الجمعة, 24 نوفمبر 2017
21 °c

مقال : الفرق بين الحكاية الخرافية والحكاية الشعبية

الأربعاء 13 سبتمبر 2017 05:20 م بتوقيت مسقط

د. آسية البوعلي

في مقال سابق بعنوان "التراث الثقافي غير المادي.. الحكاية الخرافية نموذجًا" -نُشر بجريدة الرؤية في 10 سبتمبر 2017- عرضتُ فيه النسق البنيوي للحكاية الخرافية كما تناوله الدارسون عبر وحداتها الوظيفة، وبيَّنت أن بعض هذه الوحدات تكاد تكون ثابتة من حكاية خرافية لأخرى، كما أوضحت الدلالة الرمزية للعدد سبعة الذي يوجد في معظم الحكايات الخرافية. وفي هذا المقال، سأعرِّج على الفروق الأساسية بين الحكاية الخرافية والشعبية، كما سأحاول الإجابة عن سؤال: هل يمكن تحويل الحكاية الخرافية إلى حكاية شعبية؟

المجال لا يسمح برصد كافة الفروق بين الحكايتين: الخرافية والشعبية؛ لذا سأركِّز على أهم هذه الفروق، والذي يتمثل في أن بطل الحكاية الشعبية ليس بالضرورة أن ينحدر من أصل نبيل كما هي الحال مع الحكاية الخرافية؛ فقد يكون واحدًا من عامة الشعب، كما أن الحكاية الشعبية التي هي نمط من القص اللصيق بمشكلات الحياة اليومية، هذا النمط يشارك الحكاية الخرافية في توظيف العناصر السحرية، لكن الفارق يكمن في الهدف من هذا التوظيف؛ فبينما توظف الحكاية الخرافية العناصر السحرية بهدف إبراز طبيعة البطل، وإبراز قدراته الخارقة في الوصول إلى النهاية السعيدة، فإن الحكاية الشعبية -حين توظف العناصر السحرية- تفعل ذلك من أجل إبراز الهدف الذي تسعى إليه، وهذا الهدف غالبًا ما يكون الوصول بالبطل إلى معرفة أو حقيقة يجهلها، هذه الحقيقة هي التي يريد القاص توصيلها إلى مستمعه، لا لأن هذا الأخير لا يعرفها، ولكن من أجل إيقاظها في نفسه. ويظل القاص والمستمع على وعي تام بمغزى ورموز الحكاية الشعبية لأنها ترتبط بحقيقة واقعهما المعيش.

هناك دراسات كثيرة تناولت الفروق الدقيقة بين الحكاية الخرافية والشعبية، وخلصت إلى أنَّه رغم تقارب الحدود الفاصلة بينهما وتداخلها، فإنهما نوعان مختلفان من حكايات القصص الشعبي، وهذا الاختلاف يتجلى من طبيعة كل منهما وفي طبيعة البطل وتكوينه وطبيعة الشخصيات الأخرى وأدوارها، وكذا طبيعة الأحداث وكيفية ورودها، وأيضًا تعدد الوظائف وتنوع الأهداف في كلا النوعين (1).

معنى هذا أنَّ المتخصص والدارس لهذه الفروق الدقيقة باستطاعته أن يحول الحكاية الخرافية إلى حكاية شعبية، وأن يُوظف الأولى أو الثانية في منظومة إبداعية أخرى.

إنَّ الهدفَ من مقالي هذا ليس الإشارة فحسب إلى أنَّ هناك فروقا تفصل بين الحكاية الشعبية والخرافية، بل الانطلاق من التعريف الذي يرى أن الحكاية الشعبية هي قصة من نسج الخيال الشعبي حول حدث مهم، يستمتع الشعب بروايتها والاستماع إليها جيلاً بعد جيل عن طريق الرواية الشفهية. مما يرجح أخذ وقائعها مأخذ الصدق أو الحقيقة، وهو أمر لا ينسحب بالضرورة على الحكاية الخرافية. في حقيقة الأمر القول بـ"حدث مهم" يطرح سؤالا: هل بالإمكان إحالة حدث مهم أتى في سياق تاريخ شفهي إلى حكاية شعبية؟

من خلال قراءتي المتأنية لمجموعة كبيرة من القصص التي حُكيت شفهيًا، تُمثل حتى الآن مادة خاما بمعنى أنه لم يتم تصنيفها علميًّا بعد -أي لا نستطيع أن نطلق عليها مصطلح أساطير أو حكايات من منطلق أن المصطلحين لهما شروطهما الأكاديمية المعروفة- تبيَّن لي حين قراءة هذه المادة أن ما جُمع ينتمي إلى محافظة شمال الشرقية، وقبل أن أتخذ نموذجًا تطبيقيًّا من هذه المادة المحكية للإجابة عن سؤالين هما: هل بإمكاننا تحويل حدث مهم كثُر الحكي عنه إلى حكاية شعبية؟ وهل بإمكاننا استثمار الأخيرة -أي الحكاية الشعبية- في أي مشروع اقتصادي؟

إنَّ الإجابة عن السؤالين السابقين ستأتي في مقالات لاحقة، وكل ما أتمناه من القارئ أن يُمهلني وقتًا حتى تكون الإجابة وافية وواضحة.

أودُّ أن أنهِي مقالي هذا بتوضيح لا أوجِّهه إلى زميلتي بمجلس البحث العلمي د. عائشة الدرمكية، أو غيرها من زميلاتي وزملائي المنشغلين بالتراث والمشتغلين به؛ لأنَّ ما سأقوله يُعد تحصيلاً حاصلاً بالنسبة لهم، لكن بكل احترام وتواضع أوجِّهه إلى القارئ العادي، فأقول له: إنَّ جمع أي مادة شفهية تنتمي إلى التراث -سواء كانت أساطير، أو حكايات، أو أمثلة شعبية، أو أشعارا شعبية، أو أغاني شعبية، أو ألغاز، أو عادات وتقاليد...إلخ، يُعد -أي الجمع- عملية شاقة للغاية؛ إذ تنبثق منها تحديات كثيرة؛ منها ما يتعلق بمعرفة لهجات المكان، ومنها ما يتعلق ببُعد المسافات الجغرافية، ومنها ما يتعلق بصعوبات الوصول إلى الرواة، ومنها ما يتعلق بعمليات المقارنة بين الروايات المختلفة، سيما حين ينبثق من رواية شفهية واحدة أكثر من رواية، أو تنبع منها أجناس أدبية شعبية أخرى؛ مثل: الشعر الشعبي أو المثل واللغز، ومنها ما يتعلق بعدم توافر العدد الكافي من المنشغلين بالجمع...وغير ذلك من التحديات التي لا حَصْر لها؛ لذا أُشِيد بالمجهود الجبار الذي بُذل من قِبَل فريق البحث الذي قام بجمع المادة الشفهية التراثية التي تنتمي إلى محافظة شمال الشرقية. والذي ترأسه الباحث الرئيسي د.محمد بن ناصر المحروقي، ولولا ضِيق المساحة الكتابية لرصدتُ اسم كلِّ جامعٍ للمادة، وكل راوٍ حكاها، فكلُّ التقدير لهم جميعًا.

---------------------------------

1- للتعرف على المراجع المختلفة التي تناولت هذه الجوانب، راجع: "asyahalbualy.wordpress.com"، بحث بعنوان "القصص الشعبي العُماني: دراسة في الشكل والمحتوى لنموذجين الحكاية الخرافية والحكاية الشعبية".

* مستشار أوَّل للعلوم الثقافية بمجلس البحث العلمي