الخميس, 20 سبتمبر 2018

مقال : تساؤلات على رصيف الميناء

الثلاثاء 01 أغسطس 2017 07:30 م بتوقيت مسقط

عمار الغزالي

على مدى سنوات، والعمانيون ينسجون خيوط الأمل لقفزة نوعية في الفكر السياحي، نقلة تولد داخل الحدود الجغرافية للسلطنة بفكر عماني خالص؛ ويشعل من ذاك الأمل العمل على تعديل سياسات وقوانين، وصياغة خطط وإستراتيجيات، واستيراد تجارب وأفكار وقولبتها عمليا لتدشين مشاريع سياحية عملاقه ذات جذب سياحي كبير، إلا أنه وبمجرد أن ينتهي الزخم الإعلامي المرافق لأحد تلك المستحدثات، تعود الأمور مرة أخرى إلى شرنقتها، وتخبت جذوة الأمل في النفوس؛ إيذانا بالعودة مجددا إلى المربع صفر.

وحتى لا أقع في التعميم غير العادل؛ أعرج على مقال سابق تحدثت فيه بالتفصيل عن دور المطور الحكومي في أي دولة تريد بناء قطاع سياحي قوي ومستدام، وفي هذا الصدد، تثير اتفاقية الشراكة الاستراتيجية التي وقعتها "عمران"، مؤخرا، مع إحدى شركات التطوير المعروفة في المنطقة لتطوير مشروع ميناء السلطان قابوس، العديد من التساؤلات؛ أولها: عن مدى نجاعة إسناد مشروع استراتيجي كهذا إلى شركة خاصة مهما كان حجمها وإمكانياتها؟! ألا يستطيع الذراع السياحي للحكومة أن يقوم بنفسه بهذا الدور، خصوصا وقد تم إنجاز العديد من المشاريع الرائدة في هذا المضمار؟! فبعد كل هذه السنوات من الاستثمار وتأهيل الكوادر؛ ألا نملك مطورا وطنيا قادرا على إنجاز هكذا مشروع، بالذات ونحن نتكلم عن مشروع شبه مضمون ذي مخاطر منخفضة وفي بؤرة سياحية عريقة في قلب مسقط، وما هو الدور الرئيسي لأي مطور حكومي: هل المبادرة بتطوير مشاريع عملاقة ذات جذب سياحي يعول عليها الكثير في المنظومة السياحية، أم الاكتفاء بمجرد دور الوسيط الذي يمثل حصة الحكومة في المشاريع دون أدنى قيمة مضافة.

دعونا نتفق على أن الأمر لا ينال من مبدأ الشراكات الثنائية العابرة للحدود، ولا يقلل من أهمية استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية، وإنما الأمر يتعلق بالخطى التي نتراجع بها إلى الوراء بعدما بدأنا نأمل في مطور وطني رئيسي يمكنه قيادة القاطرة، وإنجاز المشروع تلو المشروع، بالذات إذا تعلق الأمر بموقع بهذه الأهمية الإستراتيجية؛ كونه أشهر موانئ السلطنة على الإطلاق، وتاريخيا كان مركزا تجاريا بحريا منذ حوالي مائتي عام؛ مما يجعل للأمر خصوصية أكبر تحتم أن لا نعطي الجمل بما حمل لشركة خاصة واحدة تابعة للقطاع الخاص، وتخضع لمعايير الربح والخسارة مهما كان حجمها وإمكانياتها. فميزة أن يبقى المشروع بيد المطور الحكومي مع تقسيم المشروع لأجزاء صغيرة لمستثمري القطاع الخاص سيسهل ويسرع كثيرا تطوير المشروع ككل، وسيعطي المطور الرئيسي فرصة ثمينة تؤهله لتطوير واجهات بحرية في باقي محافظات السلطنة، كما أن المطور الحكومي ينظر بأبعاد أخرى تتعدى المردود المالي المباشر فقط؛ ففيما يبقى القطاع الخاص خاضعا للمعايير الربحية كأولوية المساهمين الأولى، ينظر المطور الحكومي للعوائد غير المباشرة والآثار طويلة المدى؛ ولنا في المدينة الزرقاء عبرة لمن يعتبر، فمبجرد أن طرأت مستجدات الأزمة المالية في 2008 اختفت كل الألوان عن هذا المشروع؛ الزرقاء منها وغير الزرقاء!!! وبغض النظر عن الأسباب والحيثيات، فإن المشروع قد وجه بلا شك ضربة قاسية لسمعة القطاع السياحي، وكذلك لسمعة الاستثمار الأجنبي في السلطنة بشكل عام.

وبالرغم من أن الشركة التي وقعت مع "عمران" رائدة ومعروفة في المنطقة في التطوير السياحي والسكني؛ حيث نفذت أكثر من 18500 وحدة سكنية، إلا أنني لم أقف - من خلال تصفح موقعهم الإلكتروني- على تطوير أي واجهه بحرية متكاملة كسابقة أعمال؛ فإذا كانت المسألة واقفة على تطوير فنادق ومطاعم، ألن تكون المسألة أسهل وأسرع وأقل خطورة إذا ظلت "عمران" مطورا رئيسيا مع تجزئة مكونات المشروع على مجموعة من شركات القطاع الخاص، ثم ومن أبجديات التفاوض: إذا أعطيت أي مستثمر أفضل ما عندك من المواقع؛ أليس من الطبيعي أن تعطيه موقعا آخر أقل إغراء من الأول، وتربط المشروعين كحزمة واحدة، على أنه وعلى أية حال أي محاولة للدراسة جدوى المشروع لن تستطيع أن تأتي بخلاصة واضحة!! فالصورة الكاملة لعقد التطوير غير واضحة للجمهور. ومن التساؤلات العالقة في الأذهان كذلك: آليات إسناد المشروع؛ إذ لم أستطع الوقوف على أي تفاصيل أو إعلان عن المنافسة سواء كانت المنافسة مفتوحة أو لشركات مؤهلة مسبقا، فكان من المتوقع أن أجد بعض التفاصيل على الموقع الإلكتروني لمجلس المناقصات؛ كونها الجهة المعنية بالإعلان عن المناقصات والمنافسات والمزايدات ذات العلاقة، أو على الأقل موقع شركة "عمران"!!!

.. كلها تساؤلات قد تحتمل أكثر من خيار صحيح؛ لكن التساؤل الأهم: هل اختياراتنا تنسجم والصورة الكلية للاقتصاد الوطني، ثم بعد ذلك: هل سيؤخذ المشروع بجدية تحترم فيها البرامج الزمانية والمالية؛ فتأخر المشاريع السياحية أصبح هاجسا مجتمعيا مؤرقا. أتمنى أن تكون هواجس غير صحيحة بالرغم مما يحكيه مشروع تطوير رأس الحد من بطء مقيت يصعب تبريره؛ لدرجة أن الكثيرين ظنوا أن المشروع سينتهي إلى ما انتهت إليه المدينة الزرقاء!!

[email protected]