الحركة الكشفية في عُمان.. صناعة القيم وبناء المواطن الصالح

 

 

صالح الغافري

الحركة الكشفية والإرشادية في سلطنة عُمان ليست نشاطًا ثانويًا، بل هي مدرسة حياة تهدف إلى غرس القيم في نفوس الفتيان والفتيات، وإعدادهم ليكونوا مواطنين صالحين قادرين على خدمة وطنهم والمساهمة في نهضته. وقد أكد الكشاف الأعظم السلطان قابوس بن سعيد- رحمه الله- مكانة هذه الحركة حين قال: "نوجه تحية خاصة إلى الكشافة العُمانية لما تقوم به من دور بارز في خدمة المجتمع وتنشئة الشباب". هذه المقولة تختصر جوهر الحركة وتوضح أهميتها في بناء الإنسان العُماني المتوازن الذي يجمع بين العلم والقيم والمهارات العملية. 

ولكي تؤدي هذه الحركة رسالتها الكبرى، فإن نجاحها يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالقادة الذين يقودون الوحدات الكشفية والإرشادية. فالقائد هو حجر الأساس في هذه المنظومة؛ إذ يحمل على عاتقه مسؤولية غرس القيم وتوجيه الناشئة، ويوازن بين عمله الأساسي في المدرسة وبين الجهد الكبير الذي يبذله في النشاط الكشفي. ومن هنا تأتي الحاجة الملحة إلى تقدير هذا الجهد عبر صرف علاوة أو مكافأة إضافية للقادة في الوقت الحالي، باعتبارها خطوة أولية تمهد لتفريغهم الكامل وتأهيلهم بشكل أعمق في المستقبل، حتى يتفرغوا للإبداع وتطوير البرامج والأنشطة بروح قيادية ملهمة. 

كما إن تفعيل النشاط الكشفي والإرشادي في المدارس يتطلب وجود ميزانية مستقلة تُصرف تحت إشراف مدير المدرسة والقائد، لضمان استمرارية الأنشطة وتنظيمها بشكل فعال. هذه الميزانية ليست مجرد دعم مالي، بل هي استثمار في بناء الإنسان العُماني القادر على خدمة وطنه، فهي التي تتيح تنفيذ المخيمات والمعارض والبرامج التطوعية التي تعزز روح التعاون والانضباط وتفتح آفاقًا جديدة أمام الفتيان والفتيات. 

ومن الضروري أيضًا أن يصبح المنهاج الكشفي جزءًا من المناهج المدرسية الرسمية، أسوة ببقية المواد التربوية، لأنه ليس نشاطًا ثانويًا؛ بل منهج تربوي متكامل يساهم في صناعة جيل متوازن يجمع بين العلم والقيم والمهارات العملية. إدماج هذا المنهاج في التعليم الرسمي سيمنح الحركة الكشفية والإرشادية مكانتها المستحقة، ويجعلها ركيزة أساسية في بناء شخصية الطالب العُماني. 

إن أثر هذه الحركة على الفتيان والفتيات كبير وعميق؛ فهي تعزز الثقة بالنفس، وتمنحهم القدرة على اتخاذ القرار، وتفتح أمامهم فرصًا لتجربة القيادة والعمل الجماعي في سن مبكرة، وتغرس فيهم قيم المواطنة والانتماء للوطن. كما تكسبهم مهارات عملية مثل الإسعافات الأولية، حماية البيئة، تنظيم الوقت، وحل المشكلات بروح الفريق الواحد. أما المجتمع، فيستفيد من الأنشطة التطوعية التي يقدمها الكشافة والمرشدات في حملات التشجير وتنظيف الشواطئ ودعم الفئات المحتاجة والمشاركة في المبادرات البيئية والوطنية، وهو ما يعكس الدور الاجتماعي والوطني لهذه الحركة. 

وبذلك، فإن مستقبل الحركة الكشفية والإرشادية في سلطنة عُمان مرهون بالعمل الجاد على تأهيل القادة وتفريغهم، وتخصيص ميزانيات مدرسية مستقلة، وإدماج المنهاج الكشفي ضمن التعليم الرسمي. هذه الخطوات مجتمعة ستجعل من الحركة الكشفية والإرشادية مدرسة حياة حقيقية، تصنع الإنسان العُماني القادر على خدمة وطنه وسلطانه، وتساهم في نهضة عُمان وتقدمها، لتظل شعلة مضيئة وراية خفاقة تدعو إلى العمل الجاد والتغيير الإيجابي الذي يترجم مبادئها إلى واقع حي ينهض بالوطن ويصنع المستقبل.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z