الثلاثاء, 18 سبتمبر 2018

مقال : العيد.. صناعة الفرح الناقصة

السبت 26 أغسطس 2017 08:38 م بتوقيت مسقط

 

مسعود الحمداني

 

هل عشتم العيد يوما؟!!.

بعد أيام سيأتي العيد محملا بالهدايا، ومترعا بالمظاهر الاستثنائية، وشارعا بابه للفرح، قد يدوم يوما أو يومين على الأكثر، ثم تغلق أبواب المنازل، وتعود المجالس كالقبور كما هي في بقيّة العام، ستقفل نوافذ زيارات الأرحام، وسيسود (الصمت الاجتماعي) الذي تغط فيه كثير من البيوت، سيخلع المعيدون ثيابهم الغالية، وبقيّة (الأكسسوارات) التي دفعوا لأجلها الغالي والثمين، وسيأكلون لحوم الذبائح المحلية التي تصبح أغلى من الذهب في هذه المناسبات، وستقوم القرى والأسر بمظاهر زفاف (لحم المشاكيك والشواء) وسط طقوس (تراثية)، ثم تعود الأمور إلى طبيعتها.

 

هل عشتم العيد يوما؟!!..

هل جرّبتم أن تصنعوا ألعابكم بأيديكم؟ أو أن تزوروا أرحامكم دون مناسبات؟ هل جرّبتم أن تعطوا لفقيرٍ بعضا مما أعطاكم الله؟ أو هل جرّبتم أن تصنعوا أفراحكم الطبيعية بأنفسكم؟ وهل احتفظتم بثيابكم الغالية لأجل العيد فقط؟ وهل فتحتم قلوبكم قبل مجالسكم لبعضكم البعض؟ وهل بقي شيء استثنائي من العام لا تفعلونه إلا في العيد فقط؟!!

أشك في كثير من ذلك.. فالألعاب الكهربائية والإلكترونية حلّت محل الألعاب المصنوعة يدويًا، فأصبح الأبناء أكثر انفتاحا مع الغرباء، وأقل تواصلا مع الأصدقاء، وأصبح الكثيرون لا يتذكرون أرحامهم إلا في الأعياد، وقد لا يتذكرونهم أبدا، وأصبحت الملابس تفصّل وتخاط طيلة العام بأيدٍ وافدة، ولا يعد هناك معنى بأن يطالب البعض بتفصيل ملابس جديدة للعيد..!!

وأضحت اللحوم والمطاعم و(البوفيهات) الضخمة حاضرة بمناسبة ودون مناسبة، وحتى الأكلات العمانية (الاستثنائية) أصبحت متوفرة في كل وقت، أمّا انقطاع زيارات الجيران فحدث ولا حرج حتى ليكاد الجار لا يعرف وجه جاره أو اسمه، وغاب عن مظاهر الفرح الطفوليّ تلك التلقائية والبساطة والعفوية، فمعظم احتفالات (العيّود) تنظمها جهات معنية وغير معنية من أجل تسجيل اسمها، أو حتى تحافظ عليها من الاندثار الكليّ، فأصبحت مظاهر الاحتفال والفرح مصطنعة ومتكلّفة وبعيدة عن روح الطفولة المحضة الخالصة.

ببساطة لم يعد هناك شيء خاص نملكه ونخبئه للعيد سوى المبالغة في الاحتفاء به.

 

هل عشتم العيد فعلا؟!!..

إن أنتم عشتم فرحة العيد في حدّها الأقصى ـ كما تعتقدون ـ وبهجة الإجازة، فإنّ هناك ملايين الأطفال المسلمين وأسرهم في العالم ـ إنْ بقيت لديهم أسر ـ لم يعرفوا طعمه لسنوات، لم يتذوقوا اللحم طوال العام، ولم يلبسوا ثيابا جديدة لسنوات، واستعاضوا عن الألعاب الكهربائية ببقايا الصواريخ والأسلحة التي ألقيت على منازلهم، تذكروا وأنتم تعيشون (العيد) أنكم تمارسون فرحا ناقصا، اقتطعت السياسة منه براءته، وعاثت فيه أيدي الطائفية والمذهبية والجهل والتجهيل حتى ضاعت ملامحه، ولم يبق فيه إلا بقايا تالفة من ذاكرة لم يمر عليها العيد يوما.

تذكروا كل ذلك.. ثم اسألوا أنفسكم..

هل عشتم العيد فعلا؟!

[email protected]