الكابوس الأمريكي

حاتم الطائي

 

ترامب يمارس سياسات شريرة تجاه الجميع لتحقيق مآربه الخاصة

الحرب التجارية العالمية تُلحق الأذى بجميع الاقتصادات

أمريكا مُقبلة على كساد اقتصادي بسبب السياسات اليمينية المُتطرفة

 

المُتَتبِّع للسياسات الأمريكية منذ عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في ولاية رئاسية ثانية، يُدرك حتمًا أن ترامب يُناور الجميع وفق سياسة "حافة الهاوية"؛ بل وربما يُمارس أسلوب "الإيهام بالغرق" سيئ السُمعة، الذي تتبناه وكالات الاستخبارات الأمريكية وعلى رأسها وكالة "سي آي إيه"، كأسلوب للتعذيب عبر إيهام ضحاياهم بأنَّهم يغرقون؛ بهدف انتزاع أي اعتراف يريدونه!!

ترامب يسير وفق هذه الأساليب المقيتة؛ حيث يضغط على جميع الأطراف لانتزاع ما يشاء من مطالب أو مكاسب، يظن أنها حقٌ لبلاده، في حين أنها لا تعدو سوى أساليب للاحتيال ونهب الأوطان وسرقة خيراتها؛ فتارةً يُريد الاستيلاء على قطاع غزة وطرد أهله وأصحاب الأرض الحقيقيين، لإقامة "ريفييرا الشرق الأوسط" وتنفيذ مخطط عقاري يجني من خلاله ملايين الدولارات. وتارة أخرى يسعى لتغيير اسم "خليج المكسيك" ليكون "خليج أمريكا"، في انتهاك صارخ وغير مسبوق لقواعد القانون الدولي. وبينما يُعلن عن تطلعه لأن تكون كندا هي الولاية الأمريكية رقم 51، يُريد كذلك أن يستولي على جزيرة جرينلاند الدينماركية، في مساعٍ وقحة لممارسة القرصنة الدولية في أنحاء العالم. ولم يكتف ترامب بذلك؛ بل أهان رئيس دولة في عقر البيت الأبيض، وتصرف بأسلوب استعلائي لا مثيل له ضد الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي، ووصل به الأمر أن حَطَّ من كرامته على الهواء مُباشرةً، في تصرف غير دبلوماسي ويتعارض مع أي بروتوكول، أو أعراف دبلوماسية.

وبات من المُؤكد أنَّ هذه هي طريقة وأسلوب تعاطي الرئيس الأمريكي مع الجميع، القريب والبعيد، ولا أدل على ذلك من الحرب التجارية العالمية التي شنَّها قبل أيام، بعدما أعلن عن فرض رسوم جمركية على جميع الواردات إلى الولايات المتحدة، بنسب تبدأ من 10% وتصل حتى 45% على بعض البلدان، في خطوة متهورة لا تعكس أي نوع من التخطيط الاقتصادي ولا الرؤية الواعية للتحديات الماثلة في الاقتصاد العالمي، وتُبرهن كذلك على أن ترامب- الملياردير وملك العقارات الشهير- يُدير أكبر اقتصاد في العالم كما كان يُدير أعماله الخاصة؛ إذ لا ينظر سوى إلى المكاسب التي يُريدها، ولا تعنيه أبدًا التداعيات الكارثية التي ستصيب الآخرين. لكن من المفارقات العجيبة أنَّ هذا الرئيس وإدارته اليمينية لا يعيان الفارق بين "منظمة ترامب" والاقتصاد الأمريكي؛ فالأولى مجموعة شركات خاصة لا يضُرها إذا خسر الخصوم، بل من مصلحتها إلحاق الأذى والخسائر بأي خصم، في حين أن الاقتصاد الأمريكي الذي تتجاوز قيمته 30 تريليون دولار، مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالاقتصاد العالمي، وأي هزة تلحق به تُزلزل العالم. ولذلك جاءت النتائج كارثية عقب قرار فرض الرسوم الجمركية على جميع دول العالم؛ حيث فقدت أسواق الأسهم الأمريكية (وول ستريت) حوالي 5.4 تريليون دولار من قيمتها السوقية خلال يومين فقط، بينما تكبدت الشركات الأمريكية خسائر تجاوزت 2 تريليون دولار بسبب انخفاض قيمة الأسهم، وخسر أغنى 500 شخص في العالم أكثر من 536 مليار دولار خلال يومين؛ نتيجة لتأثير هذه القرارات على الأسواق المالية.

لذلك من المؤكد أنَّ سياسات ترامب المجنونة ستقود اقتصاد أمريكا نحو الانكماش في ظل رسوم جمركية هي بمثابة إعلان حرب تجارية على كل دول العالم، وتعكس سياسات اقتصادية قصيرة النظر لا تضع في الحسبان ما سيواجهه المستهلك الأمريكي من صعوبات وتحديات تتمثل في ارتفاع الأسعار وتراجع عمليات الشحن والتوريد إلى السوق الأمريكية، لا سيما من الدول التي تعرضت لرسوم مرتفعة مثل الصين، حتى حلفاء أمريكا من جميع أنحاء العالم سيتعرضون لأزمات عنيفة بسبب هذه القرارات. وخلال الأيام المقبلة ستشهد الأسواق ارتفاعات كبيرة في أسعار السلع، وسيدفعها المستهلك الأمريكي، وربما ينعكس ذلك على بقية أسواق العالم.

لم يدرك ترامب- ولا مستشاروه- أن الكساد سيعصف بالاقتصاد الأمريكي خلال شهور قليلة، وستواجه المصانع تحديات حادة في توفير المواد الخام التي تستوردها من الخارج، وباتت الآن خاضعة لرسوم جمركية باهظة. وأي كساد في الاقتصاد الأمريكي سيُلحق الضرر بالاقتصادات الأخرى المتشابكة.

من المؤسف أنَّ الدولة التي كانت أكبر الداعمين لحرية التجارة وحركة السلع وازدهار الأسواق، باتت الآن الأشد إضرارًا بالتجارة العالمية، وذلك بالتوازي مع قرار ترامب كذلك بتجميد المساهمة المالية لأمريكا في منظمة التجارة العالمية، والتهديد بالانسحاب منها. أضف إلى ذلك أن هذه القرارات وضعت اتفاقيات التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والعديد من دول العالم في مهب الريح، ولا يُعلم ما إذا كانت ستظل هذه الاتفاقيات ذات جدوى أم لا؟!

يتوازى مع هذا الجنون التجاري، تأجيج ترامب لحدة الصراعات في العالم، تارة باسم دعم المنظمات الانفصالية وزعزعة الاستقرار في المناطق الآمنة لا سيما في شرق آسيا، وتارة أخرى بإبداء التخلي الكامل عن أوكرانيا- ومن ورائها أوروبا- في مواجهة الدب الروسي الذي لن يتردد في مواصلة تقدمه العسكري في أوكرانيا ما لم يتحقق لساكن الكرملين ما يُريد.

علاوة على التصريحات المختلفة لترامب وتوعُّده إيران بضرب مفاعلاتها النووية إذا لم تستجب طهران للضغوط الأمريكية وتُذعِن لمطالب واشنطن بتفكيك برنامجها للطاقة النووية، رغم أنَّه برنامج لأهداف مدنية وليس عسكرية. ولا أدل على ذلك من الحشود العسكرية المتزايدة في الشرق الأوسط، والقصف المتواصل لليمن بسبب مواقفه البطولية من العدوان الهمجي على غزة، والمذابح التي تُرتكب بحق الشعب الفلسطيني الأعزل وسط صمت إقليمي ودولي غير مسبوق.

أمريكا تعيش اليوم كابوسًا لن تخرج منه كما كانت، هذا الكابوس يُشعل نيرانه رئيس يميني لم يكتف بكونه شعبويًا، لكنه أيضًا أصبح يمينيًا مُتطرفًا، يُغذي مشاعر الكراهية ويدعم السياسات التحريضية ضد حرية التعبير التي كانت عمود الخيمة في النظام السياسي الأمريكي، ويُلاحق أصحاب العقول النابغة من طلبة العلم الذين وفدوا إلى أمريكا لتلقي العلم، ما يُمهِّد لموجة من الهجرة العكسية للعقول من أمريكا إلى أوطانها أو إلى بلدان أخرى، بعدما أصبحت أمريكا أرضًا غير مُرحِّبة بالأجانب. بجانب ما نرصده من تغول عنيف لليمين المُتطرِّف في أمريكا، كان آخرها التحريض على عزل رئيس مجلس الأمن القومي الأمريكي بزعم عدم ولائه لترامب!

اليوم.. صورة أمريكا في العالم تنهار فعليًا ليس على مستوى الشعوب، ولكن على مستوى الحكومات كذلك، وبينما يزعم ترامب أنه يسعى لاستعادة أمجاد أمريكا، نجده في حقيقة الأمر يُمعن في تدميرها من الداخل.

الحقيقة التي نراها الآن أن أمريكا لم تكن يومًا صاحبة أمجاد حضارية فعلية؛ بل كانت حقل تجارب للتكنولوجيا المتطورة ومصنعًا للعديد من التقنيات الحديثة، لكنها للأسف تم استخدامها جميعًا في تدمير البشرية لا إعمارها، حتى الذكاء الاصطناعي يُستخدم في القتل والإبادة، وغزة خير شاهد ودليل.

ويبقى القول.. إنَّ الكابوس الأمريكي الجاثم على عالمنا اليوم يجب أن ينتهي وأن يستفيق العالم من سُباته، وينهض من أجل وضع حدٍ لما يجري في العالم من فوضى تقودها الولايات المتحدة ورئيسها، وعلينا جميعًا أن نسعى لإرساء السلام في العالم، فما يُتَخذ من سياسات لن يؤدي سوى لمزيد من الحروب؛ بل والحروب العالمية، ولا سبيل لمُواجهتها سوى بالتكاتف وبناء جبهات للسلام والاستقرار والدبلوماسية الرصينة، التي تخدم مصالح أكثر من 8 مليارات نسمة حول العالم، وليس نظامًا أو فئة يمينية مُتطرفة.

الأكثر قراءة