السبت, 22 سبتمبر 2018

مقال : علِّموا أولادكم الحب.. حتى يعرفوا طريقهم إلى السعادة

الإثنين 18 سبتمبر 2017 06:51 م بتوقيت مسقط

عزيزة الطائي

يؤكِّد التربويون دائمًا على حاجة الأطفال للحب؛ لأنها الوسيلة الوحيدة لشعورهم بالأمن والاستقرار، وحتى يجدوا ضالتهم إلى قبولهم في المجتمع؛ ذلك أن حرمانهم من لغة الحب وأبجدياته سيجعل نموهم ناقصًا، حتى وإنْ لم يظهر على المستوى الجسدي فإنه سيظهر على مستواهم النفسي والعقلي والأخلاقي في ما بعد.

ومن الجميل أنْ نُدرك أهمية إشعارهم بدفقات الحب لنعيد النظر في أساليب تربيتنا لهم على الحب: بكلمة، أو نظرة، أو لمسة، أو بسمة، أو قبلة. ولكن للأسف الشديد تشكل كلمة "حب" لدى الطفل في مُجتمعاتنا هاجسًا مخيفًا يبثه أقرب الناس إليه في مراحل سنيِّه الأولى. فهذه الكلمة "حُب" لا يمكن أنْ تنطق بها ألسنتهم، لأن ما يحيط بهم من ثقافة العيب والحرام، وما يرونه في وسائل الإعلام ترك وشمًا في أذهانهم، وألجم قيدًا بين ألسنتهم لنوع واحد من الحب، هو الذي يحدث بين رجل وامرأة. وهذا جُرم كبير نقترفه في حق أبنائنا، بل في حق المجتمع بأسره، نضيف إليه جرما آخر حين لا نعرِّفهم بأن هناك أنواعًا أخرى للحب مهمة ذات معانٍ جميلة، وأن عدم الإحساس بالحب يعني الكراهية، والكراهية تعني الحقد والغل والكيد والصراع والخصام والصدام، وذلك كله يقود إلى تفكك المجتمع بأسره، وهو ما لا ينبغي أنْ يتربى عليه الأطفال، بل إنَّ مسؤوليتنا تتعاظم لتعليمهم كيف يحاربونه؟!

وحتى يتمتَّع الأطفال كغيرهم بهذا الإحساس في الاتجاه الصحيح الذي يتلاءم مع مداركهم، ويلامس مشاعرهم، علينا أنْ نطرح هذه القضية على أنفسنا بشكل مغاير: ماذا يحبون؟ وكيف يحبون؟ بل كيف لنا أنْ نعلم أطفالنا الحب؟! وهذا سيقودهم حين ينضجون إلى الرحمة التي هي أعمق من الحب، بما تحمله من خصال تعزز عندهم قيم التسامح، والإيثار، وإنكار الذات، وتقبل المختلف، والاعتراف بالآخر، والتضحية، والاحترام، والعطف؛ وتغرس فيهم أن الشعور بالحب عفاف وكفاف، خير وطهر، حتى لو لم يتقبلوا بعض أقرانهم، كون هذه الخصال تدل على حسن التربية، وصلاح المجتمع.

أذكر في هذا السياق المسلسل الكرتوني المدبلج الذي كنا ونحن صغار ننتظره بشغف طفولي بريء، هو أقرب إلى التطلع صوب الحلم، صوب الحياة الطيبة المتحابة.. قصة القندس الصغير "سنان" الذي يعيش مع أبيه في قرية صغيرة، ويقضي يومه في الغابة المجاورة مع أصدقائه (بِنان ولالا) من خلال ست وعشرين مغامرة لهم تُبرز خصاله الجميلة التي أهَّلته ليكون صديق الجميع بحبه للخير، بوفائه لأصدقائه، بطبعه الكريم، بأمانته الخالصة، بصدقه الشفيف؛ هذه الخصال التي حولت الغابة إلى غابة خضراء جميلة بالحيوانات الصغيرة المتآلفة، تلك الكائنات التي تلاقتْ مع المرح والفرح والبهجة بالحب، حتى كادت أنشودتا المقدمة والنهاية أنْ ترسما أعمق الأثر، وبالغ التأثير لمستقبل أفضل، وأخذت هذه الشخصية مكانة مؤثرة مع الأقران لا تزال قيمها تسكن قلوبنا، وتعطر فكرنا.. عبر مضامين تلك القصص الهادفة بتسلسل تعليمي تربوي جميل داخل الغابة. يؤكد لنا سنان شعارًا معرفيًّا يعانق الإنسانية جمعاء: "جاهد أنْ تكون صديقًا للجميع بالحب والتسامح". ويبعث رسالة خُلقية "كنْ مؤثرًا وفاعلًا بحب الخير للجميع".

تبدو أغنية البداية منعطفًا جميلًا لإدراك مغامرات سنان لقيمة الصداقة وأهميتها، لتعزيز العلاقات الإيجابية وحاجتنا إليها.. وفيها ينشد له أصدقاؤه في الغابة، وخارجها:

"سنان يا سنان يا أحلى الأصدقاء في الغابة الخضراء

سنان يا سنان

شعارُك الوفاء يا خير الأصدقاء ها نحن بانتظارك

سنان يا سنان

سنان يا سنان يا نفحة النسيم بطبعك الكريم

سنان يا سنان

ورأيك الحكيم يا خير الأصدقاء ها نحن بانتظارك

سنان يا سنان

سنان يا سنان صديقنا الأمين في غابة الحلوين

سنان يا سنان

الكل سالمين يا خير الأصدقاء ها نحن بانتظارك

سنان يا سنان"

تتجلى في هذه البداية قيم تربوية روحية رائعة داخل الغابة الخضراء؛ بفضل تلك العلاقات الجميلة الإيجابية التي كوَّنها "سنان".. الأمن سرى بين ساحاتها، والسلام حل في أفقها؛ فعم الرخاء بما ينشده الحب بين الأقران المبني على الخير والتآلف والاحترام؛ وقادهم إلى الرحمة. ومن هنا، نكرر أن تسريب أنواع أخرى من الحب مهم جدًّا، وهو من صميم إيماننا بالله، وولائنا للوطن، وانفتاحنا على العالم، بل هو من أصول الشرائع والعبادات، وعلى رأسها حب الوالدين، وحب الأخوة والأخوات، وحب الصداقات، ثم حب الخير للناس، وحب الطبيعة في مناظرها، وحب الأخلاق بالاتصاف بها، وحب الاجتهاد لتحصيل العلم، هذا المبتدأ تدخل في طيه قصص وعبر، هي أشبه بمرشد تعليمي يسرب إلى أنفسنا قيمة عاطفة الحب، واحترام الأقران، والتنافس الشريف، والعطف على الصغير، ورحمة الضعيف.. خصال تعزز في المنتهى إرساء صلاح الأجيال، ومجتمع يعمه الرخاء.

تأتي أنشودة الخاتمة لتسرب عميق الأثر، وجليل الخُلق لحصيلة التحلي بخصال "سنان" بأسلوب محفز شائق للكبير قبل الصغير، وكأنها تقول للطفل احترم حتى لو لم تحب، فكلنا قادرون على الحب بحكم فطرتنا الإنسانية، وقليل منا القادر على الرحمة التي تحمل كل مواصفات قيم الحب بمعانيه وتجلياته المختلفة:

"ما أحلى أنْ نعيش في خير وسلام

ما أحلى أنْ نكون في حبٍّ ووئام

لا شر يؤذينا.. لا ظلم يؤذينا

والدنيا تبقى تبقى آمالًا للجميع

ما أحلى أنْ نكون في بيت واحد

ما أحلى أنْ نكون في وطن واحد

الحب للجميع.. والخير للجميع

والدنيا تبقى تبقى آمالًا للجميع"

بهذه الكلمات البسيطة، والجُمل السلسة، والدلالات الرمزية بمعانيها العميقة تنتثر الكلمات المحفزة، بإيقاعاتها المنبهة إلى وظيفة الإعلام الموجهة الهادف؛ باعتباره واجهة تربوية عصرية لها بالغ الأثر عند بناء شخصية الطفل وإعداده ليصبح راشدًا ناضجًا، وعضوًا إيجابيًّا في مجتمعه الكبير.. في تناغم جميل، يتكامل فيه أثر الإعلام الهادف مع (المؤسسة الأم/الأسرة، والمؤسسة الموازية لها/المدرسة)، ويتجلى دور الأسرة مع مهمة المدرسة في تعميق أهمية تنشئة هذا الكائن المجبول على الفطرة ورعايته اجتماعيًّا، ودعمه نفسيًّا؛ كي نعده لمستقبل واعد، فتنعكس خصاله على ممارساته اليومية. فإذا كان المنزل هو الحاضن لفطرته الأولى بما يسوده من حب وخير وتفاهم وتعاون واحترام، وإذا كانت المدرسة تكسبه الألفة والتكيف، والعمل المتواصل، والإنتاج المثمر، وتكسبه المعرفة، وتحفزه على الإبداع؛ فإن ما تحدثه البرامج الإعلامية المبرمجة لأجل مصلحته كمواطن صغير له حقوق وعليه واجبات بخطط مدروسة بما يتناسب وحاجاته بكل تفاصيلها لها أهمية فاعلة في تنمية اتجاهات إيجابية تؤهله بالاتصاف بصفات تصحبه حتى يكبر.

ونظرًا لتعدد الوسائل الإعلامية من برامج، وصحف، وأفلام، ومسلسلات، إضافة إلى سهولة وصولها بما تحمله من جذب وتأثير على نفوس شرائح المجتمع بمن فيهم الأطفال، فأثرها الكبير يكمن في التأثير على فكر الطفل ونفسيته، وإشباع عواطفه وغرائزه وهذا كله يساعد على دعم سلامته النفسية والوجدانية والتحرر من الخوف، والارتباك، والقلق، وعدم ثقته بنفسه والآخرين من حوله.

إنَّ حاجة الطفل إلى القبول من أقرانه، وتقدير مكانته، واكتساب المهارات اللازمة لنجاحه تحتاج إلى فلسفة وأفكار، ومفاهيم تنشدها التربية الحديثة؛ وهذا لن يتأتى إلا بإنتاج برامج إعلامية ملائمة لمستواه العقلي. وتحقيق أمانه النفسي بحاجة هو الآخر لنقلة تربوية شائقة لرغبة الطفل في الاستقلال، وتوسيع علاقاته خارج المنزل.

ولنا أنْ نطرح السؤال التالي: كيف نغرس الحب في نفوس الأطفال؟ وهو سؤال يترتب عليه جملة من الأسئلة؛ أهمها: ما أنواع الحب؟ وهل للحب لغة؟ وكيف أستخدم كل أبجدية من أبجدياته أثناء تعاملنا معهم؟ وما الحب الذي يحتاجونه في كل مرحلة من حياتهم؟! لنؤكِّد أن التربية على الحب طريقنا للإنسانية.