محمد بن علي البادي
منذ اللحظة الأولى التي أشرق فيها نور القلم على الوجود، أدركت البشرية أنَّ قيام الأمم واستقامة بنيانها لا يتحققان إلا على أكتاف أرواحٍ نذرت أعمارها لاستيلاد الفجر من عتمة الجهل. إنَّ المُعلِّم في جوهره ليس مجرد عابر في ممرات الذاكرة أو ناقل لمعلومة جافة؛ بل هو المعمار الحقيقي للروح، والقبلة التي يتَّجه إليها الوعي حين يضل الطريق.
المُعلِّم هو اليد التي لا تكلّ وهي تطرز ثوب المستقبل بخيوط من حكمة ويقين، والقائد الذي يبحر بسفينة الأجيال وسط أمواج الحياة ليبلغ بها شواطئ الفضيلة بسلام. فحين نتحدث عن المُعلِّم، نحن لا نتحدث عن مهنة؛ بل عن الركن الركين الذي لا تكتمل أي رؤية وطنية بدونه، فهو الاستثمار الأغلى الذي يمنح الأوطان عمرها الحقيقي وقوتها المنيعة، غارسًا في القلوب حُب الأرض قبل أن يودع في العقول قوانين العلم.
لكن هذه الرسالة السامية، بكل ما تحمله من جلال، تضع المُعلِّم اليوم في مواجهة جبهات صامتة تستنزف طاقته وتبدد الكثير من جهوده في تفاصيل مرهقة. فهو يخوض غمار يومه مثقلًا بأعباء مهنية تجاوزت الحدود، ما بين كثافة الحصص واكتظاظ الفصول، وصولًا إلى سياسات تعليمية أحدثت فجوات متباينة في الأعمار والمستويات داخل الفصل الواحد، مما جعل تقديم تعليم متوازن ومبدع تحديًا شاقًا يختبر صبره كل حين. ولا تقف المعاناة عند أسوار المدرسة؛ بل تمتد لتطال مكانة المُعلِّم في وجدان المجتمع، تلك المكانة التي اهتزت بفعل تجاوزات غير منضبطة وتدخلات تسيء لهيبته، وتغفل عن الأثر النفسي العميق الذي يلحق بصانع الأجيال حين يشعر بالغربة داخل مؤسسته، أو حين يجد نفسه وحيدًا في مواجهة الأزمات دون دفاع حقيقي يصون كرامته.
إن إصلاح هذا الواقع يتجاوز مجرد الأمنيات ليصبح قرارًا استراتيجيًا للدولة لا يقبل التهاون، يبدأ من تحصين مكانة المُعلِّم وتوفير شبكة حماية قانونية واضحة تعيد لرسالته هيبتها المستحقة. إن تطوير المُعلِّم هو الوقود الحقيقي لتطوير الوطن، وهذا يستوجب فتح مسارات الدراسات العليا أمامه بلا قيود، ليبقى فكره متجددًا وعطاؤه متدفقًا. كما أن التكريم الحقيقي لا يكتمل إلا باستقرار مالي وعدالة في الحقوق، من خلال إعادة النظر في الرواتب لتتناسب مع عظم المسؤولية الملقاة على عاتقه، وإلغاء أي تمييز غير مبرر في العلاوات، وتخفيف قيود البيروقراطية التي تسرق وقته؛ ليتفرغ لمهمته الجوهرية في بناء الإنسان.
وفي ختام هذا الطرح، لا يسعنا إلا أن نحني هاماتنا إجلالًا وتقديرًا لكل من حمل مشكاة النور في أي أرض وتحت أي سماء. شكرًا لتلك الأيادي الطاهرة التي فاضت عطاءً بلا مقابل، ولمُعلِّمينا ومُعلِّماتنا في المدارس والجامعات الذين يصيغون عقولنا. وتحية خاصة لتلك الوجوه النيرة التي تحتضنها بيوت الله؛ مُعلِّمي ومُعلِّمات القرآن الكريم في المساجد، الذين يغرسون في أرواح الناشئة آيات الهدى وجمال الترتيل، ويربطون الأجيال بخالقها وبأخلاق دينها السمح. أنتم جميعًا سدنة الوعي وحراس الفضيلة، ومن كدّكم وصبركم تبنى الأمجاد، فدمتم للوطن منارًا لا ينطفئ، وللأجيال قدوةً يبقى أثرها خالدًا في الزمان.
