الخميس, 23 مايو 2019
40 °c

السياق الدلالي لمعطيات (أنت مني) لـ "هبة الفقي"

الأحد 03 فبراير 2019 11:57 ص بتوقيت مسقط

السياق الدلالي لمعطيات (أنت مني) لـ "هبة الفقي"

 مروان المخلافي | ناقد وكاتب من اليمن

 

يطيب لي أن أحيي الشاعرة هبة الفقي كشاعرة استطاعت أن تصنع لنفسها حضوراً متميزاً في غاية البهاء والألق - لست من يقوله لوحده بل معي الكثيرون ممن يشهدون بهذا الحضور -  تبوأت به موقعاً متقدماً يشهد به ويعرفه  كل من يتابعها ، تُوقده  بموهبة حباها الله إياها بهذا التوهج البديع الذي تماهت معه بواقع أدبي رفيع المستوى أهلها بجدارة واقتدار للمشاركة في برنامج أمير الشعراء بموسمه الجديد بعد إجازتها وتجاوزها شروط ومعايير المشاركة نحو مراحل العشرين بكفاءة مدت لها جسراً من العبور لموطن آخرٍ من الإبداع .

ولا تخطئ العين امتلاكها ثقافة تربوية يعبر عنها السمت الجميل البادي في حضورها المحترم ، وأغراض شعرها الذي تتنوع فيها بقيم تنطلق منها وترتكز عليها بروح تعد ركناً أساساً لديها كما هو واضحٌ من أدائها وقبل التفكير بأيٍ من عناصر العملية الإبداعية ، ودون أن يتقدم شيئ على حساب هذه القيم التي عجنت بها شعرها ، واختمرت لديها بواقع أدبي على نحو ناضج وراسخ ، على الأقل يتجلى ذلك من خلال حضورها الذي كساها الكثير من المهابة والإجلال ، وأسدل عليها طيفاً من أردية الإبداع والاقتدار، ولأسلوبها الأدائي الملتزم الذي مكنها من تجاوز الكثير من مراحل الإبداع، عدا عن خطها العام المعروف بانضباطه وروعة أبعاده الوجدانية الزاهية بهذا الحضور الأنيق - رفعة واحتراماً وإجلالاً - لهذا التوجه الأدبي المنضبط والمحكم ، فمثلت بكل ذلك حالة

من مهابة الحضور ، وتألق الأداء ، وتماسك الموقف الغوي ،  وصناعة البهجة والنور، والاحترام رفيع المستوى لوجدان المتلقي ، وأي شاعر تؤدلجه ثقافته العربية المحافظة ، وتؤطر لغته جانب أصيل ممزوج بروح الحداثة في سياقها الإبداعي الأجد ، ستجد فيه الشغف الطموح لتقديم نصوص في غاية الجمال سيدرك المتلقي مدى احترام الشاعر لعقله وفكره ووجدانه توازياً مع احترامه لعقل المتلقي .

ويستحق منتوج الفقي مطالعة والتماس كل أديب ومبدع وكل محب لمشهدنا الثقافي العربي الذي يزخر بهؤلاء المعتبرين في رحابه انتصاراً لهذا اللون من الأدب الذي تمثل ومعها الكثيرون من المبدعين عموداً مهماً  بهذا الحضور في البناء الثقافي العربي .

ويكفها عزاً وفخراً أنها قلمٌ عربيٌ أصيلٌ ينتمي للغة الضاد ، اكتملت لديه الكثير من مراحل النضوج ومدارج الرسوخ والاتزان الموضوعي والواقعي ، وتصدرها فخراً وتيهاً باللغة العربية وروح أدابها الحضارية التي يشهد بعلو كعبها كل منصف من غير أبناء هذه اللغه وروادها .

وعليه فالتقدير والاحترام في يومها العالمي  لكل أقلامنا العربية المبدعة التي تحاول صناعة واقع عربي تتقابس في رحابه ثقافة واعية تعبر تعبيراً حقيقياً عن مستويات واقعنا الأدبي الفخم ، وتعطي انطباعاً باذخاً عن مشهدنا الثقافي الموقر المحاط بالوقار والرفعة.

 

خارج النص:

 

منعطفات فنية بسياق حداثي، وأصالة تجغرف النصوص ببناء مداري محكم

 

تجدرة الإشارة إلى أن شعر هبة الفقي بما يمثله من قيم مثقلة بإحكام الموقف اللغوي ، وثبات المبدأ الأدبي المنثور شعراً على جوانب القصيد الممهور ببصمتها ، والذي تحاول من خلاله إشاعة أجواء من المتعة واللذة لا تميل بها عن السياق الجاد والرصين بطرح مميز ومختصر ، وبتحليق لغوي أدائي مبسوط على رحاب غزلي ومشفوع بتكنيك تظلله بأفضلية الألفاظ ،  وتمارسه بتقنية إشباع المعاني لروح المتلقي ، وبهذا الفعل المستوفي للقيم الشعرية الحقيقية سندرك كم نحن اليوم في أمس الحاجة إلى فقه شعري وأدبي حضاري وإنساني في المقام الأول لنظهر به جماليات ثقافتنا العربية، ونعلو به على تاريخ صراعنا واختلافنا واحترابنا ، ونغير به الصورة الذهنية والنمطية السلبية المغلوطة التي درج عليها الآخرون عنا من خلال كسر روتين الرتابة المعتاد ، والمجيئ بما هو أبدع منه من لغه الشعر،  وبإطار مشرق يحسب لصانع النص يثري به وسطه العربي الذي يدفق به جانباً من الشعور الكتابي للنصوص الأدبية الصادقة ،  وبالخصوص عند ممارسة الغزل الذي درج الكثيرون على ممارسته بلا هوية او هدف إنساني للغير ، فمارسوه بدوافع ذاتية ، وبحلقة مفرغة يصير فيه الكاتب هو نفسه المتلقي ، الأمر الذي يعرضه للحظة اضطراب مقلقة للغاية تُضيق من سقق الأفق لديه ، في حين أن ما ينبغي للشعر هو أن يحلق فيها طولاً وعرضاً ، ولأن الشعر لغة إنسانية سريالية مزيج من فسيفساء الزهو والبهاء مدارها الإنسان الشغوف بها وبهذا الأداء الشعري الصادق الذي يحليه شيئ من مثالية الوصف والتصوير ،وإبداعه وتلاوينه واستباحة أجمل الألفاظ بعيداً عن السفسطائية التي ماعاد يجدي التخدير بها وجدان المتلقي .

ولهبة الفقي قصيدة مكتملة الأركان غازلت بها اللغة العربية لتناسب بها روح المقام بيومها العالمي ، وقصيدتها هذه جاءت بغير أسلوبها الحواري الموجه في ( أنت عمري) تميزها تلك التنقلات الوصفية من منازل كل الصدور إلى منازل كل الأعجاز ،

ومنها إلى كل بيت على حدة تتكشف فيها مآثر وأمجاد لغتنا العربية التي لا يمجدها إلا إنسان كريم الأصل ذو معدن طيب تشغل لغة قرآنه حيزاً من عقله وفكره ووجدانه فيلقي عليها محبة من قلبه ونفسه

لتحوز الحفظ والعناية من هؤلاء الكرماء وما أكثرهم.

وفي قصيدتها التي عنونتها ب

(ريـــحٌ .. عَلى هامَـــةِ التّاريخِ) وليست مدار دراستنا بل نصدرها لتأملها بين يدي ما سنكتبه والتي جاء فيها :

ريـــحٌ ..

عَلى هامَـــةِ التّاريخِ ..

لا تَهْـدا ..

تُمَهِّـــدُ الــدَّرْبَ لِلْأَمْجاد ..

 كَيْ تَبـــْـدا ..

 

تُصاحِبُ النـَّجْــمَ ..

مِنْ مـيلادِ طَلْعَتِهِ ..

حَتَّى يَصيرَ ..

 لِأَحْـــلامِ الْــوَرَى قَصْدا ..

 

تُرَتـِّـلُ الــنّورَ ..

فَوْقَ الّلـــيل أُغْنـِـيـَـةً ..

فَيَخْجـَـلُ الصُّــْبحُ  ..

أَنْ يَغْدو لَهَا نِدّا ..

 

آيٌ مِنَ السِّــحْرِ  ..

ما مَــــَّرتْ بأفْئـِـدَةٍ

إِلّا  ..

وَأثْــمَــرَت الرَّيْحانَ  وَالْــوَرْدا ..

 

حُسـْـنٌ ..

عَلَى شَـفَـةِ الْأزْمانِ  ..

يَجْعَلُها ..

تُغــْـري الْحَــياةَ ..

بما لا يَقْبـَـلُ الصَّدا ..

 

ٌ عِشْقٌ بِأَوْرِدَتي ..

مُذْ ماجَ بَيْنَ دَمـي ..

تَفَتَّــقَ الْعُمـْــرُ ..

 في أَغْصــانِهِ سَعـْـدا ..

 

هَذي .. لَعَمْري ..

هِيَ الْفُصْحَى ولا عَجَبًا :

إنْ صِرْتُ والشِّعرُ ..

في ساحاتِها جُنْدا

 

إنْ جُـدْتُ بالْحَرْف ..

في بُسْتانِها أمَلًا ..

فـي أَنْ أَنال ..

َ ِمنَ الْمَحْبـــوبَةِ الْـــوُدَّا ..

 

إنْ جِئْتُ ..

بالسَّطْرِ ..

 فَوْقَ السَّطْرِ أجْمَعُهُ ..

حَتَّى أُشَــكِّلَ ..

مِنْ عِشْقـي لَها طَــوْدا ..

 

أُنْثى ..

هِيَ الضّادُ  ..

مُذْ أَلْقَتْ ضَفائِرَها ..

فَوْقَ الْوُجــودِ ..

تَراءَى حُسْــُنها فـَـرْدا ..

 

ولو تُلامِسُ ..

زَهْــرَ الْحَرْفِ ريشَتُها ..

يدور ..

بَيْنَ رُبَى عُشّاقِــه أَنـْــدَى ..

 

نَــهْرُ البلاغَــة ..

يَجْري فَوْقَ جَنــَّـتِــها ..

ومــاؤُهُ الْعَذْبُ ..

يَغْدو باسْمِها شَــهْـدا ..

 

نَفائِسُ الشِّــعْـرِ ..

في أَحْضانِها جُمِعَتْ ..

كَأنَّــها الْكَــنْــزُ  ..

لا تُحْصِـــي لَهَا عَـــدّا

 

مَنْ مِثْلُها ..

لُغَتي ؟ ..

فَوْقَ السِّحابِ مَشَتْ ..

فَأَنْبَتَ الْغَيـْـث ..

في صَحْـرائِنا الْمَجْدا

 

بالْمُفْـــرَداتِ ..

تُـناجي ..

كُلَّ مَنْ رَسَموا ..

وَجْــهَ الْمَجــازِ  ..

ففاقَ الْمُنـْـتَــهى مَدَّا ..

 

فَيّاضَةُ الْوَصْلِ ..

ما طافَـتْ عَلَى حُلُمٍ ..

إلّا ..

وَأَسْقَـــتْ بِلَــيْــلِ الْمُغْـرَمِ الْوَجْدا ..

 

صَبَّتْ ..

بِكَأسِ الْمَعاني ..

 طُــهْــرَ فِتْنَتِها ..

فأسْرعَ الْحَرْف ..

حَتَّى يَرْشُفَ الْـوِرْدا ..

 

من ذا ..

يذوقُ مِنَ الْفُصْحى  ..

حَلاوَتَها ..

ولا يُرَنِّمُ ..

في آذانِها الْحَمْدا ؟ ..

 

قَدْ ..

أَصْبَحَتْ  لُغَـِتـي ..

في أَوْجِ  قُوَّتِها ..

لَحْدَ الْمُحالِ ..

وأَضْحَـتْ .. لِلْمُنــى مَهْدا ..

 

جورِيَّةُ الْعِزِّ ..

تُهْدي عِطْرَ عِفَّتِها ..

لِمَنْ يَصونُ ..

إِلى يَوْمِ الّلقا الْعَهْدا

 

شَمْــسٌ ..

بِـــنــورِ كِــتابِ الله مُشْـِرقَةٌ ..

مَنْ يَمْلك الْيَوم ..

أن يُخْفي لَهَا وَقـْدا ؟ ..

 

إِنـِّـي ..أَتَيْتُ ..

 إِلَــى مِحْرابِ بسْمتِــها ..

أُداعِبُ الثَّـغــرَ  ..

بالْأشْـــواقِ والْخَـــدَّا ..

 

وأَجْمـَـعُ الْــحُــبَّ ..

فِي سَلّاتِــها دُررًا ..

حَتَّى َيصيرَ  ..

على صَدْرِ الــُّدنا عِقْــدا ..

 

يا بِذْرَةَ الْحُسْنِ ..

في قَلْبِ الْيَراعِ ..

أنا ..

أَعْلَنْتُ ..

بَعْدَ هَوَى أَجْفانِكِ الزُّهْدا ..

 

وسرني كثيراً قراءتي لهذا النص الذي يسير بلغته على نحو الدروب التي قطعت كثيراً من أشواطها في هذا النص الذي سنتوقف عنده في لغة " أنت عمري" حيث عزز عندي قناعة بأن لديها لغة تصاحبها القدرة على صناعة قطعها الفنية بأسلوب قد لا يتماثل لروح التجديد .

وهذه القصيدة وبمرور عابر دون الخوض فيها تعد دوح وارف الظلال لما تمتاز به من الثراء اللغوي في جميع عناصرها الذي تشكلت منها القصيدة ،

 ( ريح  ودرب ونجم وأحلام وترتيل وحياء صبح وآية الأسحار وثمار من الريحان وحسان من الورد تغري ولا تجد الصد ، وعشق يموج دمٍ ، وعمر تفتق بأغصانه .....

 كلها ألوان من المعاني تقدمها بين يدي الفصحي ، وتزيد عليها الكثير من مثيلاتها ) إنها طوق منسجم في حباته تأتلق بالصور الفنية وتحمل رسالتها الى الإنسان العربي التواق إلى استثمار هذه اللغة "الحياة" التي تحتاج منا الوفاء بشعور عاطفي تحفه روح صادق في إحساسه وتوجهه .

وعليه فإنه - كغيري ممن يعرف إبداع الفقي - يتأكد لي من هذا السياق الشعري صحة ما ذهب إليه الشاعر اليمني والناقد الكبير إبراهيم القيسي في تحليله لنظرية العاطفة تبعاً لما جاء في الأعلى على هامة اللغة العربية ، 

رأى بأنه حين"  يقولون فلان شاعر لابد من تحقيق هذه الصفة بكل أبعادها المتصلة بحقل الشعور فالشاعر ملتزم بشروط التأهيل المتكئة على العواطف حيث تعمل عاطفة الشاعر على تنظيم هيكلة الموهبة بأبعادها الاستراتيجية التي منها ارتباط العاطفة بالثقافة الإنسانية والدينية والوطنية حيث تخضع الرموز والأساطير لحمل المشاعر الروحية من خلال التكثيف والإشارة في إطار الحقل الشاعري ، وكذلك ارتباط العاطفة بالخيال والصورة مبتدأ وانطلاقا بتكامل يقارب بين الخيال وعدسته والصورة وتفردها،  فالخيال يشكل الأشياء المألوفة صوراً غير مألوفة ترتبط بضخات العاطفة لتعبر عن مجاز ينبض بالحركة والحيوية ، عدا عن ارتباط العاطفة بنظم النص حيث تتخلق الألفاظ والجمل في  مشاعر الشاعر فتتأثر بعواطفه محدثة ثجات من الانفعالات الواعية تظهر في أنساق النص بترابط محكوم بقواعد النحو والصرف .

 

توطئة واستهلال:

مما لا شك فيه بأن لغة الغزل وقوافيها من بين بقية الأغراض الشعرية كلغة محببة للنفس لمناسبتها روح الوجدان ،  ومخاطبتها لمشاعر الإنسان هي لغة في الغالب تمتاز بسحرها الآسر ، وجملة الافتتان التي يوقدها ويوهج منها البيان  الممتنع ، وفيها من جلاء الموقف اللغوي ما يجعلها مفعمة بفعل إنساني مضمّخ تدل عليه داليات الأفياء ، وأكمام الدوح كما يقال ، وخاصة إذا كنا بين يدي نصٍ بحجم إنسان يمثل وطناً وارف الظلال لإنسان آخر  ، وهو الأسلوب البنائي الذي سنجده في رحاب نص للشاعر الفقي الذي استطاعت أن تتجسد فيه

بعملقة شامخة لحرفٍ حاكت به واقعاً مثقلاً  بجماله المشبوب، جلته بحرفية عالية المستوى من حيث الأداء والتكنيك التقني لسبر الموضوع بالعنوان ،  وعجنهما معاً بلوحة زاهية الألوان أشرقت بنور المخاطب العلم ، وإن توارى اسمه في خبايا صفاته وطيب الأماني التي توثبتها الشاعرة بين يديه . وجميل بل في غاية النبل والروعة - وقلما نجد ذلك شعراً- أن يكتب الإنسان بشعور صادق عن جدرانه الساندة والأكتاف الغالية التي يستند عليها في مواجهة الحياة بكل غوائلها وعادياتها ، ويخوض غمارها جملة وتفصيلاً بإنسان يتماهى معه بكل تجليات الحياة وفي كل لحظاتها ومفاصل أحوالها ومشاهدها.

ولربما هذه المرة الثالثة التي أجدني متهيئاً للكتابة عن شاعر بإفاضة وإستفاضة على عدم معرفتي به شخصياً أو تواصلي معه مطلقاً باستثناء قراءآتي القليلة عن شعره ليقع الاختيار على هذا النص  لمجرد مرور عابر له استطاع  النص ببذاخته  أن يسترعينا بمثل هذا التأمل الذي بين يدينا سواء وفقنا في فحصه وكشفه أم لم نوفق ، فقط بما استطعنا وما نملكه من أدوات حاولنا أن نتقابس مع نصها ونثاقف بما يستحقه من مستوى وصل إليه .

 

ويتأكد لنا يوماً بعد يوم أن هناك من النصوص الرومنسية ما نستطيع أن نسبر غورها بروح من الكلاسيك ، ونصبغ عليه لغة من الغزل ولكن ببوح سريالي ووجداني ينشكل من ألوان باهية الجمال لرؤى بنيوية هادفة  تصنع فينا من روعة اللحظة ما تسترعي فينا أرق المعاني لحالة من الإحساس المفعم بهمس جميل يبعث فينا نشوه من السرور والبهجة بعيداً عن استباحة وجهٍ قبيحٍ من الغرائز  يزري بسلوكيات اللغة الهادفة لهذا الشاعر أو ذاك مهما كان المخاطب في صميم الحديث الموجه والمركز.

وبين أيدينا وعلى جناح السرعة هذا النص فعنوان "أنْــــــتَ مِـنِّــــي"

 جاء فيه :

لُذْ بِقَلْبي وخـُذْ ضُلــوعي فِــداكا

وَعلـى كَفـِّي ضَـعْ جِبـالَ أســـاكا

أرْضُ روحـي رَوَيْتُـها مِن هُيامي

فالتَقِـطْ مِـنْ بُسْــتانِها مُشْتَــهاكا

هــاكَ بَحْـري فاعْـبُرْ بِغَيْرِ حُــدودٍ

وانْتَظِـرْني تَحْـتَ اشْتِياقِ سَماكا

فَلَكَ الْكَــوْنُ مَسْـكنًا في عُيـوني

كُلَّــما  رُمْتَــــــهُ لَــــدَيْكَ  أَتــــاكا

وَغَرامــي ما بَيـْـنَ صَــدْرِكَ طَيْـرٌ

تَتَجَـــــلَّى ألْحـــــــانُهُ بِغِنـــــــاكا

نَحْـنُ روحٌ في اثْنَيْنِ مُنْذُ الْتَقَيْنا

نَتَخَــطَّــى  بِحُــــبِّنا  الْأفْــــــلاكا

أنْـــتَ مِنـّي وَمِنـْــكَ جِئْـتُ وإنّي

لَـــمْ أَذُقْ بَهْجَــــةَ الـــدُّنا لَـــوْلاكا

هَـــــلْ لِشـَــــيْءٍ بِمُقْلَــتَيَّ بَهـــاءٌ

لوْ بــَـدا لــي مِنْ دونِ ضَيْ بَهـاكا

عاشـِقٌ يَحْيا خَلْفَ حـَرْفي فَصُنْهُ

وأجِـــبْ لَوْ بِـكُلِّ سَطْـــرٍ دَعـــاكا

والْقـَـوافي باسْــمِ الْحَنـيـنِ تُغنّي

فاحْتضِــنْ شَـــوْقَـها بِنايِ هَـواكا

واللُّغـــــاتُ الَّتي تَــــرومُ جَـــمالًا

هَــــبْ لَـــها زَوْرقـًا إلــى مَعـْـناكا

جُـــدْ بِلَحْـنِ الصَّباحِ لَيْلِي طَويلٌ

كُلَّــما اشْتـــاقَ لَــْثمَ ضَـــوْءٍ رآكا

يـا حَــبيبًا تَهْفــو إِلَيْــكَ زُهــوري

تبْتَغي فَـــْرحَةً بِحِضْــنِ شَـــذاكا

أُغْنيـــاتُ الْجَـــوى وُلِــدْنَ بِقَلْبـي

والْغِنــــاء اسْـــتَقامَ بَــيْن رُبـــاكا

وَجُنوني ونَبْضُ شَدْوِي وسِحْري

كـُـلُّ مـا بـي قَـــدْ زَيَّنَتْــهُ يَـــداكا

عَـلِّم الْخَـلْقَ سِـــــرَّنـا مُــذْ بُعِثْــنا

مـِــنْ ضَجــيجِ الْحَـياةِ بَعدَ نِداكا

أنْــــتَ لَـــمْ تَخْــلقِ الْغَــرامَ ولَكِنْ

لمْ يَكـُــنْ يُخْــلَقِ الْهَــوى لِسـِواكا

نِصْــفُ أُنْثـى أَكونُ دونَكَ قَيْسي

فاقْتَـــرِبْ يَكْـــتَمِل سَنـــا لَيْــلاكا

 

مثل هذا النص فيه لمسة من الجمال المحكم و المترع بتلك المعاني التي وقعها وإيقاعها يتجاذبان وجدان المتلقي بحالة من الشعور الصادق صاغته يد ميمونة أصابها من لأواء لواعجها ما جعلها تنظر بعين مبصرة ترى خلف الضباب مستكنهات حاضر تراوح لغتها بين يديه علواً وانخفاضاً بموج واحد في تدفقه ، وبيد تمسك بتلابيب الذاكرة التي تستثير من أعماقها عوالم حقيقية نجد أنفسنا كقراء مضطرين للتوقف عندها لتأمل كل هذه الصور المزدحمة في وجه واحد وصورة واحدة وفلاش واحد انطلق وند من ضمير إنسان متوثب لآخر يرى فيه النص المكمل له ليصنع حياة بكل دقائقها وتفصيلاتها .

في النص  قدرة فائقة في صناعة الحدث بعدسة فنان يحاول عبر ميزان الحياة أن يشكل لنفسه كومة من المشاعر التي تستثير فيه وفينا ما يسترعي أروع وجدان ينطق بمحمد وسورة الرحمن ذهولاًمن هذه السطوات التي تجود بها عدسة شاعر تسلط بها الضوء على حالة من الشعور الجميل بكل تجلياته ولحظاته بأسلوب ممهور بحسن الأدب والتأدب في التناولات والمعطيات.

للأسف الشديد خفتت كثيراً مثل هذه المعاني في حياتنا الأدبية بمثل هذا التناول ، فلم نعد نراها واقعاً معاشاً في حياتنا على حاجتنا الملحة لها ممارسة في مجتمعنا المتعطش لمثل هذه المعاني الحقيقية في شعر المبدعين الذين ذهبوا عنها فلم تعد  تكنيكاً مرسوماً على صدر قصائد شعرائنا ، وحديثاً منثوراًعلى قطع أدبائنا ، وأدوار مشاهدة على مسارح اللغة الأدبية الراقية،بل أذهبت مثل هذه المعاني الرائعة انشغالنا بما لا طائل منه في مناحي الشعر ومضاميره .

وحقيقة فإن مثل هذا الوجدان الجميل الذي يلامس الشغاف بهذه المعاني التي تتجلى بأروع الصور ، وأبهى الحلل .

ومثلها الكثير التي تدق بها الفقي على أوتار حساسة تنطلق بها من حاجة مجتمعية ، وترتكز عليها من مهمة رسالية هادفه كما يظهر لنا .

وليتنا ككتباء وأدباء يكون لنا شغف بمثل هذه التوقدات الذهنية التي تعين المتلقي على فتح نافذة له لرؤية جمال اللغه العربية عبر جانبها المتموسق الذي تسوسنه لغة من الغزل المنضبط  .

كم أنا شغوف بهذه الكتابات المهدفة ، والتي تحمل في طياتها إشارات متنامية قد تصادف إنسان تنفتح عليه بأجمل معانيها الرائعة .

 

قواف تصنع الاستثناء:

 

مفتتحاً لا بد من القول في انطباعنا الأول عن الأثر الطاغي الذي يتركه همس القوافي ، ولربما تجريد القوافي وإرجاعها لألصل الأول من المسمى من دون أل التعريف سيعطينا انطباعاً عن تجانس واجهة البيت الموسيقي الخارجي للقصيدة

(فداء / أسى / مشتهى / سماء / أتى / غناء / أفلاك/ لولا / بهاء / دعا / هوى / معنى / رأى / شذى / ربى / يد / ندى / سوى / ليل ) حزمة متجانسة لعلاقة لابد وأن يكون رباطها وثيق كما قد يتبادر للأذهان أدامها الله نورها ، ووصل حبل ودها مدى العمر .

هذا مع العلم بأن الكثير منها خففت همزتها من سياقها العادي لتساق في النص بأسلوب دافئ وحنون (  فداء / سماء / غناء / بهاء ) وللقارئ أن يتخيل مثل هذه المفردات لو جاءت بتكنيك ثبوتي للهمزة في كل قافية

مثل ( فدائك - سمائك - غنائك - بهائك ) كيف سيكون وقعها على أذن المتلقي وفالخصوص أنها ستضطر الشاعر لتسكين الكاف في حال المجيئ بها قافية لقصيدته  ، هل كانت لتصلح لمثل هذا المقام الذي تخالجه روح السكون والهدوء، وفي لغتنا العربية اجتماع الحروف وتقلباتها في الكلمة العربية له الأثر  البالغ في إنتاج دلالة المعنى وتوقده في السياق العام لتنقلات الشاعر في قصيدته.

وعليه فاتخاذ الشاعرة لهذه   القافية بهذا الاستخدام قد ساعدها كثيرا في نثر الشعور وإيصال إحساسه ، وعدولها عن الاستخدامات الدارجة للمفردات مهمزوة الآخر ضربة معلم في صناعة اللحظات من خلال ختام القوافي لكل بيت مع انفتاح لحظة الانتظار لمعنى البيت الآتي مع حركة المد لحرف الألف الذي يتكئ عليه حرف الكاف  بإحساس وشعور يتجلى بعنفوانه الهادئ في حال إلقاء القصيدة أو سماعها بوجه وملمح جمالي آخر سيدرك هذه المرة بعيداً عن تلقيها قراءة

وهي لغة راقية تمتن بها الفقي نسيج كوخها وأكنانها ، وتعزز بها من واقع مملكتها ورحابها الواسع وتشد بها من خيوط النور وعلى نحو توقد بها عالمها الميمون الذي تراه الدنيا بجدرانها الساندة ، ومثل هذه اللغة بموضوعها وخطابها الموجه قلما نجد مثلها على ذلك النحو الذي نجد به أغراض الغزل في كثير من قصائد الشباب من جيل الفقي الذين صدعونا بها وبلغاتها الهلامية الزئبيقية التي تتفلت من بين وجدانك ، وتتسرب منك كمتلق يعزفون عليها سيمفونيات يغردون بها خارج أسراب الواقع.

 

عدول في العنوان بعين ثاقبة يفتح آفاقا لمعطيات من روح المعنى:

 

في عنوان قصيدتها وهذا أبرز ما يشد المتلقي ويسترعي منه عقله وفكره ووجدانه ويترك لديه دهشة تثير الأسئلة منذ وهلة الافتتاح ( أنت عمري )

وعليه ففي لغتنا العربية هناك أسلوب حذف الموصوف بدلالة الصفة، والموصوف المحذوف هنا هو المتجسد فيه عمر هذا الإنسان الشاعر ، فحذفت الموصوف بدلالة الصفة بذكاء رائع وبلغة شفافة لا كاد تبين إلا على الموصوف على تواريه بين ثنايا العنوان .

وفي العنوان عدول ظاهر بلمسة مبدعة وعين ثاقبة تفتح آفاقا لمعطيات من روح المعنى ، فقد آثرت الشاعرة المجيئ بلفظ غير " أنت عمري" عدولاً عن المجيئ بغيرها ودوناً عما سوى لفظة ( عمري) لما للعمر من مهابة وعنوان لدهر الإنسان الذي أقسم الله به في قرآنه ، فليس العمر تلك الروح أو النفس أو القلب ، وليس شيئ من ذلك مطلق ، بل مزيج من كل شيئ نفيس في كل زوايا هذه الحياة ، إنه العمر الذي نعيش وسنحيا به .

 

النمط الكتابي:

 

لن ندعي الكمال المطلق للقصيدة لنسبية الأدب وقيامها على شعور المتلقي وحركة وجدانه ، وبنفس الوقت لن ننزل بالنص لمستويات لا تستحقه لرفعته وبيانه الذي سنتستعرض به مواطن الإشراق والتوقد الذي تختفي معه السياقات المضطربة للألفاظ والمعاني ، وكذلك الاهتزازات التعبيرية للجمل ورصفها المحكم ، ولأنها تجاوزت مراحل التأسيس للقصيدة بقوة ومتانة أهلتها للبناء عليه سُقفُاً من فضة كما سندرك.

وقبلاً جميل لو قول أن من أروع من كتبوا عن نظرية الأدب وعناصر العملية الإبداعية  الشعرية من الكتاب المحدثين تقسيمات الشاعر والناقد اليمني أستاذ اللغة العربيه / إبراهيم القيسي وابن مدينة حجة وصاحب الاثني عشر ديوانا شعرياً.

قسمها بأسلوب سهل وعميق ، وقابل كل عنصر بما يناسبه من النظير ، وعليه فقد رأى بأن نظرية الشعر تقوم على :

- اللغة :  إملاء نحو صرف معجم

- الموسيقى : الإيقاع الداخي والخارجي

- العاطفة : ماء العجينة والتشكيل .

- الفكر : حقل المعاني والمضامين .

- الخيال : العدسة الذهبية والسحرية لتكوين الصور .

- الأسلوب : البصمة والتراز للموهبة المنتجة .

- النظام العام : ترابط النص والأنساق .

- التطعيم : الرمز والأسطورة  .

- النطاق المضيء : التكثيف والتوهج .

- البهارات : الدهشة والمفارقة

وليس بالضرورة - طبعاً - توافرها جميعاً في أي نص من النصوص ليصنف ضمن النصوص المبدعة لارتكاز العمل الأدبي والفني الكتابي على النسبية في التذوق ولاختلاف زوايا النظر والتأمل التي تمثل الميزان الحساس لوزن الكلام بجميع متعلقاته من الألفاظ والمفردات والتراكيب والسياقات والأخيلة ورصفها في ثنايا الكلام لصناعة لحظات التأمل .

الشاعرة وعلى الأقل في هذه القصيدة لديها نمط كتابي يجنح في أغلب أبياتها ( أشطاراً وأعجازاً ) للجمل الفعلية الدالة على الديمومة والحركة وإشاعة الأجواء على تخوم القصيد سواء في البدايات أو الاختتامات ، مع ملاحظة أن الكثير من قصائد الغزل المحدثة لجيل الشباب في ألفيتنا الثالثة بنيت بلغات جلها جمل خبرية تقوم في أغلبها على الجانب الحواري والخطاب المباشر غير الموارب . ولكل أسلوبه في هذا السياق .

تقول الشاعرة  :

لُذْ بِقَلْبي وخـُذْ ضُلــوعي فِــداكا

وَعلـى كَفـِّي ضَـعْ جِبـالَ أســـاكا

أرْضُ روحـي رَوَيْتُـها مِن هُيامي

فالتَقِـطْ مِـنْ بُسْــتانِها مُشْتَــهاكا

هــاكَ بَحْـري فاعْـبُرْ بِغَيْرِ حُــدودٍ

وانْتَظِـرْني تَحْـتَ اشْتِياقِ سَماكا

في هذا الثلاثة تحاول الشاعرة الاتكاء على فعل الأمر كما في قولها :

( لُذْ بِقَلْبي / خـُذْ ضُلــوعي فِــداكا/ ضَـعْ جِبـالَ أســـاكا/فالتَقِـطْ مِـنْ بُسْــتانِها مُشْتَــهاكا/

فاعْـبُرْ بِغَيْرِ حُــدودٍ/وانْتَظِـرْني تَحْـتَ اشْتِياقِ سَماكا)

 

ولكن بأسلوب من التحنان والتودد تجاوره بعض المعاني التي لا يتوقع من يستمع فعل الأمر أن يسترسل بها في سياق أمري ، لكن الشاعرة وبذكاء من لغتها استعاضت بما يمكن انتظاره من لحظة أمر إلى ما يشبه بشرى غلفتها بهذا الأسلوب الذي حببت منه في هذا الدرب الغزلي بقولها ( ضُلــوعي فِــداكا/

 جِبـالَ أســـاكا/ مِـنْ بُسْــتانِها مُشْتَــهاكا/تَحْـتَ اشْتِياقِ سَماكا)

وحقيقة فالمقام ناسب المحتوى مبتدئاً بشكل لافت بالإمكان  تدراكه بلا عناء ، بل لغة سهلة منبسطة فيها انشداداً  وتخلق موطناً للتأمل ، ويحيلنا هذا إلى

 العين الثاقبة والنظر الواسع في العنوان الذي تم صياغته مسكوناً بهذا الملمح البلاغي ، وهذه الروح الشاعرية .

وبين يدي مفتتحها تقدم تباعاً سياقات جملية ركبتها تركيباً حاولت من خلالها أن تصنع لنفسها حضوراً يتماهى مع الحضور الأميري للمخاطب إن صح التعبير فتقول في جميع بقية الأبيات في هذا السياق :

 فَلَكَ الْكَــوْنُ مَسْـكنًا في عُيـوني

كُلَّــما  رُمْتَــــــهُ لَــــدَيْكَ  أَتــــاكا

وَغَرامــي ما بَيـْـنَ صَــدْرِكَ طَيْـرٌ

تَتَجَـــــلَّى ألْحـــــــانُهُ بِغِنـــــــاكا

نَحْـنُ روحٌ في اثْنَيْنِ مُنْذُ الْتَقَيْنا

نَتَخَــطَّــى  بِحُــــبِّنا  الْأفْــــــلاكا

أنْـــتَ مِنـّي وَمِنـْــكَ جِئْـتُ وإنّي

لَـــمْ أَذُقْ بَهْجَــــةَ الـــدُّنا لَـــوْلاكا

هَـــــلْ لِشـَــــيْءٍ بِمُقْلَــتَيَّ بَهـــاءٌ

لوْ بــَـدا لــي مِنْ دونِ ضَيْ بَهـاكا

عاشـِقٌ يَحْيا خَلْفَ حـَرْفي فَصُنْهُ

وأجِـــبْ لَوْ بِـكُلِّ سَطْـــرٍ دَعـــاكا

والْقـَـوافي باسْــمِ الْحَنـيـنِ تُغنّي

فاحْتضِــنْ شَـــوْقَـها بِنايِ هَـواكا

واللُّغـــــاتُ الَّتي تَــــرومُ جَـــمالًا

هَــــبْ لَـــها زَوْرقـًا إلــى مَعـْـناكا

جُـــدْ بِلَحْـنِ الصَّباحِ لَيْلِي طَويلٌ

كُلَّــما اشْتـــاقَ لَــْثمَ ضَـــوْءٍ رآكا

يـا حَــبيبًا تَهْفــو إِلَيْــكَ زُهــوري

تبْتَغي فَـــْرحَةً بِحِضْــنِ شَـــذاكا

أُغْنيـــاتُ الْجَـــوى وُلِــدْنَ بِقَلْبـي

والْغِنــــاء اسْـــتَقامَ بَــيْن رُبـــاكا

وَجُنوني ونَبْضُ شَدْوِي وسِحْري

كـُـلُّ مـا بـي قَـــدْ زَيَّنَتْــهُ يَـــداكا

عَـلِّم الْخَـلْقَ سِـــــرَّنـا مُــذْ بُعِثْــنا

مـِــنْ ضَجــيجِ الْحَـياةِ بَعدَ نِداكا

أنْــــتَ لَـــمْ تَخْــلقِ الْغَــرامَ ولَكِنْ

لمْ يَكـُــنْ يُخْــلَقِ الْهَــوى لِسـِواكا

نِصْــفُ أُنْثـى أَكونُ دونَكَ قَيْسي

فاقْتَـــرِبْ يَكْـــتَمِل سَنـــا لَيْــلاكا

إن الشعور اذا تملك الشاعر وتجسد على روحه وفكره ووجدانه واستبد به من ناصيته وأرخى خليه سدوله  من تلابيبه فإن القصيده من تكتب نفسها ولا عيب في اللغة العفوية والتلقائية التي يحضر فيها القلب والوجدان والشعور .

لغة القلوب النقية:

 

هناك صنف من الشعراء يتعاملون بحساسية زائدة ومفرطة في اختيارهم وتناولهم لبعض الألفاظ والجمل وتشكيلها - تصويراً وتشبيهاً وقولاً مجازياً وتقفية - بأسلوب قد يعبر بالضرورة عن قائلها وصانع النص على ضوئها ، وقد تكون الفقي من هؤلاء بحسب ما قد يتبادر للبعض من خلال هذه القصيدة التي يدلنا شعور بأنها بنيت بعناية قصوى لروح المخاطب فيها ، ليس لأن اللغه لدى هؤلاء صعبة المراس ، وتحتاج لجهد في استنطقاها واستمطارها بسلاسة ويسر ، بل لأن هذا البعض يحاول أن يناغم بين توجهه وثقافته وبين تخير الألفاظ والجمل الأقرب لهذا الفكر ، وليس ذلك عيب بقدر ماهو نوع من الحرص والعناية لأن يكون الشاعر صورة ملونة ، ونمط ذهني يمكن قرائته من خلال النصوص سواء كان ما يكتبه حالة شعورية شخصية ينطلق فيه من واقع معاش كما في ( أنت عمري) ، أو قناعة منه في موضوع من الموضوعات يطرقها لإشاعة فكر ما عن أمر ما قد يكون مجتمعياً أو سياسياً أو ذاتياً أو في أيٍ من المواضيع الدارجة أو جديدة التناول .

ويجيد هؤلاء حقيقة - تبعاً لمنهجهم هذا - عنصر المفاجئه والابداع والابتكار ، والتفكير الناقد ، وجميعها مميزات لهذا الجانب من القصائد ومواضيعها وافكارها الملتعبه بعلاقتها المباشره بخفايا الروح وواقع الحياة بنقاط متوقدة من حروف  اللغه رأيناها أحدثت فوارق وامتيازات كثيرة تميد بها مثل هذه القطع الفنية.

على المستوى العام للنص كقارئ متأمل، وعلى ضوء ما سبق مما ذكر سنجد الكثير من المواضع التي سَتبَيِنُ عن ذلك بأداء يبعث النشوة في النفس جراء هذه الاستخدامات نجملها بالآتي : 

 

(وَعلـى كَفـِّي ضَـعْ جِبـالَ أســـاكا

/أرْضُ روحـي رَوَيْتُـها مِن هُيامي

فالتَقِـطْ مِـنْ بُسْــتانِها مُشْتَــهاكا

/وانْتَظِـرْني تَحْـتَ اشْتِياقِ سَماكا

فَلَكَ الْكَــوْنُ مَسْـكنًا في عُيـوني

كُلَّــما  رُمْتَــــــهُ لَــــدَيْكَ  أَتــــاكا

وَغَرامــي ما بَيـْـنَ صَــدْرِكَ طَيْـرٌ

/نَحْـنُ روحٌ في اثْنَيْنِ مُنْذُ الْتَقَيْنا

نَتَخَــطَّــى  بِحُــــبِّنا الْأفْــــــلاكا/ أنْـــتَ مِنـّي وَمِنـْــكَ جِئْـتُ وإنّي لَـــمْ أَذُقْ بَهْجَــــةَ الـــدُّنا لَـــوْلاكا/ عاشـِقٌ يَحْيا خَلْفَ حـَرْفي فَصُنْهُ/واللُّغـــــاتُ الَّتي تَــــرومُ جَـــمالًا*هَــــبْ لَـــها زَوْرقـًا إلــى مَعـْـناكا/ أُغْنيـــاتُ الْجَـــوى وُلِــدْنَ بِقَلْبـي*والْغِنــــاء اسْـــتَقامَ بَــيْن رُبـــاكا/ وَجُنوني ونَبْضُ شَدْوِي وسِحْري *كـُـلُّ مـا بـي قَـــدْ زَيَّنَتْــهُ يَـــداكا /نِصْــفُ أُنْثـى أَكونُ دونَكَ قَيْسي *فاقْتَـــرِبْ يَكْـــتَمِل سَنـــا لَيْــلاكا)

سهول وهضاب في مدينة الأدب ...*

وبصمة المبدع في مضمار الحياة....*

وفي سياقنا العام من تناولنا لهذا النص جدير بنا لو نعرج بالحديث عن الممارسة الأدبية ووصفها  بالبصمة الوراثية التي تدل على صاحبها على أنها في حقيقة الأمر ثمثل إضافة نوعية بغض النظر كانت لغتها منبسطة كالسير براحة السهول أو صعبة المراس كصعود الهضاب ، ليس لأحد أن ينتقص من نص مهما اعتوره القصور ، أو التعظيم من نص آخر مهما كان الشموخ بادياً عليه ، لكل طريقته وأسلوبه في بناء لغته وقطعته ، ومن يريد تقويم النصوص عليه تناوله بروح من المعايير والمنهجية التي تؤدي إلى تقويمه بعيداً عن النيل أو الانتقاص منه .

وكم نحن بحاجة لشعراء يعملون على أنفسهم بين يدي هؤلاء النقاد الذين ينمون بعث الحياة وإنعاشها في لغه الأدب ، نهوضاً بها ، وتعزيز جانبها المشرق ، وتكريسه ثقافة رائجة في أوساطنا العربية.

دعاني للحديث عن هذا في ختام هذا التأمل الفاحص لقصيدة من قصائد الفقي كونها أحد المنضوين لمدرسة عربية آثرت بها الانسحاب من الأوساط التي تقدس في عقلها ووجدانها وممارساتها السلوكية ما يمكن تسميته بالتصرفات والمماحكات القائمة على الاحترابات الداخلية بين الأدباء والكتاب ، فتشكلت على ضوئها شلل وجماعات كل يتعصب لفريقه تقليلاً من شأن الآخرين ، وبالوقوف على تخوم "أنت عمري" وجوها العام الذي قيلت فيه سندرك مدى جدية الوعي المجتمعي وانضباطه بفهم مدرك لواقع الحياة ، وعليه فقد وجدنا الشاعرة قد تصالحت مع نفسها ولغتها وثقافتها ، ومع واقعها الأدبي بروح من الاحترام والتقدير " فقدمت للمشهد حضوراً باهياً بهذا النص لا مجال للمرور عليه  إلا بتأمل لبصمته التي تركها ( موضوعاً وبناءً) وعلى مدى ألوانها الزاهية فذلك يقرره المتلقي سواء كان القارئ العادي أو الشاعر النظير أو الناقد المتأمل أو القارئ النخبوي.

أعجبني قول لأحدهم يقول فيه من تجربته في النظر لنصوص وكتابات الآخرين  "أنا لا أؤمن بكاتب صغير وآخر كبير، أؤمن بأن لكل منا إضافته التي بإمكانها أن تسند زاوية هشّة في جدار الحقيقة " ولقد اختصر بهذا سحر من سداد القول لأن الكتابة دوناً عن كل النتاجات الإنسانية متوقفة على قانون النسبية لارتكزاها على قواعد جمالية وذوقية تنوعية لا المعطيات ولا المعايير بإمكانها القياس والتقييم.

 

بين الفقي والساسي:

 

وأنا أحاول الكتابة حول هذا النص - حقيقة - قرأت نصاً مقابلاً  لشاعر مغربي بسياق خطابي معاكس ، وهذه المرة يتبادل الشاعر محمد محمود الساسي الدور مع ابنة الفقي فيه المُحَاوَر مُحَاوِر لما جاء من لغة الخطاب المباشر لنوع المخاطب في قصيدة هبة الفقي ، لكنها بذات الجودة إن اقتنع القارئ منا ذلك.

في قصيدته التي سنثري بها طرحنا للمرور عليها وتأملها سندرك ما تحويه - كما هو الحال في ( أنت عمري ) من لغة ملتزمة بروح حداثية ندرأ بهذا القول الذي يشاع أحياناً عن جمع من الشعراء لربما بنت الفقي والساسي  من بينهم ممن انتهجوا في تجاربهم لغة ملتزمة،ويتهموا من خلالها بعدم قدرتهم على استيعاب الحداثة بروحها العصرية ومعطياتها بمفهومها الحديث في شعرهم . وهذا تجن لا تخطئه عين الفاحص في كثير من النصوص الملتزمة التي منها هذا النص المتجدد بلغته وأسلوبه من حيث بنيته الفنية واستخدامات السياق الغزلي بدفق شعوري ينساب بلغة طيعة خالية من العثرات التي يسببها اهتزاز النص في بعض المواضع حين تنفرط اللغة عن التحكم وتتبعثر معه بعض المعاني والجمل في معانيها وتراكيبها ، أما أن تأتي لغة الغزل محكمة ومنتظمه في رص الجمل وتكنيك المعاني والسوق التقني المتقن والمنضبط لأوزان البحر داخلياً والقوافي خارجياً فهذا مما يحسب للغزليين المحدثين من الشباب كما أدركنا مما جاء في الأعلى وما سنثبته منهم نص للشاعر محمد محمود الساسي جاء فيه :

 

السَّاعَةُ الآنَ يَا نَجْلاءُ :

فِي ما تكشَّفَ مِنْ أشياءَ في السَّحَرِ

وما  تحجَّب في الأشياء  مِنْ  سَحَرِ

 

والأفقُ مِمَّا غفا في  الورد ِ مِنْ  مَطَرٍ

وما صَحا مِن صبايا الورْدِ في المَطَرِ

 

مِعْرَاجُ مَنْ مَا دَرَى مَا النَّايُ  مِنْ  وَتَرٍ

مِنْ  شهْقةِ النايِ   حتَّى   بُحَّةِ   الوَتَرِ

 

وسَقْطةُ الرِّيشةِ العطشى  إلى صُوَرٍ

في الصَّمْتِ مِن نزْفِها قُدْسِيَّةَ الصُّوَرِ

 

لا مِثْلمَا في مرايا الرِّيح  عنْ غَجَرِيْ

يَةِ  الفُتُونِ  حكتْ    عَرَّافةُ    الغَجَرِ

 

تِلْكَ المُصاغَةُ  مِنْ شمسٍ  ومنْ  قَمَرٍ

وهْيَ الجليلةُ  عنْ شمسٍ  وعنْ  قَمَرِ

 

آنَسْتُهَا   قَدَرًا  ..  جاءتْ   على   قَدَرٍ

فكيفَ   يا 

اشترك في حسابنا على يوتيوب لمشاهدة فيديوهات لأهم الأحداث العالمية والإقليمية