المؤثرون وعودة نظرية الرصاصة الإعلامية!

 

 

 

 

د. محمد بن عوض المشيخي **

 

صناعة المحتوى المُبهر والجذّاب في عالم الإنترنت أصبحت من أهم المهن في الألفية الجديدة؛ فالعناوين المميزة في عالم اليوم، الذي يزخر بمنافسة غير مسبوقة من المشاهير الذين اختاروا حرفة إعداد الرسائل الإعلامية الناجحة وتسويقها عبر الشبكات لملايين البشر في هذا الكوكب، الذي تحوّل إلى غرفة صغيرة.

وبالفعل جعل ذلك من جماهير الشبكات ضحايا مفترضين لهذه التكنولوجيا المُزعجة، التي تحمل في طياتها الكثير من الأضرار والقليل من الفائدة، فكم هو صعب على الإنسان في هذا العصر أن يعيش حياة تسودها السكينة والقناعة والتوازن والتكيُّف مع محيطه بسلام واطمئنان، وذلك بسبب ما يتعرّض له من خداع وتضليل من يُطلق عليهم "المؤثِّرون" في وسائل التواصل الاجتماعي، تلك المنصات التي تُطارد جمهورها من الصباح الباكر حتى اللحظة التي يأوي فيها إلى فراشه. من المؤسف حقًا أن الكماليات كالسيارات والأزياء والعطور والسلع الاستهلاكية وأدوات التجميل هي الأكثر رواجًا على المنصات الرقمية؛ إذ يصبح المواطن وأفراد أسرته تحت ضغوط كثيرة لتلبية ما يُعرض على شاشات الهواتف الذكية والقنوات التلفزيونية، على الرغم من عدم تمكن المستهلك من شراء المنتجات لقلة دخله، مما يترتب على ذلك الإحباط والشعور بالظلم. الأهم هنا لدى هؤلاء هو الترويج الخادع للعلامات التجارية ومحاولة إخفاء عيوب تلك البضائع وإبراز الجوانب الإيجابية فقط.

ومن المفارقات العجيبة أن نجد معظم المؤثرين قد تجنّبوا المبادرات الوطنية ذات الطابع الفكري، والتي ترفع المستوى الثقافي لدى عامة الناس، وغياب الخطاب الوطني الذي يحافظ على قيم المجتمع العُماني، الذي يتعرض لتدفّق معلوماتي خطير من خلال المضامين الفيلمية في رحاب منصات مثل "نتفلكس" وأخواتها، وبعض القنوات العربية ذات الطابع الترفيهي الهدّام، التي تتعارض بكل وضوح مع السمت العُماني ومستقبل الأجيال في هذا الوطن العزيز.

إسهامات المشاهير في منصات التواصل الاجتماعي في نشر الوعي تكاد تكون معدومة، خاصةً فيما يتعلق بمحاربة القيم الدخيلة والظواهر الاجتماعية السلبية وتعاطي المخدرات بين الشباب، وأهمية استبدال ذلك بغرس الولاء لعُمان وروح التضامن بين المواطنين في مختلف مناطق السلطنة. وسبب ذلك هو الحرص على نشر رسائل المعلنين الذين يدفعون مقابلًا مُجزيًا لهؤلاء المُروِّجين، بينما تتجنّب الجهات الرسمية إقناع رواد المنصات أو حتى مكافأتهم بالهدايا الرمزية للمشاركة في المحافظة على ثوابت المجتمع العُماني وتقاليده الأصيلة. وبدلًا من ذلك تقوم بعض المؤسسات والشركات الحكومية بالاستعانة بالمشاهير بهدف تضليل الرأي العام والدفاع عن التجاوزات وأخطاء المسؤولين ومحاولة تلميعهم. ولعل ما حصل في الصيف الماضي عند اندلاع مشكلة فواتير الكهرباء خير دليل على تلك العلاقة بين الطرفين؛ بالطبع لم تكن الحملة الترويجية ناجحة، بل إن تلك الدعاية وجدت مقاومة شديدة وردود أفعال تمثّلت في القصائد الشعرية المُفنِّدة لواقع الحال، وكذلك الوسوم (الهاشتاغات) المُعارضة لطريقة عمل تلك الشركات الخدمية، التي يُفترض منها أن تلتزم بالجودة ومراعاة مصالح المواطن. وبالفعل وصلت بعض تلك الوسوم إلى الترند العالمي على منصة "إكس".

والسؤال المطروح الآن: إلى أي مدى يمكن أن يصل بنا تأثير المشاهير؟
أكدت الحقائق التي تم رصدها قدرة ما يُعرف بالمؤثرين أو المشاهير على كسب أعداد كبيرة من المتابعين، والذين قد يتخطى بعضهم المليون متابع، وخاصة على منصتَي يوتيوب وإنستغرام. وعلى الرغم من ذلك، لا نجد إلّا القليل من هؤلاء الأشخاص له تأثير اجتماعي أو توعوي؛ بل فقط البحث الدائم عن العروض الإعلانية وجني الأرباح، بعيدًا كل البعد عن الموضوعية.

هناك من يعتقد أن نظرية الرصاصة الإعلامية، التي ظهرت في مطلع القرن العشرين خلال الكساد الاقتصادي بعد الحرب العالمية الأولى، تعود من جديد إلى الساحة الإعلامية، وعلى وجه الخصوص شبكات التواصل الاجتماعي. فبعد غياب دام بضعة عقود، تقوم هذه النظرية على القوة المطلقة للرسائل الإعلامية التي تُشبه الرصاص، في سرعة انتقال الأفكار من المُرسِل إلى الجمهور المُستهدَف، والسيطرة على الأخير والتأثير فيه.

صُنّاع المحتوى الرقمي، الذين بمجرد نشر رسائلهم الإعلانية، نجد الإعجابات قد انهالت عليهم، وتوالت عمليات إعادة النشر والتفاعل مع المحتوى المُقدَّم على نطاق واسع، والأهم من ذلك كله ما نشاهده من تهافت المستهلكين على السلع والبضائع والخدمات المعروضة في شبكات التواصل الاجتماعي.

وفي الختام.. يجب التأكيد هنا على أن ليس كل من فتح كاميرا هاتفه في العالم الافتراضي أو دوَّن بعض السطور التي تفتقد للمعنى هو مؤثِّر؛ بل هناك من المُهرِّجين الكثير، الذين قادهم حظهم السيئ إلى الفشل والخروج من هذا العالم الافتراضي الجديد، الذي يعج بجيوش من المشاهير والنجوم الناجحين في العمل على المكشوف، ولذا يُمكن اكتشاف الأخطاء على الهواء مباشرة. إن عملية صناعة المؤثرين في وسائل التواصل الاجتماعي مرتبطة بعدة عوامل أساسية يجب حضورها، وقبل ذلك الإعداد لها من خلال منظومة متسلسلة وواضحة المعالم، وهذا ما سوف يتمحور حوله المقال المقبل بعون الله.

 

** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري

الأكثر قراءة