الإثنين, 19 أغسطس 2019
32 °c

مقال : نحو الخلود (1-2)

الأحد 10 فبراير 2019 07:00 م بتوقيت مسقط

عائشة بنت أحمد البلوشية

ما أجمل فترة العصر في ذلك المنزل المنيف المبني من الطين والجص، تحيط به من الجهة الخلفية ضواحي النخيل واللومي والسفرجل والبالنج والأمبا والنارنج؛ حيث تأخذ الشمس في الاصفرار والميل نحو الأفق، وهو التوقيت اليومي في البيت العود للتجمع العائلي واحتساء فناجين القهوة، التي تترافق مع الرطب صيفا، ومع التمر أو الممروسة (معجون التمر المحموس مع السمن العماني مضافا إليه رشة من الهيل) شتاء، وبما أنني وجدتي -أطال الله بقاءها في صحة وعافية- نقطن في غرفة صغيرة في الدور العلوي من ذلك المنزل الحميم، فقد كانت دلة القهوة الخاصة بجدتي محلَّ انتظار؛ نظرا للذة طريقة تحميصها لحبيبات القهوة قبل طحنها بالكيرخانة؛ حيث تُصر على تحميص حبيباتها بنفسها، قائلة: "إذا لم تعذبي القهوة عند تحميصها، لن تحصلي على تلك اللذة في مذاقها الخاص ورائحتها الزكية بعد طحنها"، ورغم صغر سني إلا أنَّني كُنت أستقي منها جميع نصائحها، وأجلس مُنتبهة لطريقة تقليبها لحبيبات القهوة بالمحماس؛ لأشاهد طريقة "التعذيب" تلك، ثم ننزل بعدها إلى الحوش الكبير صيفا، للحصول على نسمات الهواء الذي تلطفه رطوبة الجدران الطينية والأرض التي تقوم بنتح ما تم رشه عليها من ماء الفلج أو الطوي (البئر)، أو الجلوس داخل ردهة المنزل شتاء، بحثا عن دفء المكان إلى جانب "الصريدان"، وتجنبا لبرودة الشتاء القارس في ولاية عبري، فتجلس الجدة إلى جوار أخيها -الأقرب إليها نفسا وسنا- الشيخ سالم بن راشد، ووالدتها التي أورثتها تلك الشخصية القوية والعزيمة الفولاذية -رحمهما الله وجعل مثواهما الجنة- ونبدأ نحن الأطفال في التجمع في ركن قريب، مراعين اللعب بهدوء وأدب حتى لا نتعرض للخيزرانة المعلقة على الوتد، أو مقبض (مشبة/ملهبة) جدتي الموجِع والأشهر والأشد رعبا بين جميع أساليب العقاب، المهم أن تلك العادة اليومية في التجمع استمرت معنا حتى بعد انتقالنا شقيقتي وأنا برفقة جدتي إلى المنزل الخاص بنا، الذي شيده والدي -رزقني الله حسن بره وصحبته- لنا، وبعدها تباعا انتقل جميع من في البيت العود إلى منزل خاص بهم، تم إنشاؤه من الأسمنت والطابوق، واستمرَّت تلك العادة اليومية الجميلة، حيث نحمل أنا وشقيقتي دلة القهوة وما تيسر من تمر أو فاكهة موسمية، أو ربما طَبقا قامت بإعداده خصيصا للزيارة، لذلك ظلت أواصر المحبة والقربى بيننا حتى اليوم.

كم كان رحيله مُؤلِما لي، مُوجِعا حدَّ الاحتياج لكل هذا الوقت من الزمان لاستيعاب حقيقة رحيله، فهو لم يكن خالًا لوالدي فقط، بل لأننا ومنذ نعومة أظفارنا وجدناه دوما أينما احتجناه، فهو السند للجميع، والمُنصِت للصغير والكبير، وقد أصبحت عادة الذهاب لتحيته عند وصولي إلى العراقي من أحب الطقوس إلى قلبي، وكنت أطاول النجوم تألقا وعلوًّا عندما يبدأ في سرد حادثة ما من ماضيه الحافل بالشجاعة والأثرة، بل أستزيده كلما أحسست دنوَّه من نهاية حكاية ما من حكاياته ومغامراته المختلفة.

واليوم، تسابق الأيام بعضها، وانتهت الشهور الأربعة على رحيله المؤلم، والتي لم تنقضِ قبل أن تتأكد أنها أخذت معها شقيقته الكبرى الشيخة شيخة بنت راشد، لينكأ خبر رحيلها جرح فراقه هو، ويزيد الأمر ألما فوق الإيلام، فاستوقفت اللحظات وأنا أتصفح معرض الصور في ذاكرة هاتفي، لأتساءل غير مصدقة: هل بالفعل ذهب ولن يعود؟ رحل عن دنيانا بجمال جسده الأثيري، وبهيبة جسده الترابي، تعلمت منه أهمية الدوائر المحيطة بي، وترتيبها بأولوياتها؛ فالدائرة الأولى هي أسرته الصغيرة من زوجات وأبناء وبنات، فقد كانت المعاملة للحصول على الحقوق تقوم على أساس لا تفريط ولا إفراط، لأنه أصر على أن تنال بناته حقهن من التعليم عندما كانت النهضة في بداياتها مثل أبنائه تماما، وكان الكثير يرفض تعليم البنات بذريعة العادات، والكل يعلم أن التمسك بالقبلية المقيتة حَرَم الكثير من ذلك الجيل من الإناث حقهن في نور العلم، وكان هذا ما سيحدث لنا جميعا لولا توفيق الله، ثم حصافته ورجاحة عقله حينها في اتخاذ قرار تعليم الإناث من أسرته منذ بدء انتشار المدارس؛ فوفَّر لهن ولبنات الجيران سيارة لتنقلهن إلى المدرسة التي أنشئت من السعف والخيام حينها، ولأنه كان دائما يمد كفه بالوصل، لم يصر على أن تتعلم جميع إناث العراقي في المدرسة التي أنشأها حينها من الطابوق والأسمنت، فقد رفضت بعض الأسر من شمال قرية العراقي أن تنتقل بناتهم حتى يتلقين التعليم في تلك المدرسة، بحجة وجودها في الجانب الجنوبي لقرية العراقي، أي إلى جوار منازل قبيلتنا؛ لذلك بادر في تسجيل بناته وأصغر أخواته -اللائي يكبرننا سنا- في تلك المدرسة التي أنشأتها الحكومة في بداية سبعينيات القرن الماضي، في المنتصف ما بين الجزئين الشمالي والجنوبي لقرية العراقي درءا للمشاكل، ليوصِل رسالة للجميع بأن الحاكم الجديد -حفظه الله ورعاه- أنشأ هذه المؤسسات التعليمية لتحظى الأنثى بالتعليم، وأننا يجب أن نقف جميعا لنسهم في عجلة التنمية الآخذة في الدوران لتوها، ويضرب ببناته وأخته المثل بأن تعليم الأنثى ليس عيبا أو يجلب العار لأسرتها، بل أنثى متعلمة تعني نواة أسرة ناضجة لخلق جيل واع.

اشترك في حسابنا على يوتيوب لمشاهدة فيديوهات لأهم الأحداث العالمية والإقليمية