الثلاثاء, 20 نوفمبر 2018

مقال : إطفاء نيران الحروب العربية المشتعلة واجب قومي

الثلاثاء 09 مايو 2017 08:30 م بتوقيت مسقط

 

 

عبيدلي العبيدلي

على نَحْوٍ مُتوقَّع، لم يُفَاجَأ به أحد، "أعلنت الأمم المتحدة أن المبعوث الدولي الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا سيستأنف المفاوضات السورية في جنيف يوم 16 من الشهر مايو الجاري. وجاء في بيان صدر عن مكتب المبعوث الدولي أن دي ميستورا يأمل أن يستطيع التركيز أكثر، خلال الجولة السادسة من المفاوضات السورية، على العمل مع الوفود حول الأجندة المتفق عليها بناء على نتائج لقاء (جنيف-4). وأضاف البيان بأن دي ميستورا يعول أيضا على التطبيق الكامل للاتفاقات التي تم التوصل إليها في العاصمة الكازاخستانية أستانا في 4 مايو". وتجدر الإشارة إلى أن "الجولة السابقة الخامسة من مفاوضات جنيف حول سوريا، كانت قد جرت في الفترة ما بين 23 و31 مارس، دون أن تسفر عن تقدم يذكر في تسوية الأزمة السورية".

في اختصار شديد يقترب من الاختزال لتوصيف الأزمة السورية، التي قاربت على خمس سنوات، هو مراوحة متذبذبة بين تراجع بطيء وتقدم أشد بطئا، يثير في الأفق مجموعة من علامات التحذير التي تنذر بتردي الأوضاع في سوريا ما لم يجر انتشالها من هذه الأزمة التي يمكن رصدها في المخاوف التالية:

1- أن تفرض الحالة السورية الجامدة نفسها على الأطراف كافة، بعمل ممنهج تخطط له تلك القوى الخارجية والداخلية التي لها مصلحة مباشرة وغير مباشرة في استمرار هذه الحالة على النحو التي هي عليه. محصلة ذلك قبول الأطراف جميعا، بمن فيهم المواطن السوري، لهذه الحالة كحقيقة أزلية غير قابلة للتغيير في المستقبل المنظور، وبالتالي فمن العبث محاولة إزاحتها من الخانة التي تحتلها. وهناك حالة عربية مماثلة، وجارة، لها هي الحالة اللبنانية التي تواصل حروبها، وليس حروبها الداخلية فحسب، طحن الكيان اللبناني لما يزيد على الأربعين عاما. حتى أصبح الجميع، وخاصة الجيل الذي ولد خلال الحرب، غير آبه لكل محاولات إخراجها من المغطس المدمر الذي تعيش في مياهه. ووصول الحالة السورية إلى ما آلت إليه الأحوال في ساحة شقيقتها اللبنانية أمر لم يعد بعيدا عن منال القوى التي لها مصلحة في استمرار هذه الحالة، وهذا من شأنه نشر ما يمكن أن نصفه بـ"فيروس" الجمود العربي المتناسل من مشروع يريد لهذه الأمة الانشغال في حروب داخلية متواصلة لفترات طويلة، بدلا من العمل على تنمية داخلية مستمرة.

2- أن تفرز هذه الحالة السورية، قوى اجتماعية خاصة بها، وهذا أمر طبيعي شاهدناه في اقتتالات داخلية أخرى غير عربية، ليست أفغانستان سوى واحدة منها. تعيش هذه الفئة الطفيلية على أموال تغذية الحروب وصب الزيت على نيرانها، كي تضمن استمرار اشتعالها. ما يخيف من تلك القوى، ليس كونها ضالعة في صفقات السلاح، وترويج المخدرات فحسب، ولكنها أيضا تطرح برامجها السياسية المناوئة لتلك التي تبحث عن حلول جادة من أجل وقف الاقتتال. ومن بين برامج تلك القوى طرح البرامج المتطرفة، وتشجيع الانشقاقات التنظيمية، والدعوة لتعزيز العلاقات مع القوى الخارجية، خاصة تلك التي لها مصلحة في استمرار تلك الحروب. ولا تتردد مثل تلك القوى الاجتماعية في نسج علاقات وتحالفات مع قوى أجنبية ضالعة في الصراع، تبدو مصالحها متناقضة، لكنها جميعا تلتقي على تغذية العناصر التي تضمن استمرار الصراع، وعدم وصول الفرقاء المتقاتلين إلى حلول جذرية، وبرنامج عمل وطني بناء.

3- أن تنتقل الحرب السورية من محيطها الوطني، أو حتى الإقليمي، إلى إطار أكثر اتساعا هو الدولي، ومن ثم تحولها إلى تصفية حسابات بين قوى دولية، وتحديدا الولايات المتحدة وروسيا. لمسنا ذلك خلال انفجار الأزمة الأوكرانية، وشاهدنا ذلك خلال انتخابات الرئاسة الأمريكية التي أوصلت دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. خطورة تدويل الصراع السوري الداخلي، بما في ذلك تدخل الأمم المتحدة، والتي هي الأخرى إحدى ساحات تجاذب القوى الدولية، هي إذابة العوامل المحلية في حوامض الصراعات الدولية. يقود ذلك إلى أن الحلول تأتي من عواصم تلك القوى الأجنبية، وتتحول القوى المحلية إلى دمى تحركها قرارات اجتماعات الغرف المغلقة التي تتخذ في عواصم تلك القوى، التي مهما بلغ صدق وحسن نواياها، لكنها دائما محكومة بمصالح ذاتية من النادر تطابقها مع المصالح الوطنية. ومرة أخرى تنتصب التجربة اللبنانية بكل بشاعتها أمام ناظرينا، مؤكدة أن التدويل لا يعني سوى المزيد من التعقيد، والابتعاد أكثر عن الحلول السليمة.

4- أن يساعد استمرار الحرب، واتساع نطاقها، وتدخل القوى الخارجية فيها، إلى توسيع شقة الخلافات بين الدول العربية التي باتت مشاركة، بشكل أو بآخر فيما يجري على الساحة السورية. ومن ثم يؤثر استمرار الحرب سلبا على مشروعات تعزيز الخلافات العربية-العربية؛ الأمر الذي من شأنه إضعاف العرب ككل. فتكون محصلة ذلك -شئنا أم أبينا- تقوية قوى معادية للعرب مثل العدو الصهيوني، وأخرى منافسة لهم، وتسهم في تأجيج الصراعات الداخلية العربية مثل إيران. ومحصلة ذلك المزيد من إنهاك البلدان العربية من أجل إضعافها عسكريا، وتدميرها من الداخل اجتماعيا، وتقويضها اقتصاديا، كي تتحول في نهاية الأمر، شئنا أم أبينا أيضًا، إلى مجرد رقم متلق، وليس عاملا فاعلا، في أي معادلة حل لأي من مشاكل منطقة الشرق الأوسط.

كل ذلك يفترض أن يعي العرب مسألة في غاية الأهمية والوضوح؛ وهي أنَّ استمرار الحالة السورية، وربما في حقيقة الأمر الحالة العربية، هو إجهاض ممنهج لأي مشروع عربي، بغض النظر عن انتصار وهمي يحققه هذا البلد أو ذاك في هذه الساحة او تلك. فجميع تلك الانتصارات الجزئية، مهما بلغ حجمها، هي في نهاية الأمر مناهضة، بل ومتضادة مع أي مشروع عربي بالمعنى الشامل والمتكامل لهذا المشروع.

وعليه.. يُصبح إطفاء نيران الحروب العربية المشتعلة، خاصة في سوريا، واجبا قوميا شاملا، قبل أن يكون مهمة وطنية ضيقة.