السبت, 22 سبتمبر 2018

مقال : نهر النهضة المتدفق

السبت 24 مارس 2018 11:44 م بتوقيت مسقط

حاتم الطائي

≥ المطار الجديد بوابة عُمان نحو مستقبل زاخر بالاستثمارات.. وتوقيت تشغيله فاصل زمني في مسيرة التطوير

≥ تزامن التشغيل مع إعلان العمل بخط أنابيب مسقط - صحار يعكس ملامح التفكير القائم على صناعة الفرص والتطلع للمستقبل بكل تفاؤل

≥ نعيش متتالية تنموية رغم كل التحديات.. ونجني ثمار سياسات الترشيد ونزهو بمسيرة وطن لم تتوقف يوما

≥ اكتمال البُنى الأساسية يضعنا في سباق أسرع مع الزمن لتخطي متلازمة "تحديد الهدف" إلى البدء بتنفيذ المشروعات العملاقة

≥ العالم يشهد تغيُّرا جذريًّا على الصعيد الاقتصادي.. وعلينا فهم قوانين "أولمبياد صناعة الاستثمار"

 

 

تُبرهن مسيرة النهضة الشاملة في بلادنا أنها لا تعرف المستحيل، وأنها قادرة على تخطي المعوقات، وأنها ترى في كل تحدٍ فرصة للانطلاق نحو مزيد من التقدم؛ فمن كان يُشكِّك في قدرتنا على إنجاز مشروعات عملاقة في ظل تحديات اقتصادية هائلة بالفعل، يقف اليوم مذهولا من حجم الإنجاز ومعدلات التنفيذ.. ففي أسبوع واحد فقط، أزيح الستار عن مشروعين عملاقين؛ الأول هو مطار مسقط الدولي الجديد، والثاني خط أنابيب مسقط - صحار ومحطة الجفنين، وبينهما حزمة من الأخبار والتقارير الإيجابية تبشرنا بمستقبل أكثر ازدهارا.

العنصر المشترك في هذين المشروعين أنهما ترجمة للطموح العُماني الذي بدأ قبل سنوات قليلة.. خطة طموحة وفق إستراتيجية بناءة تستهدف أن تكون بلادنا ضمن أفضل مطارات العالم، وأن يقفز عدد المسافرين عبر هذه البوابة العمانية الجديدة إلى ما يقارب 56 مليونا، رقم ضخم بكل تأكيد، لكنه لم يعد صعب المنال.. فحجم المنجز الحضاري في المطار الجديد لا يدع مجالا للشك بأننا قادرون على بلوغ هذا الهدف.

لذلك؛ كانت عمان بأكملها على موعد مع تاريخ جديد يسطره الأوفياء من أبناء هذا الوطن العزيز؛ ففي العشرين من مارس 2018؛ في الثالثة إلا ربع عصرًا بمطار مسقط "القديم"، وبعدها وتحديدا في الخامسة والنصف مساءً لكن هذه المرة في "المطار الجديد"، كانت ساعة الصفر التي شكَّلت فاصلًا زمنيًّا في مسيرةِ التحديثِ والتطوير الوطني، بهذا المشروع الإستراتيجي العِملاق، الذي جاء تشييده وتنفيذه وتشغيله في مرحلة اقتصادية لا تخفى ملامحها على الجميع، ليُمثل برهانًا آخر ليس فقط على عملية تشغيل ناجحة لمشروع سيضيف الكثير إلى رصيد التنمية العُمانية الجارية على قَدَم وساق، وإنما ليعبِّر عن إرادة حكومية حقيقية نحو بلورة الإستراتيجيات التنموية الموضوعة على أرض الواقع، مع الأخذ في الحسبان الاعتبارات الداعية لذلك، وترتيب الأولويات وفق الحاجة الماسة؛ لضمان تحقيق منفعة أكبر لاقتصادنا الوطني.

قصة الإرادة والعزيمة التي رأيتها على مَدْرجي الإقلاع والهبوط بالمطار الجديد، خلال رحلتي الأخيرة إلى مملكة البحرين الشقيقة، لم تبعثْ بداخلي اعتزازًا فحسب بما يُمثله هذا المنجز كتحفة معمارية وصرح حضاري بارز مزوَّد بعناصر إبداع وأصالة ومواكبة لأحدث التقنيات في مجال الطيران المدني، بل بما تأصَّل في النفس من أنَّ لبنةً جديدة تُضاف إلى صرحِ أهم الأصول القيِّمة في البنية الأساسية الحيوية لبلادنا، ومكوِّنا جديدا تتعزَّز به حركة المسافرين والبضائع والخدمات بين السلطنة وكافة وجهات العالم، وإسهاما لوجستيا واعدًا يرفد منظومة اقتصادنا الوطني بمحركات أكثر قوة، نحو فاعلية أكبر، وكفاءة أعظم، وتعزيز مردودات كل هذا على الناتج المحلي الإجمالي.

تأثيرات إيجابية مباشرة وغير مباشرة، إذن، ترتبط بجدوى إنشاء المطار اقتصاديًّا؛ سواءً ما ارتبط منها بحركة شراء السلع وخدمات الطيران، وإنفاق المسافرين على شركات الطيران وشركات الشحن التي تستخدم خدمات المطار، أو حتى الأنشطة المتعلقة بالفوائد المرتبطة مع الإدارات الحكومية والشركات الخاصة الموجودة داخل المبنى الجديد، والتي ترتبط ارتباطاً مباشراً بتوفير خدمات الطيران وخدمات المناولة الأرضية، والأبرز من ذلك حجم الفرص الوظيفية المختلفة التي أحدثها والمقرر أن يُحدثها تشغيل المطار الجديد. إضافة للتأثيرات غير المباشرة المتوقعة كتنامي الأنشطة الاستثمارية والتجارية الواعدة ليس في محيط المطار الجديد فحسب، وإنما باعتباره بوابة عُمان نحو مسقبل أكثر استثمارًا ونماءً.

وفي نفس اتجاه التأثيرات غير المباشرة أيضًا، فإنَّ الإنجاز المتحقَّق للمرحلة الأولى من المطار الجديد، وما طُرح بشأن المراحل الثلاث المتبقية، سواءً التوسعات، أو زيادة طاقة المطار لمناولة 56 مليون مسافر بتمام اكتمال المراحل، على إجمالي مساحة مُقدَّرة بـ610000 متر مربع، تضم 87 منضدة إنهاء الإجراءات، ومنصات الخدمة الذاتية، ومبنى شحن بطاقة استيعابية 260.000 طن سنويا، والفندق الملحق، كلها تدفع نحو القول بأنَّه وبناءً على كل هذا، فإنَّ تهيئة بيئة أكثر جاذبية للاستثمار ينبغي أن يظل الحديث الذي لا يعلوه حديث في الفترة الحالية ولا المستقبلية؛ وأن يتم تشكيل فريق عمل مشترك بين القطاعين الحكومي والخاص؛ بُغية القيام بدور رئيسي يتمثل في جذب الاستثمارات العالمية، وأن يُوكل للهيئة العامة للترويج وتنمية الصادرات مهام أكثر فيما يتعلق بجذب الاستثمارات وعقد الشراكات بين عُمان والعالم، حتى وإن تطلَّب ذلك التخلِّي عن جزئية من مهامها المتعلقة بتطوير الصادرات لوزارة التجارة والصناعة؛ حتى يتسنى لها التركيز بشكل أساسي على جذب الاستثمارات والترويج للفرص الاستثمارية التي تتمتع بها السلطنة. وأعيد التذكير بضرورة ما أكدته في أكثر من مناسبة من قبل، بضرورة أن تخرج صناديق التقاعد عن مهمة الاحتفاظ بالأموال، إلى التفاعل بإيجابية مع الدعوة للاستثمار، عِوَضًا عن تجميد أموالها في البنوك دون فائدة تذكر على الاقتصاد الوطني، وينطبق الأمر كذلك على البنوك التي تقدر ودائعها بما يقارب سقف العشرة مليارات ريال، فهي الأخرى مطالبة بتحريك هذه الودائع الضخمة في استثمارات تضخ المزيد من الدماء في شرايين اقتصادنا، تعزز قدرته على مجابهة التحديات الماثلة والمستقبلية.

وبحساب التوقيتات الزمنية مرة أخرى، فإن التشغيل الموفق للمطار الجديد عكس تحوُّلًا مميزًا في مسار التفكير الإستراتيجي القائم على تحويل الأزمات لفرص تتعزَّز بها قدراتنا التنافسية، ويعكس فهمًا جديدًا وتحركًا واسعًا لإنفاذ خطط التنويع الاقتصادي، بتطور فاعل يُسهم في زيادة الناتج الإجمالي، ويدفع عملية التقدم الحضاري والاجتماعي بمقومات قوية، خصوصًا إذا ما وُضع جنبا إلى جنب -كما أشرنا من قبل- مع خط أنابيب مسقط-صحار، ومحطة الجفنين بولاية السيب، باستثمارات 336 مليون دولار أمريكي، وقيمة محلية مضافة بلغت 149 مليونًا، فضلا عن ترقُّب تشغيل خط أنابيب مطار مسقط الجديد لتزويد الطائرات بالوقود، والممتد من منطقة ميناء الفحل وحتى نطاق المطار الجديد.

هذه المتتالية التنموية تُثلج الصدر وتمنح النفس طمأنينة ممزوجة بالفرحة لمواصلة السلطنة خطواتها الجادة والقوية على طريق التنمية الشاملة رغم كل التحديات، وتأكيدًا على أنَّ ما تمَّ اتخاذه من سياسات ترشيد خلال الفترة الماضية حقق نجاحاً كبيراً، وها نحن كمواطنين نجني ثمار دعمنا ومؤازرتنا لجهود حكومتنا الرشيدة، زهوًا بمسيرة نهضوية لم تتوقف يوماً، بل مستمرة بعزم وقوة.

وليس بعيدا عن هذه المنجزات الحضارية والاقتصادية، تبادرنا مؤسسة برتلسمان الألمانية، بإشادتها الأمينة على ما تتمتع به البلاد من حرية اقتصادية تحققت بفضل القوانين المشجعة على الاستثمار والتشريعات المستقطبة لرؤوس الأموال، وذلك في خط متوازٍ مع المشروعات التنموية التي تقود زخمها الحكومة، ويحرك عجلاتها القطاع الخاص بجدارة واقتدار، في مشهد وطني يعكس مستوى الشراكة بين القطاعين. ولعل الأبرز في هذا التقرير، تأكيدات هذه المؤسسة بأن السلطنة "نجحت في تحقيق مستوى كبير من النمو الاقتصادي في فترة قصيرة من الزمن"، وهذا هو جوهر تميزنا، وعنوان تقدمنا، الإنجاز بأعلى مستويات الجودة. كما أن حصول اقتصاد السلطنة على نسبة 63.9% بمؤشر الحرية الاقتصادية وتبوؤها المركز الرابع والخمسين في هذا المؤشر، دليل قاطع على أن الإجراءات التحفيزية التي اتخذتها الحكومة في عديد من المجالات، آتت أكلها، وحققت المستهدف، فأنى لنا لنحقق هذه الإنجازات لو لم يكن هناك نافذة استثمارية واحدة هي "استثمر بسهولة"، ووزراء ومسؤولون يسارعون الخطى من أجل جذب الاستثمارات، سواء في مسقط أو الدقم أو صحار أو أيٍ من نقاط الجذب الاستثماري المتنوعة في كل ربوع الوطن.

اليوم.. وباكتمال البُنى الأساسية الوطنية بتشغيل المطار الجديد، وتكاملية ذلك مع عديد المشروعات التنموية الواعدة، أصبحنا في سباق أسرع مع الزمن، لتخطي متلازمة المناداة بتحديد أهداف واضحة وموصوفة، إلى البدء فعليًّا في تنفيذ القديم، والإسراع في إنهاء ما استجد ويستجد من أفكار وخطط وإستراتيجيات، وأكرر أيضًا التأكيد على ما ناشدت به مرات قبل ذلك بضرورة استثمار مقومات الاستقرار السياسي، والعلاقات الدبلوماسية الإيجابية الهادئة والواضحة، والمسافات الواحدة مع الجميع، والموقع الإستراتيجي بالقرب من الأسواق العالمية، وتكامل البنى الأساسية، من أجل إضفاء جدوى اقتصادية أكبر للفرص الاستثمارية، وحفز خطط الترويج والتسويق لهذه المقدرات، وهذه الأخيرة مهمة جدًّا، إذ إن الكثير من المستثمرين -وعن لقاءات شخصية مع أغلبهم- مهتمون بالاستثمار في بلادنا في مختلف المجالات، ولكنّ عدم وصول رؤانا والتسهيلات المقدَّمة لهم استحوذت على أبرز العوامل التي تجعلهم زاهدين عن خوض تجربة الاستثمار لدينا، بعيدًا عمَّا سمعته من بعضهم من تجارب يرونها "غير مُشجعة" في الحصول على التراخيص الاستثمارية.

إنَّ العالم من حولنا يشهد تغيُّرا جذريًّا على الصعيد الاقتصادي؛ من حيث موقع القوى الأساسية، التي تقود الاقتصاد العالمي، مع تحول الثروة من الشمال والغرب إلى الجنوب والشرق، وما علينا سوى فهم هذه المتغيرات، من أجل أن نضمن دورًا فاعلاً حقيقيًّا في "أولمبياد صناعة الاستثمار العالمي"، وليس مجرد مشاركين فحسب. فما أحياه تشغيل مطار مسقط الدولي الجديد، وغيره من مشروعات تنموية واعدة، من آمال في تجدُّد الفرصة للحاق بركب العالمية والمنافسة، يرفع سقف الطموح في أنَّ تكون تلك المنجزات بمثابة إيذان بعبور عُمان عبر بوابات جديدة نحو آفاقٍ مُستقبلية أكثر رحابة، تترسَّخ فيها مفردة التنويع الاقتصادي، وتتوافر من خلالها الآلاف من فرص العمل، وتتهيأ بها بيئة استثمار أكثر جذباً، ومحاضن مشروعات تنموية بمستوى أعلى مستقبلا.. وهي طموحات تُعززها شواهد عدَّة على أرض الواقع.