الثلاثاء, 18 سبتمبر 2018

مقال : الطيب صالح: سأحيا من أجل أناس قليلين

الأربعاء 25 أبريل 2018 07:29 م بتوقيت مسقط

محمد علي العوض

كلما أوغل الناس بحثًا واقتفاء أثر الواقعيّة السحريّة في أدب الطيّب صالح كلما تكشفت لهم أبعاد جديدة وثيمات مختلفة الألوان والمذاقات؛ على طبق من لغة الأرض التي اهتزت وربت، فهو عالم خصب لا ينتهي ولا يبلى كما الذهب الخالص كلما تقادم به الزمن ازداد بريقا ولمعانًا..

يكاد نهر النيل الصبور الذي يسير سيره الحكيم، ويعزف لحنه القديم؛ كاشتغال فضائي تجري فيه الأحداث، ورمز دلالي في أعمال الطيب صالح- يكاد يكون المؤثر المكاني الأساسي الذي تدور حوله كل الشخوص والوحدات السرديّة الصغرى بمعالمها ومكوناتها التعبيريّة والشكلانيّة، فهو لا يحل في العمل الروائي كديكور أشبه بما يُسمى بمسرح البيئة؛ ولكنه يحل فاعلا رئيسيًا يسهم في تحريك الأحداث وتصاعد أنساقها الدراميّة، وارتباطها بقرية تستلقي برأسها على رمال الصحراء وتغمس رجليها في النيل (عاما تلو عام ينتفخ صدر النيل، كما يمتلئ صدر الرجل بالغيظ، ويسيل الماء على الضفتين، فيغطي الأرض المزروعة حتى يصل حافة الصحراء عند أسفل البيوت)..

النيل في روايات الطيب صالح عصب الحياة والقوة الطبيعية الخارقة التي يأتمر بها سكان القرية معيشةً وغناءً وشاعريّةً (تلك القرية الصغيرة عند منحنى النيل، النهر بعد أن كان يجري من الجنوب إلى الشمال ينحني فجأة في زاوية تكاد تكون مستقيمة، ويجري من الغرب إلى الشرق. المجرى هنا متسع وعميق ووسط الماء جزر صغيرة مخضرة تحوم عليها طيور بيضاء، وعلى الشاطئين غابات كثيفة من النخل، وسواقي دائرة ومكنة ماء من حين لآخر)..

وبوصفه متلازمة طبيعية وظاهرة تضاريسية دالة على حركية الحياة وفعّالياتها، ورمز الخصوبة والأفق الرحيب والغدر ومتنفس الروح فهو مكان الولادة والتحوُّلات والبعث والزوال، صورة الحياة والموت.. ومن أول قصّة قصيرة نشرت للطيّب صالح "نخلة على الجدول" يستقبلك النيل باسطًا سلطانه ومتحكمًا بأمر ربّه في رقاب العباد (لقد مات الزرع ويبس الضرع وعم القحط فأغرق الرخاء، وكان النيل يفيض بين ضفتيه زاخرًا موارًا يسقي الأرض ويخرج ما في باطنها من الخير فما عاد يفيض إلا بحساب ومقدار)..

وتتبدى رمزية البعث بأوضح ما يكون في رواية "ضو البيت بندر شاه" الذي ألقت به مياه النيل على شاطئ القرية فآواه أهلوها، وأحسنوا وفادته ومنحوه اسمًا بعد أن ختنوه.. فضو البيت "مولود النيل" كان مُجددًا و "مبروكًا" وباعثًا لحركة التحولات والتغيير في حياة القرية.. كان يزرع محاصيل الشتاء في الصيف والشتاء، وكان يشتل النخيل أشكالا وألوانا من بلاد بعيدة فعلّم أهل القرية زراعة البرتقال والموز وأصول التجارة وكبرت القرية معه: (هو يكبر ونحن معه نكبر، كأنّ المولى جلّ وعلا أرسله إلينا ليحرك حياتنا ويمضي في حال سبيله.. بنينا "الجالوص" بدل القش، اللي عنده غرفة عمل ثلاثة، واللي ما عنده حوش عمل حوش، الجامع بنيناه من جديد ووسعناه وفرشناه بالسجاد؛ والبساط هدية من ضو البيت)..

وتتبدى في ذات الرواية رمزية الموت المرتبطة بالنيل الذي ابتلع في بطنه "ضو البيت" حيث يقول الراوي على لسان أحد الشخوص: (... وبعد ذلك هاج الناس وماجوا، بعضنا نزل إلى الماء، وبعضنا جرى على امتداد الشاطئ، وضوء المشاعل على الضفتين.... صارت الدنيا كلها تنادي في جوف الظلام (ضو البيت، ضو البيت) انتظرنا يومًا بعد يوم، بين اليأس والرجاء، نقول لعلّ وعسى ولكنّ ضو البيت اختفى، لا خبر ولا أثر، ذهب من حيث أتى، من الماء إلى الماء)..

وتطل علينا أيضًا ذات الرمزية في رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" حين اختفى البطل "مصطفى سعيد" في ظروف غامضة تشير أصابع الاتهام فيها للنيل: (كانت ليلة قائظة من ليالي شهر يوليو، وكان النيل قد فاض ذلك العام أحد فيضاناته تلك، هي تحدث مرة كل عشرين أو ثلاثين سنة، وتصبح أساطير يحدث بها الآباء أبناءهم. وغمر الماء أغلب الأرض الممتدة بين الشاطئ وطرف الصحراء حيث تقوم البيوت، وبقيت الحقول كجزيرة وسط الماء. وكان الرجال يتنقلون بين البيوت والحقول في قوارب صغيرة، أو يقطعون المسافة سباحة، وكان مصطفى سعيد حسب علمي يجيد السباحة. حدثني أبي، فقد كنت في الخرطوم وقتها، أنّهم سمعوا بعد صلاة العشاء صراخ نسوة في الحي، فهرعوا إلى مصدر الصوت فإذا الصراخ في دار مصطفى سعيد. كان من عادته أن يعود من حقله مع مغيب الشمس، ولكن زوجته انتظرت دون جدوى. وذهبت تسأل عنه هنا وهناك، فاخبروها أنّهم رأوه في حقله والبعض ظنّ أنه عاد إلى بيته مع بقية الرجال. وانكبت البلد كلها على الشاطئ. الرجال في أيديهم المصابيح وبعضهم في القوارب. وظلوا يبحثون الليل كله دون جدوى. وأرسلوا إشارات تليفونية إلى مركز البوليس على امتداد النيل حتى كرمة. ولكن الجثث التي حملها الموج إلى الشاطئ ذلك الأسبوع لم تكن بينها جثة مصطفى سعيد. وفي النهاية أخلدوا إلى الرأي أنّه لا بد قد مات غرقاً، وأنّ جثمانه قد استقر في بطون التماسيح التي يغص بها الماء في تلك المنطقة)..

وتختتم ذات الرواية بمغادرة الراوي غرفة مصطفى سعيد لتقوده قدماه إلى شاطئ النيل وتتحقق رمزية الأفق والمتنفس الروحي حينما يدخل الراوي الماء عارياً سابحاً نحو الشاطئ الشمالي مبتعدًا (ومضيت أسبح وأسبح وقد استقر عزمي على بلوغ الشاطئ الشمالي... وقليلاً قليلاً لم أعد أسمع سوى دوي النهر... ووصلت إلى نقطة أحسست فيها أن قوى النهر في القاع تشدني إليها... وفي حالة بين الحياة والموت رأيت أسراباً من القطى متجهة شمالاً... وتحددت علاقتي بالنهر إنني طاف فوق الماء ولكنني لست جزءاً منه فكرت أنني إذا مت في تلك اللحظة فإنني أكون قد مت كما وُلدت، دون إرادتي. طول حياتي لم أختر ولم أقرر. إنني أقرر الآن إنني أختار الحياة. سأحيا لأنّ ثمة أناس قليلين أحب أن أبقى معهم أطول وقت ممكن ولأنّ عليّ واجبات يجب أن أؤديها...)

[email protected]