الثلاثاء, 23 أبريل 2019
30 °c

الاشتراكية: لا حياد في الأدب

الأربعاء 20 مارس 2019 06:38 م بتوقيت مسقط

محمد علي العوض

 

◄ في رواية "الأم" رسّخ "غوركي" لمفهوم البطل الصانع للتأريخ في إطار التلاحم النضالي مع الجماهير

 

اهتمت الاشتراكية بوصفها نظريةً فلسفيّةً/ اجتماعية بالأدب وتحديدًا الاتجاه الواقعيّ منه؛ الناشئ كرد على الرومانسيّة والنظام الرأسمالي الذي فشل في تقديم إجابات شافيّة عن أسئلة الإنسان وقضيته الأبديّة في الانعتاق من ربقة الظلم، فوجدت فيها كما يقولون خير مصوّر للواقع، وباعثًا على الوعي والتغيير. من هنا نشأت الواقعية الاشتراكية، وأصبحت مدرسةً لها منهجها العقائدي وسماتها المنطلقة من الواقع الماديّ وفهم المجتمع وصراعاته المفضية إلى التغيير.

هذا التجلي الثوري انعكس على المنتوج الأدبي السوفيتي، حيث قدّم الأدباء نموذجا إبداعيا خاصا يحمل الطابع الإنشائي الخلاق للثورة الاشتراكية وأهميتها كنقطة تحوّل في التطور التاريخي والتطور العالمي للإنسانيّة.وقد وجد الفن عناية خاصة من قبل النظرية الاشتراكية؛ هذه العناية لم تكن مفهومة لدى كثير من دارسي الأدب، وحجتهم في ذلك أنّ السواد الأعظم من قاعدة الجماهير يتكون من طبقات بروليتارية غير متعلمة تتوزع بين العمال والفلاحين والجنود، وبالتالي هي قاعدة غير معنيّة بالفن أصلا، ولا تملك أن تضيف إليه شيئا؛ ولكن الاشتراكية كانت تنظر للمستقبل البعيد؛ لذا أخذت تسعى جاهدة لتعميق الاتجاه الواقعي في الوعي الفني للمجتمع وتطهير المجتمع من طفيليات الماضي، فشرع الكتاب يخطون منتوجاتهم الأدبية (مدفوعين بحماس الحالة الثوريّة التي عمّت أولئك الناس العاشقين للخير، والناقمين على الاستبداد، والظلم المتوارث...) لأنّ الفنان الواقعي الاشتراكي لا يملك إلا أن يكون إنسانا ثوريا، يبث رسائل الوعي وحتمية الانتصار من خلال إبداعه.

لقد فتحت الثورة الاشتراكيّة كما يقول صباح الشاهر "في نظرية الرواية" طريقاً عريضة لظهور ونبوغ المواهب، وتطوير المتلقي وجعله يحس بثمار الأدب والفن؛ ليس في إطار قوميّة سائدة وإنما في إطار أفق أممي كان قبل الثورة السوفيتية مجرد حلم فقط؛ فواحد من أهم الفوارق المبدئيّة بين الثورة الاشتراكية ومّا سبقها من ثورات أنّها خلقت في معركة الصراع مع الظلم إنساناً جديداً، اشتراكيا، فعالا، ومغيّراً للظروف.

يعد "مكسيم غوركي" بوصفه شخصية مؤثرة في التفكير السياسي الماركسي وسلطةً أخلاقيةً في ذلك العهد من أوائل الذين نظّروا وأسسوا للواقعيّة الاشتراكيّة منذ وقت مبكر؛ في معرض نقده لنوع آخر من الواقعية هو "الواقعيّة النقديّة" ذات الجانب الانهزامي والتشاؤمي؛ والمناقضة لـ "الواقعية الاشتراكية" المؤمنة بالتفاؤل وانتصار الخير والإرادة الجماهيريّة؛ وقد جاءت روايته "الأم" سنة 1906 في هذا السياق عندما اشتد الصراع الطبقي في روسيا القيصرية وصعدت البروليتاريا؛ الأمر الذي جعل "لينين" يصفها بأنّها "جاءت في الوقت المناسب".

بلوّر "غوركي" في رواية " الأم" المفاهيم الإيجابية المتمثلة في الإيمان بقدرة الفرد على التغيير من خلال أهداف الجماعة، كما رسّخ فيها لمفهوم "البطل الإيجابي" أو الجديد الصانع للتأريخ في إطار التلاحم النضالي مع الجماهير؛ ففي كتابه "الأدب وقيم الحياة المعاصرة" يعقد محمد العشماوي مقارنة بين البطلة "الأُم" في رواية مكسيم غوركي، والأُم عند نجيب محفوظ في رواية "بداية ونهاية" وهي مقارنة بين البطل في "الواقعيّة الاشتراكية" المتفائلة والبطل في "الواقعيّة النقديّة" المتشائمة، وخلُصّ فيها إلى أنّ الأم عند "غوركي" كانت مكافحة لا يعرف اليأس طريقا إلى قلبها، تحمل بين جوانحها أمل الغد، وتجسد طموح الشعب، بينما الأم عن نجيب محفوظ (برجوازيّة، لا تعيش إلا في المحيط الضيّق الذي يصلها بأفراد أسرتها وحدهم، ولا يهمها إلا أن تحقق لأفراد أسرتها مكاناً لائقاً في المجتمع الذي تعيش فيه؛ لذلك نجدها تفشل في النهاية؛ لأنّ المجتمع يقهرها، وينتهي الموقف بانتحار البطل على نحو انهزامي فاشل).

لا يمكننا فهم الواقعيّة الاشتراكية بمعزل عن الماركسية، فهي كما يقول "صباح الشاهر" منهج فني لا يمكن التوصل إليه من دون الفلسفة الماركسيّة ونظرتها الماديّة للتأريخ، وبعبارة أخرى هي حصيلة النظرة الماركسية للفن والأدب؛ لذا قال "شولوخوف" في خطابه عند تسلمه جائزة نوبل عام 1965: (أنا أتحدث عن تلك الواقعيّة التي نسميها اشتراكية، وخصوصيتها تكمن في أنّها تعبر عن وجهة نظر لا تكتفي بالملاحظة، لا تساوم وتبتعد عن الواقع؛ بل تدعو للنضال من أجل تقدم البشريّة، وتعطي إمكانيات بلوغ الأهداف التي يطالب بها الملايين، وتضيء لهم دروب النضال). هذا النهج من الأدب رسّخ له "شولوخوف" في رواية (الدون الهادئ) حين صوّر نضال الشعب الروسي من أجل حريته؛ وكذلك في روايته "أرضنا البكر" التي وضع فيها الفلاحين أمام حدث جديد في حياتهم هو التعاونيات أو الجمعيات التعاونية.

آذن مؤتمر الكتاب السوفييت الأول عام 1934 بالقطيعة بين أدب ما بعد الثورة السوفيتية وبين الأدب الغربي، ففي هذا المؤتمر هاجم "غوركي" المطلق الميتافيزيقي، وابتعاد الرواية عن الواقع. واصفا روايات "ديستوفسكي" المتأثر بالأدب الأوربي بأنّها تفرغ البطولة من دورها الاجتماعي. وقد تمّت في هذا المؤتمر صياغة المبادئ الرئيسيّة لمنهج الواقعيّة الاشتراكية في الأدب، وشددت على ألا يكون المبدع بوقاً يسبح باسم السلطة، أو الحزب، أو حتى الطبقة العاملة الموكلة ببناء الاشتراكية، فموقع الأديب دوما في مقدمة طليعة الجماهير العريضة لأن الأدباء هم (مهندسو النفس البشرية) ويحملون رسالة بناء المجتمع الأفضل والمستقبل المشرق أفضل؛ لذا عليهم ألا يكتفوا بتصوير واستنساخ الواقع بشحمه ولحمه كما هو في الواقعية الإيطالية؛ بل لابد من شفعه بالتحليل واستخلاص العوامل الفعالة في صياغة المستقبل التقدمي، وإرشاد الجماهير إلى خفايا هذا الواقع الذي قد ﻻ تدركه؛ وبعبارة أخرى لا حياد في الأدب.

أيضا نادت مبادئ "الواقعيّة الاشتراكية" بعدم تزييف الواقع لإرضاء المتنفذين في أي موقع سواء كانوا في الحزب أو الدولة، بالإضافة لنقد الظواهر السلبيّة وتحرير الإنسان من ربقة الاضطهاد الاجتماعي والطبقي، وتعريّة كل ما يُسيء له؛ فالواقعية جاءت من أجل الدفاع عن الإنسانية وقيمها السامية؛ لذا شكلت مفردات كالسعادة، والأمل، وحب الناس، واحترام الطبيعة، والتربية الايجابية للإنسان، والأفكار الاشتراكية، والعدل، والمساواة، والتضامن الأممي، والحرية، ثيمات أساسية في الواقعية الاشتراكية.

ينطلق الواقعيون الاشتراكيون من أساس أنّ "الواقع" واحد معروف لكل ذي عيان وبصيرة ولا يحتاج إلى تحديد، لذا لابد من تصويره تصويرا دقيقا في ظل تطوره الثوري. في المقابل يرى أصحاب "الرواية الجديدة" أنّ "الواقع" ليس بالبساطة التي يسمه بها الاشتراكيون، ويصنفونه إلى مفهومين؛ المفهوم الأول أنّ الواقع حقيقة ماثلة يراها كل الناس ويعرفونها ويسهل إدراكها من النظرة الأولى؛ وأنّ هذه الحقيقة معني بتناولها أناس غير خالقين للرواية كالصحفيين مثلا، أمّا المفهوم الثاني للواقع فهو ما ليس معروفا بعد وما زال متسترا - بحد وصف الروائية الفرنسية "نتالي ساروت"- وبالتالي لا يمكن التعبير عنه في قوالب قديمة استعملت من قبل وأصبحت معروفة؛ فهذا الواقع يتطلب خلق أنماط وأشكال تعبيرية جديدة على شاكلة اللاعقلانية، واللاشعور، واللامرئي التي يراها الاشتراكيون الواقعيون مجرد ألعاب بورجوازية استحدثت للتسلية والتزييف، وتتبدى هذه الرؤية أكثر في مقولة الرئيس السوفيتي "خروتشوف": "في الفن، نحن ضد التعايش السلمي بين الأيديولوجية الاشتراكية والأيديولوجية البرجوازية.. سياستنا تعتمد على العداء الثابت للفن التجريدي والشكلي ولكل تحريف بورجوازي".