الابتكار الصامت لتحول رقمي مستدام

 

 

د. سعيد الدرمكي

يرتبط التحول الرقمي عادةً بالتغييرات الجذرية والابتكارات الثورية، لكن هناك قوة هادئة تمارس دورًا رئيسيًا في هذا التحول، وهي الابتكار الصامت، ويتمثل هذا المفهوم في التحسينات التدريجية التي تتم في العمليات والمنتجات والخدمات دون إحداث اضطرابات تشغيلية أو إثارة مقاومة داخلية؛ إذ يُتيح هذا النهج للمؤسسات دمج التقنيات الحديثة بطريقة سلسة؛ مما يسهم في تحقيق تحول رقمي أكثر استدامة وفعالية.

الابتكار الصامت ليس مجرد فكرة نظرية؛ بل هو أسلوب تتبعه كبرى الشركات العالمية. طورت شركة "أمازون" تقنيات الذكاء الاصطناعي لإدارة المخزون دون إحداث تغييرات ملحوظة في تجربة العملاء، بينما تقوم شركة "جوجل" بتحديث خوارزمياتها تدريجيًا لتعزيز تجربة المستخدم دون تغيير جذري في عمليات البحث. كما أن شركات السيارات مثل تسلا ومرسيدس تقدم أنظمة القيادة الذاتية على مراحل؛ مما يتيح للعملاء التكيف مع التكنولوجيا الجديدة دون الشعور بصدمة التغيير.

وفي هذا السياق، نشير إلى أن وزارة الداخلية في عُمان أطلقت تطبيق "انتخب" بهدف تسهيل عملية التصويت الإلكتروني في انتخابات مجلس الشورى والمجالس البلدية. ويتيح التطبيق للناخبين؛ سواء داخل سلطنة عمان أو خارجها، الإدلاء بأصواتهم إلكترونيًا؛ مما يعكس تطبيقًا عمليًا لمفهوم الابتكار الصامت في التحول الرقمي الحكومي.

التحول الرقمي القائم على الابتكار الصامت يُعزِّز تجربة العملاء بشكل تدريجي، كما حدث مع تطبيق "توكَّلنا" في السعودية، الذي بدأ كأداة لمتابعة حالات كورونا، ثم تطور ليشمل خدمات حكومية متعددة دون تغييرات مفاجئة في بنيته الأساسية. في القطاع المصرفي، اعتمد بنك الإمارات دبي الوطني على روبوتات الدردشة الذكية لتحسين خدمة العملاء دون الحاجة إلى إعادة هيكلة أنظمة الدعم الفني.

وتُعد تحليلات البيانات أحد الجوانب التي تستفيد من الابتكار الصامت؛ حيث تبنت شركة عُمانتل الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات المستخدمين وتحسين الخدمات بناءً على احتياجاتهم الحقيقية دون تغيير جذري في بنيتها الأساسية. عالميًا، تستخدم ستاربكس البيانات لتقديم عروض مخصصة للعملاء، مما يزيد ولاءهم دون التأثير على تجربة التسوق التقليدية.

ويتم دعم الابتكار الصامت من خلال مجموعة من التقنيات مثل الحوسبة السحابية، التي تمكن المؤسسات من نقل عملياتها إلى السحابة تدريجيًا دون تعطيل الأعمال. كما أن الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي يتيحان اتخاذ قرارات أكثر ذكاءً دون استبدال العنصر البشري بالكامل، بينما يسمح إنترنت الأشياء بربط الأجهزة الذكية وجمع البيانات دون تغييرات جوهرية في البنية الأساسية.

وفي قطاع المدن الذكية، تعتمد العديد من الحكومات على الابتكار الصامت لتحسين البنية الأساسية الرقمية. ونفذت سنغافورة وبرشلونة أنظمة إدارة مرور وتحليل بيانات الطاقة بشكل تدريجي، مما أدى إلى تحسين جودة الحياة دون التأثير على المواطنين. وفي دبي، تم إدخال الروبوتات الذكية في الخدمات الحكومية بطريقة غير محسوسة، مما عزز كفاءة العمليات دون تعطيل الأنظمة التقليدية.

وتتبنى المؤسسات استراتيجيات تدعم الابتكار الصامت، مثل التدرج في التغيير والتدريب المستمر، كما في مبادرة "مليون مبرمج عربي" التي أطلقتها حكومة دبي لتطوير مهارات البرمجة تدريجيًا، وبرنامج AWS re/Start من أمازون لتأهيل الأفراد في الحوسبة السحابية دون التأثير على أنظمة التوظيف التقليدية.

ويساعد الابتكار الصامت المؤسسات على تحسين الإنتاجية وزيادة الكفاءة دون تغييرات مفاجئة قد تعطل سير العمل، كما أنه يقلل من تكاليف التحول الرقمي مقارنة بالمشاريع الكبرى التي تتطلب استثمارات ضخمة. في العالم العربي، يعد مشروع "أبشر" في السعودية مثالًا ناجحًا على التحول الرقمي التدريجي؛ حيث تمت رقمنة الخدمات الحكومية دون تغيير جذري في النظام الإداري. كما أن تونس طورت منصة إيفاكس لتسجيل التطعيمات ضد كورونا، ثم توسعتها تدريجيًا إلى بوابة صحية رقمية متكاملة دون إعادة تصميم جذري للبنية الأساسية.

ولتحقيق أقصى استفادة من الابتكار الصامت، يجب على المؤسسات تحليل عملياتها الداخلية وتحديد فرص التحسين التدريجي، مع اختيار الحلول التقنية المناسبة وإدخالها على مراحل. يساعد هذا النهج على تقليل مقاومة التغيير، كما أن مراقبة تأثير التحديثات وإجراء التعديلات عند الحاجة يضمن تحقيق أقصى استفادة من التحول الرقمي دون اضطرابات تشغيلية.

وفي النهاية.. الابتكار الصامت ليس مجرد استراتيجية؛ بل ركيزة أساسية لضمان تحول رقمي ناجح ومستدام. من خلال تطبيق هذا النهج، تصبح المؤسسات أكثر قدرة على المنافسة وأكثر مرونة في مواجهة التطورات التقنية؛ مما يضمن استمرارها في بيئة أعمال متغيرة دون إحداث صدمات تشغيلية أو تعطيل لعملياتها اليومية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة