السبت, 17 نوفمبر 2018

مقال : إلى ذاك الصديق البعيد

الثلاثاء 14 أغسطس 2018 06:43 م بتوقيت مسقط

راشد حمد الجنيبي

 

"‏فداك أبي وأمي"

قالها في ‏صديقه (سيد الكون) بعد أن كفّ عنه سم العقرب في الغار

"لا تحزن إن الله معنا"

يواسي بها سيد الكون صديقه برحمة من السماء

 

 

 

الصديق لغة هو الشخص الدائم التصديق لصاحبه، كون أصل الكلمة "صدق"، والمرء الصديق هو الذي يخلق معك علاقة أساسها الصدق، واستنادا لهذا يصقل معدنه وتبيضّ رايته معك، يربطك معه ميثاق صدق في كل يوم وموقف وكربة، ولا يفك الوفاق بيت الرجل وصديقه إلا إذا نقض عهد الصدق بينهما، ولذلك لقّننا أجدادنا "صاحب الكل إلا الكاذب"، لأن الكاذب منذ بادئ الأمر ينسف أهم مبدأ وخصلة في العلاقة وهي الصدق. السطور القادمة قد لا تحمل بين طياتها الوعظ أو التحليل ضمن سرد المقالة، لكنها عربون جميل أقدمه مدينا لكل امرئ مارس الصدق معي، أو هداني السبيل إليه في أحلك المواقف فوجدتّه ذاك الصادق، إلى كل من رافقني في درب من دروب الحياة أو تحمّل معي الأذى في أيّ مأزق وقعت فيه، حتّى ‏إلى كلّ من زاحمني في ‏الماكل والمشرب والمسكن، ‏إلى كل من شاركني في المسجد والعبادة والهفوات والهزائم والحلم والحياة، ‏إلى كلّ صديق.

"قل لي من تصاحب أقول لك من أنت"، من أصدق الحكم التي لخصت ببيان خلاصة الصديق، فإن المرء يقتدي بخليله، فطبيعة الحال أي شخص تصاحبه وتوصله لمرتبة الخليل ستبدأ بالتأثر به والأخذ مما فيه، والعكس صحيح، فما أنت إلا نتاج أخلّائك وتؤثرك بخصالهم، وقيل من خالط العطار نال من طيبه، ومن خالط الحداد نال السوائد، وبذلك في أي مجتمع تعيشه تكون فيه مؤثرا ومتأثرا، ولذلك نزل الوحي من ربه قائلا "واصبر نفسك مع الذين يدعون…" الكهف، من زاوية أخرى يرى البعض أن "واصبر" هنا قد تعني الإلزام والجبر، وفيه صبر وتربية للنفس مع جمع من الأصدقاء ترقى نفسك معهم لمستوى أعلى من الصقل.

مع الأيام والتجارب والخيبات أحيانا، تتضح لك معادن الشخوص أمامك، فأيام الرخاء تجلب لك العز والجموع والكثرة لكن صدقني في اللحظات العجاف لن تجد إلا القليل، ومع كل هذه التراكمات ستصاحب الكثير لكنك ستضطر لانتقاء من تصادق، وبذلك تصل لمرحلة ترى فيها بأن الصدق لا يكفي، إذا أردت اختبار صديقك سافر معه، لأنك ستبعده من البيئة والظروف التي تعايش معها وتكيّفت شخصيته وأفعاله وتبعات أعماله مع تفاصيل عيشته، لكنك إذا أبعدته عن كل هذه المعطيات سيكتفي مما لديه من معدن ومما يؤمن به، وفقط حين يجمعك معه موقف جاد وحاسم، فقط في تلك اللحظة صدقني ستراه بتفاصيله وستنفث منه المواقف كل الشوائب الزائفة وترى معدنه، وقد تصل لمرحلة من اليأس حيث ستجد كثيرا من الأقنعة تتساقط حواليك، فتبدأ (بانتقاء) من تصادق لا من تصاحب، وتضطر لخلق عدة "فلاتر" قبل الانتقاء، عليك بالذي يحملك حين تتعثر وتجده يمينك وعونك قبل سقوطك، ولا تجد منه إلا السعد والفأل في عز حاجتك وسكوتك كتمانا وتعففّا، عليك بالبار الذي الخير لأهله وذويه، والذي يسعى لك ولأجلك دون حاجة، ذاك الذي تجده في الرخاء قبالك وفي الشدة عن ألف ممن تعرف، ذاك الذي معدنه ذهب لا تغيّره لواهيب الحياة و لا يتصدّى.

في الجانب الحازم الآخر، عندما تستقر وسط مجتمع عقلاني عملي وقاعيّ بائس لا يؤمن بالصداقة بل بالواقع وفوائد الأخذ والعطاء، تصل أحيانا بعد كثير من الهزائم النفسية وخيبات الأمل إلى دائرة الواقعية المرّة والبؤس المحتّم، حتى يلوّح لك ذاك الصديق القديم من بعيد و يذكرك بأن الحياة ما زالت تحمل رونقا جميلا، ذاك الصديق القديم البعيد القريب الذي ينتشلك بـ(صدقه) من بؤرة باهتة إلى أعالي الحياة ويحييك من جديد، ذاك الذي أبعدتكم عن بعض مشاغل الحياة لكن حين تلتقون لا تملكون لبعضكم سوى الصدق وشيء من الحب، ذاك الصديق القديم الذي كل ما تراه تفتّش فيه عن بقاياك، ويغنيك حديثه معك لساعات، ذاك الذي إذا وقف الحنين عائقا بينك وبين النسيان تجد أن الحنين لا يطير بك إلا إليه.

ارجع وابحث عن هؤلاء القدامى والبعيدين، وعش من جديد.

[email protected]