عائض الأحمد
أحيانًا لا يكون التجاهل مجرّد انسحاب، بل شرارة تشعل فيك تمرّدًا خفيًا، تدفعك لاكتشاف قواك الكامنة، وتعيد رسم حدودك مع من يظن أنه قادر على محو حضورك. إنه الإلهام الذي يولد من قلب الصمت القاسي، فيصوغك من جديد على هيئةٍ أكثر صلابة.
في أعماق التجاهل يسكن تمرّد غامض، كينونة تختبئ خلف صمت متعالي. صمتٌ ليس فراغًا؛ بل حراك داخلي متأرجح بين الانكسار والقوة، بين غفوة وادعة وعاصفة غضب مباغتة. ذاتٌ تنفصل عن نفسها لتتمرّد، تُسقى بالجبروت حتى آخر قطرة، ثم تمضي في وداع بارد، كأنه مشهد رديء على مسرح قاسٍ لا يرحم.
رغم كل ذلك، ثمة لحظات يُشدّها إليه، كأنها تبحث عن دفء كان يومًا ملاذها، فتلتقط أنفاسها وسط برودة التجاهل، تحاول أن تمسك بخيط رجاء مهما بدا ضعيفًا. هذا الشدّ الخفي يفتح أبواب صراع جديد، بين الرغبة في الاقتراب والتمرّد على القرب ذاته.
تنظر إلى السماء، وهو متشبث بها، فتسحقه عيونها الباردة، وتمطره سكرات شِبق مات تحت قدميها.
تسير هذه الكينونة بخطوات تُشعل فتيل الحياة والموت، تطفئ الشموع التي قد تنير طريقك، وتغرقك في ظلام عميق. تحلف أن الشمس غابت لمجرد أن حضرت، وتوهمك بأنها خليفة السلاطين، وحفيدة المبدعين، وزهرة كل الأزمان. لكنها في جوهرها تعيث فسادًا فيك، تزهق روحًا عشقت وماتت، وتتركك تلهث خلف سراب لا نهاية له.
في مساء ثقيل، تستولي على مقعدك، تسرق أنين صمتك، وتأتيك بداء كنت تحسبه دواء. تخلق فضاءً مغلقًا لا مكان فيه للغرباء، وتسحق أرضك تحت أقدامها. تنفر فزعًا إذا لمحَت عينك ما يثير فضولك، وتقول ببرود: «لا مِساس»، وكأنك لم ترَ بعد ما يكفي.
لكنّ من يرفضني بهذا الشكل، ليس مجرد متجاهل عابر، بل تمرّد متعمّد على حقي في الوجود. بخطوات هادئة، تزرع الفتنة، وتطفئ شموع الأمل، وتحبسني في بردٍ لا يرحم. تُغرقني بوعود وكلمات، لكنها تمزّق روحي وتقتل فيّ عشقًا مات منذ زمن، فأظل أتخبط خلفها في مطاردة عبثية لسرابٍ بعيد.
في الرفض، لا تقتلني؛ بل تكشف ضعفها وخوفها من أن أكون أكثر حضورًا منها. وحين يغرّيها الغرور، سأدعها تسقط في فراغها، وأصفّق لذاتٍ خاوية لا يسكنها رحمة عاشق.
لنرى من مرّ من هنا، وترك أثرًا صار حكاية، يرويها المارقون ويعيشها الحالمون. مبرراتها أوهام، وأساطير تحثّ على الغفلة والسخرية. لكن، إن دام غيّها، فسأتجاهل كل ذلك، وأطوّق انكساري بذكرى لا تفارقني، ولا تزول بزوالي.
حينها سأمضي، لا كمن خسر المعركة، بل كمن أدرك أن التجاهل قد يصنع بداية، وأن التمرّد على الألم أحيانًا هو أصدق أشكال الحرية.
لها: حمقاء آسرة، تُقيّدك بفتنتها حتى تنطق، تتساءل هل تستحق كل هذا، أم سيظل إثم قلبها يلاحقك حتى تفيق من وهجه الذي لا يرحم.
شيء من ذاته: تسكن في ضوضاء داخلية، تزعزع توازن روحك وتنهش سكونك، فتجعل الجمال فيك غريبًا عنك، وكأنك تتنفس بها وهي تخنقك.
نقد: هاجسك ليس في ترددك؛ بل في عشقك لمن لا يعرف للضمير موطئًا.