تصنيعية متقدمة.

التفسير الشائع للنجاح التكنولوجي الصيني هو أن الحكومة المركزية استهدفت قطاعات متنوعة بالدعم، وقدمت مئات المليارات من الدولارات على شكل إعانات وإعفاءات ضريبية وقروض بفوائد منخفضة لتنشيط هذه القطاعات، وساعدت الشركات الصينية على سرقة أو نسخ التكنولوجيا من دول أخرى. لكن هذا الطرح يغفل الصورة الأكبر؛ إذ إن نجاح الصين لا يعود فقط إلى دعمها صناعات محددة، بل إنها استثمرت أيضًا في البنية التحتية العميقة، مثل الأنظمة المادية والخبرات البشرية، التي تُمكِّن الابتكار والإنتاج الفعّال، إضافةً إلى سكك الحديد والجسور والطرق الحديثة، وشبكة كهربائية تغطي عموم البلد.

أصبحت الصين الدولة الأولى في العالم التي يعتمد اقتصادها على الكهرباء، كما أنشأت شبكة إنترنت محلية ربطت بسرعة جميع السكان تقريبًا، مع حجب ما يمكن للناس رؤيته من الخارج. وبفضل الترويج المبكر والجريء للهواتف المحمولة، ساهمت الشركات الصينية في ريادة الإنترنت عبر الهاتف المحمول. وأصبحت منصات رائدة مثل "بايت دانس" و"علي بابا" و"تينسنت" من رواد الابتكار العالمي، وأصبحت هواوي الشركة الرائدة عالميًا في إنتاج معدات الجيل الخامس.

تتمتع الصين أيضًا برجال أعمال مُميَّزين؛ فالبلد زاخر برجال أعمال متفائلين، بعضهم جريئون، وبعضهم مغامرون إلى حد التهور في محاولة إحداث تغييرات جوهرية في قطاعات مختلفة. وهذا ما يمكن ملاحظته في قطاع السيارات الكهربائية، على سبيل المثال لا الحصر.

الأكثر قراءة