الطليعة الشحرية
لم يَعُد تآكل الأخلاقِ ظاهرة مُنفصلة؛ بل نتيجة مباشرة لتآكل الطبقة المُتوسطة، الحارس الصامت للقيم، وحين تُنهَك هذه الطبقة يُصبح الالتزامُ عبئًا والعطاء كلفة. استقالة فريق نزوى الخيري ليست حدثًا إداريًا؛ بل إنذارًا أخلاقيًا على انسحاب الفعل الصامت من المجال العَام. وفي ظل تضخّم السلوكيات السلبية في الفضاء الرقمي، تكتسب التوجيهات السامية حول تعزيز السلوكيات الإيجابية أهمية وبعدا أعمق وتطرح سؤالاً فلسفياً: من يحمي القيم حين تُنهَك طبقتها الحامية؟
لا تُقاس قوة المُجتمعات فقط بقدرتها على تحقيق النمو الاقتصادي؛ بل بقدرتها على حماية الفئات التي تُنتج الاستقرار والمعنى في آنٍ واحد. وفي مُقدمة هذه الفئات تأتي الطبقة المتوسطة، التي شكّلت تاريخيًا العمود الفقري للمجتمع، وحلقة الوصل بين الدولة والمواطن، وبين القانون والضمير، وبين المصلحة الفردية والصالح العام. إن تآكل هذه الطبقة لا ينبغي أن يُفهم بوصفه ظاهرة معيشية عابرة؛ بل بوصفه إشارة فلسفية عميقة إلى اختلال في التوازن الأخلاقي والاجتماعي.
الطبقة المتوسطة ليست فقط فئة دخل؛ بل فضاء قيمي، فيها يتعلّم الفرد أن العمل ليس مجرد وسيلة للبقاء؛ بل مصدر كرامة، وأنَّ الالتزام ليس خوفًا من العقوبة؛ بل تعبير عن انتماء. وحين تتعرض هذه الطبقة لضغوط مستمرة، لا يتآكل دخلها فقط؛ بل تتآكل قدرتها على أداء دورها الأخلاقي. الإنسان المرهق اقتصاديًا لا يتوقف عن كونه أخلاقيًا، لكنه يفقد الطاقة النفسية التي تسمح له بتحويل القيم إلى مُمارسة، فينكمش، وينسحب، ويصمت.
إن ما نشهده اليوم من تراجع في المبادرات المجتمعية، أو انسحاب بعض الفاعلين من العمل التطوعي، لا يمكن عزله عن هذا السياق. فالأحداث التي تبدو في ظاهرها تنظيمية أو إدارية، تحمل في عمقها دلالات أخلاقية. حين ينسحب من يحملون عبء الفعل الاجتماعي، فإن السؤال الحقيقي ليس؛ لماذا انسحبوا؟ بل؛ لماذا أصبح الالتزام مُكلفًا إلى هذا الحد؟ هذا السؤال ينبغي أن يُقلق صانع القرار بقدر ما تُقلقه المؤشرات الاقتصادية.
من منظور فلسفي، تقوم الأخلاق العامة على وجود حدٍّ أدنى من الأمان يسمح للفرد بأن يختار الواجب بحرية. وحين يتحول القلق إلى حالة دائمة، تتبدّل طبيعة الاختيار الأخلاقي، ويحل منطق الضرورة محل منطق الواجب. هنا لا تنهار القيم فجأة؛ بل تُعاد صياغتها تدريجيًا لتناسب واقعًا ضاغطًا، فيُبرَّر ما كان يُستنكر، ويُؤجَّل ما كان يُلتزم به، ويصبح الصمت بديلاً عن المشاركة.
في هذا الفراغ، تتقدّم وسائل التواصل الاجتماعي لتملأ المساحة الأخلاقية، ولكنها تفعل ذلك بمنطق مختلف؛ فهي لا تكافئ الفعل؛ بل الخطاب، ولا تعزّز المسؤولية؛ بل الانفعال، ولا تُنتج التزامًا؛ بل رأيًا سريعًا. وحين تضعف الطبقة المتوسطة، يضعف معها الصوت القادر على التوازن، ويعلو صوت التطرف أو اللامبالاة. وفي هذا السياق، تبرز التوجيهات السامية الداعية إلى تعزيز السلوكيات الإيجابية ومواجهة التأثيرات السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي بوصفها قراءة واعية لتحوّل القيم من المُمارسة اليومية إلى الاستعراض الرقمي، فهي لا تنطلق من وعظ أخلاقي عابر؛ بل من إدراك عميق لخطر انفصال الأخلاق عن الفعل الاجتماعي، وتحولها إلى ضجيج افتراضي يستهلك المعنى بدل أن يحميه.
إن صانع القرار معنيٌّ اليوم بسؤال يتجاوز أدوات السياسة التقليدية؛ كيف نحمي الطبقة التي تحمي القيم؟ فالدولة، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع وحدها أن تنتج الأخلاق؛ بل تحتاج إلى طبقة اجتماعية قادرة على حملها وتحويلها إلى سلوك يومي. وحين تُستنزف هذه الطبقة، تتراجع الثقة، ويضعف الإحساس بالصالح العام، ويتحوّل المواطن من شريك إلى مراقب، ومن فاعل إلى ناقد.
ليس المطلوب حلولًا إنقاذية قصيرة المدى فحسب؛ بل رؤية تعي أن حماية الطبقة المتوسطة هي استثمار في الاستقرار الأخلاقي قبل أن تكون استثمارًا اقتصاديًا. فالدعم، والعدالة، والاستقرار الوظيفي، وحماية الفاعلين الاجتماعيين، ليست امتيازات؛ بل شروط لبقاء المعنى حيًا في المجتمع. إن المجتمعات لا تنهار حين تضعف مواردها فقط؛ بل حين تفقد الطبقة القادرة على عقلنة الأزمات، واحتواء التوتر، وتحويل القيم إلى ممارسة.
لا يمكن التعامل مع تآكل الطبقة المتوسطة بوصفه خللًا ماليًا مؤقتًا، لأن جوهر المشكلة أعمق من مسألة الدخل، ويتمثل في فقدان الأمان. فالطبقة المتوسطة لا تنهار عندما ينخفض دخلها فحسب؛ بل عندما تفقد القدرة على التخطيط للمستقبل، وحين يصبح الاستقرار الوظيفي هشًا، وتتحول الحياة اليومية إلى سلسلة من القلق والترقّب.
لذا فإن الحل الأمثل يبدأ من استعادة هذا الأمان عبر سياسات تضمن استقرار العمل، وربط الأجور بكلفة المعيشة، وتخفيف هشاشة الوظائف، لأن الإنسان القَلِق لا يستطيع أن يكون منتجًا على المدى الطويل ولا حاملًا للقيم الاجتماعية.
ومن دون عدالة في الفرص، لا يمكن لأي سياسة حماية أن تنجح. فالطبقة المتوسطة تتآكل حين تشعر أن الجهد لا يُكافأ، وأن الصعود الاجتماعي لم يعد ممكنًا، وأن الامتيازات تحلّ محل الاستحقاق. لذلك، فإن الحل الحقيقي يكمن في بناء منظومة شفافة للفرص في التوظيف والترقية وريادة الأعمال، حيث يصبح العمل الجاد طريقًا واضحًا للاستقرار، لا مجرد محاولة غير مضمونة، العدالة هنا ليست شعارًا أخلاقيًا؛ بل شرطًا بنيويًا لبقاء الطبقة المتوسطة.
كما أن حماية الطبقة المتوسطة تتطلب إعادة التوازن بين منطق السوق وكرامة العمل. فالاقتصاد الذي يضغط على العامل باسم الكفاءة والمنافسة، ويحوّل الإنتاجية إلى إنهاك، يقضي على طبقته الوسطى ببطء. الحل الأمثل لا يتمثل في تعطيل السوق؛ بل في تنظيمه، عبر تشريعات تحمي العامل، وتحدّ من الاستنزاف، وتضمن أن يكون العمل مصدر كرامة لا مصدر خوف. فالطبقة المتوسطة تزدهر حين يُصان العمل، لا حين يُستغل.
ولا يقل الاستثمار في الخدمات العامة أهمية عن سياسات الأجور والعمل. فالتعليم الجيد، والرعاية الصحية الموثوقة، والسكن الميسّر ليست كماليات؛ بل أدوات أساسية لحماية الطبقة المتوسطة من التآكل. وكلما تراجعت جودة هذه الخدمات، اضطرت الأسر المتوسطة إلى تعويضها بالإنفاق الخاص، فتتآكل قدرتها المالية سريعًا. ومن هنا، فإن تعزيز الخدمات العامة هو استثمار في الاستقرار الاجتماعي، لا عبئًا على الميزانية.
وحين يتبيّن أن تآكل الطبقة المتوسطة ليس نتاج الدخل وحده؛ بل حصيلة استنزاف اقتصادي وقيمي ورقمي متداخل، تصبح المقترحات المطروحة ضرورة وقائية لإعادة الأمان، وحماية الوقت، وترميم الدور الأخلاقي لهذه الطبقة قبل أن يتحول التآكل إلى خلل بنيوي يصعب احتواؤه.
من جهة أخرى، يمثّل الفضاء الرقمي اليوم أحد أكثر العوامل تسريعًا لتآكل الطبقة المتوسطة، ليس لأنه يضعف الدخل مباشرة؛ بل لأنه يستنزف الوقت، ويشتّت الانتباه، ويُضعف الانضباط الذاتي، وهي عناصر أساسية لبناء الاستقرار المهني والاجتماعي. فالطبقة المتوسطة تعتمد، في بقائها وصعودها، على تراكم الجهد، والاستثمار في التعليم، والالتزام طويل الأمد، بينما يدفع الاستخدام غير المنضبط للتقنية نحو ثقافة الاستهلاك السريع، والمقارنة المستمرة، والبحث عن المكافأة الفورية، ما يُقوّض هذه القيم بصمت. ومن هنا، فإن الانتقال إلى فضاء رقمي واعٍ لا يعني تقييد التقنية؛ بل إعادة توجيهها لتخدم بناء الإنسان لا استنزافه.
ويبدأ ذلك من تبنّي سياسة وطنية لإدارة الوقت الرقمي، تُدمج في التعليم منذ المراحل المبكرة، بحيث يتعلّم الأفراد مهارات التركيز، وتنظيم الانتباه، والتمييز بين الاستخدام المنتج والاستخدام المستنزِف. فإدارة الوقت لم تعد مهارة شخصية فقط؛ بل ضرورة اقتصادية واجتماعية، لأن الفاقد الرقمي في الانتباه ينعكس مباشرة على الإنتاجية، ويُضعف فرص الاستقرار الوظيفي، ويزيد من هشاشة الطبقة المتوسطة. هذه السياسة ينبغي أن تكون تعليمية وتطبيقية، لا وعظيه، وتربط الاستخدام الرقمي بالمسار الدراسي والمهني بوضوح.
كما يتطلب الفضاء الرقمي الواعي سياسات تنظيمية مرنة تحمي الفئات العمرية الأصغر من الاستنزاف المبكر، دون فرض وصاية مباشرة. فالحد من التعرض المفرط للمحتوى عالي التشتيت، أو تقييد بعض الخصائص في مراحل عمرية حساسة، يُعد إجراءً وقائيًا يهدف إلى حماية رأس المال البشري قبل دخوله سوق العمل. فالطبقة المتوسطة لا تُبنى في لحظة التوظيف فقط؛ بل تُبنى منذ تشكّل العادات الذهنية والسلوكية.
وعلى مستوى الشباب والعاملين، ينبغي توجيه الفضاء الرقمي نحو الإنتاج لا الاستعراض، عبر دعم منصات ومبادرات رقمية تُعزّز التعلم المستمر، والعمل الحر، وريادة الأعمال، والمشاركة المجتمعية. فحين تُربط التقنية بالإنجاز، تتحول من عامل إنهاك إلى أداة تمكين، وتُسهم في خلق فرص إضافية تعزّز مرونة الطبقة المتوسطة بدل تآكلها. وهذا يتطلب شراكة بين القطاعين العام والخاص لتوجيه الخوارزميات والمحتوى نحو ما يخدم التنمية لا الاستهلاك فقط.
ولا يكتمل هذا المسار دون إدراج الصحة النفسية الرقمية ضمن السياسات العامة، عبر برامج إرشاد ودعم تعالج الإرهاق الرقمي، وضغط المقارنة، والتشتت المزمن، وهي عوامل تُضعف القدرة على الالتزام والعمل طويل الأمد. فالطبقة المتوسطة المنهكة نفسيًا هي طبقة هشّة اقتصاديًا وأخلاقيًا، مهما بدا دخلها مستقرًا ظاهريًا.
إلى جانب المعالجة الاقتصادية والرقمية، لا يمكن حماية الطبقة المتوسطة ما لم تُدعَم بوصفها فاعلًا أخلاقيًا واجتماعيًا أساسيًا في بنية المجتمع. فهذه الطبقة لا تقتصر وظيفتها على الاستهلاك أو دفع الضرائب؛ بل تشكّل العمود الحقيقي للعمل التطوعي، والمبادرات الأهلية، والمشاركة الواعية في الشأن العام.
وعندما تتعرض لضغوط معيشية مستمرة، لا تتآكل قدرتها الاقتصادية فقط؛ بل تنسحب تدريجيًا من أدوارها الأخلاقية، ويحلّ الصمت محل المبادرة. ومن هنا، فإن تمكين المجتمع المدني، وحماية المتطوعين من الإنهاك والاستنزاف، والاعتراف بقيمة الفعل الصامت غير المرئي، ليست إجراءات هامشية؛ بل مكوّنات جوهرية لأي استراتيجية جادّة تهدف إلى صون الطبقة المتوسطة والحفاظ على تماسك المجتمع.
إنَّ السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم بجرأة هو، أي مجتمع نريد؟ مجتمع يُدار بالأرقام فقط، أم مجتمع يُصان بالمعنى؟ والجواب عن هذا السؤال يبدأ من هنا؛ بحماية الطبقة المتوسطة، لأنها الحارس الصامت للمعنى، ومن دونها لا يبقى من يحمي القيم ولا من يحوّلها إلى ممارسة حيّة.
