الأربعاء, 14 نوفمبر 2018

مقال : تأمُّلات في النظام الأساسي للدولة

الأربعاء 07 سبتمبر 2016 05:13 م بتوقيت مسقط

د. صالح المسكري

النظام الأساسي للدولة صدر بعد مرور 25 عاماً على قيام اللنهضة في عُمان، أو بمناسبة ذلك، وبعد وضوح بناء مؤسسات الدولة وسلطاتها العامة التنفيذية والقضائية والقانونية، وحسب ما جاء في مُقدِّمة مرسوم إصدار النظام 101/1996م ومرسوم تعديله 99/2011م، فإنَّ النظام يأتي تأكيداً للمبادئ التي وجَّهت سياسة الدولة في مختلف المجالات خلال الحقبة الماضية، وتصميما على مواصلة الجهد من أجل بناء مستقبل أفضل يتميّز بمزيد من المنجزات التي تعود بالخير على الوطن والمواطنين، وتعزيزاً للمكانة الدولية التي تحظى بها عُمان ودورها في إرساء دعائم السلام والأمن والعدالة والتعاون بين مختلف الدول والشعوب، هكذا جاءت المقدمة في النسخة الأولى من النظام الأساسي للدولة، أما في النسخة المعدلة من النظام فركزت المقدمة على تطوير مسيرة الشورى في البلاد، وأهمية مشاركة أفراد المجتمع في مسيرة التنمية، وتكررت كلمة مسيرة في أقل من ثلاثة أسطر والمدققون اللغويون يفهمون هذا التكرار ويذهبون به لمعان معينة مرتبطة بموضوع التعديل واللحظة التي تم فيها هذا التعديل، وهي عموماً ليست محل البحث في هذا المقال.

يُعدُّ تعديل النظام في مدة لا تتجاوز خمس عشرة سنة دليلاً على رغبة القيادة العُمانية في تطوير البناء القانوني والتشريعي للدولة واهتمامها بمواكبة واستيعاب التطورات السياسية والثقافية والاجتماعية في البلاد، وهذا في حد ذاته عمل جيد لأن الدساتير هي المرآة التي تعكس ثقافة الشعوب وأوضاعها الداخلية المنوط بها توضيح السلطات العامة واختصاصاتها وعلاقاتها ببعض، وتقرير ما للأفراد من حقوق وحريات عامة في مواجهة الدولة، وقد لامس تعديل العام 2011م هذا الجانب ومنح الهيئة البرلمانية المتمثلة في مجلس عُمان اختصاصات وصلاحيات تشريعية ومالية ورقابية لم تكن موجودة سابقاً، في خطوة مهمة نحو بناء دولة القانون والمؤسسات.

ويرى البعض أن هذا التعديل خطوة مبكرة قياساً بالمدد الزمنية التي يقاس بها تعديل الدساتير الجامدة أو المكتوبة في العالم؛ حيث يفترض بالدساتير أن تكون أكثر ثباتاً واستقراراً وديمومة من القوانين العادية أو الفرعية التي تكون بيد البرلمان والجهات التنفيذية الأخرى، وأن ثبات الدستور واستمراره عبر السنين يعكس مدى كفاءة سلطات ومؤسسات الدولة، ونجاح الأنظمة السياسية والسلطات الحاكمة، وأن هذه الدساتير توفر الضمانات الدستورية الكافية للمواطنين المتصلة بالحقوق والحريات العامة.

وشمل تعديل 2011م للنظام الأساسي خمس مواد؛ هي: 6، 42، 44، 56 و58، وصب المشرع جام جهده في المادة 58، حين استبدل الباب الخامس الخاص بمجلس عُمان الذي كان في النظام السابق عبارة عن مادة واحدة فقط، استبدله بباب جديد يحوي 44 مادة، أي أكثر من نصف مواد النظام الأساسي عامة والتي هي 82 مادة، وصدر التعديل بنفس الطريقة التي صدر بها النظام الأساسي دون المرور بالبرلمان، أو الإعلان عن مواد التعديل، أو معرفة أسماء الهيئة القانونية التي باشرت التعديل وأشرفت عليه.

وحيث إنَّ كفاءة الوثيقة الدستورية لا تُقاس بتفصيلاتها الكثيرة او بإيجازها؛ فالدستور اليوغسلافي مثلا به أكثر من خمسمائة مادة دستورية، في حين أن دستور الولايات المتحدة الأمريكية -وهي من أقوى الدول- فيه سبع مواد دستورية فقط، وهو أكثر دساتير العالم إيجازاً، وقد تعجَّل المشرع العُماني حين وضع 44 مادة لمجلس عُمان في صلب النظام الأساسي للدولة، خاصة وأن أغلب هذه المواد ذات طابع تنظيمي وإجرائي "34 مادة"، وهو تفصيل كان من الأفضل أن يكون محلّه القوانين المكملة أو المفسرة للنظام التي تُبيّن شروط الممارسة السياسية في البلاد والحقوق والواجبات وأعمال الهيئة البرلمانية، لا أن تكون في صلب النظام؛ لأن وجودها فيه يُجمِّدها ويجعل من تعديلها أمراً في غاية الصعوبة، ومعروف أن القاعدة الدستورية تحتاج إلى إجراءات خاصة تفوق تلك المقررة لتعديل القواعد القانونية العادية، ونخشى أن يتسبب هذا في قيود ومعوقات لتطوير مجلس عُمان في المستقبل.

النظام الأساسي للدولة باعتباره أول وثيقة دستورية في عُمان الحديثة هو نقلة تاريخية بلا شك نحو دولة القانون والمؤسسات في حدود احتياجات المرحلة الراهنة، وبالنظر إلى سياسة البناء التدريجي للدولة مرحلة مرحلة التي انتهجها القيادة العُمانية منذ قيامها، لا يمكن أن نقول بأنَّ صدور النظام الأساسي هو غاية الطموح ومنتهى الآمال في بناء الدولة القانونية في عُمان، إنما هو في تقديري مرحلة مهمة ومتقدمة لا تسمح بعدها بالتراجع والعودة إلى الوراء، وأن الطموح لن يقف عند حدود النظام الأساسي، بل سيتطور وينتقل إلى مشروع دستوري أكثر تقدماً كالدستور التعاقدي الذي يُعبِّر عن الإرادة المشتركة بين الحاكم والشعب، أو الانتقال للدستور الديمقراطي الذي يكون فيه الشعب هو المصدر الأول والوحيد لنشأة الدستور سواءً جاء بطريق اللجان التأسيسية أو بوسيلة الاستفتاء، ويتبع ذلك تغيير في شكل الدولة ونظام الحكم وهو أمر مدروك ومتروك للمستقبل بعد تقييم الحياة الديمقراطية والمشاركة السياسية في عُمان وقياس حاجات المجتمع ورغبته في الانتقال إلى فضاء ديمقراطي أكثر اتساعاً.

ولا نَنْسَى أنَّ عُمان هي من أقدم الديمُقراطيات في العالم ولها تجارب تاريخية ناجحة في المشاركة السياسية، وأنَّ أهل عُمان دخلوا الإسلام بطريق ديمقراطي شوري دون أن يطأ أرضهم خفٌّ ولا حافر، والتطور الدستوري عبر التاريخ هو وسيلة الشعوب للوصول إلى الحرية والعدل والمساواة، وهناك دول عربية عديدة بدأت خطواتها الدستورية بدساتير المنحة المسماة بالقوانين الأساسية، ثم انتقلت بعد ذلك إلى الأساليب الديمقراطية؛ منها على سبيل المثال: الأردن عام 1924م، ومصر عام 1833م، والعراق عام 1921م...وغيرها من الدول، وعموماً فإنَّ العبرة بقوة الوثيقة الدستورية ونفاذ شرعيتها، ومدى اعترافها للأفراد بالحقوق والحريات في مواجهة الدولة.

ويبقى أن نقول بأنَّ النظام الأساسي للدولة لا يُمكن أن يكون في أعلى مراتب القواعد القانونية ويلزم الجميع بالخضوع لأحكامه حُكَّاماً ومحكومين إلا إذا توفرت له الطرق والوسائل الكفيلة باحترامه من قبل الأفراد وكذا مؤسسات وهيئات الدولة، وفق مبدأ الشرعية الدستورية التي لا تتحقق إلا إذا كان النظام باعتباره القانون الأسمى هو المرجع الوحيد لتحديد مؤسسات الدولة واختصاصاتها واختصاصات القائمين على تمثيلها المعبرين عن إرادتها.

وتقاس الشرعية وكفالة احترام القاعدة الدستورية بمدى مطابقة القاعدة القانونية العادية أو الفرعية أو مخالفتها للنظام الأساسي أو ما يطلق عليه بالرقابة على دستورية القوانين، وقد بينت المادتان 70 و79 من النظام أهمية تخصيص جهة قضائية للفصل في المنازعات المتعلقة بتطابق القوانين واللوائح مع النظام الأساسي للدولة، ووجوب تطابق القوانين والإجراءات التي لها قوة القانون مع النظام الاساسي، ولكن على الرغم من صدور قانون السلطة القضائية منذ أكثر من 17 سنة، وتحديد الهيئة القضائة المعنية بالرقابة على الدستورية وتنازع الاختصاص في المادة العاشرة من القانون المذكور، إلا أنَّ الرقابة على الدستورية لم ترَ النور عمليًّا حتى اليوم، وهذه مخالفة صريحة للنظام الأساسي ولقانون السلطة القضائية.

وللأمانة.. نقول إنَّ القيادة في عُمان وضعتْ كافة الأسس والقواعد العامة لمختلف السلطات والمؤسسات الرسمية في البلاد، إلا أنَّ القائمين على تفعيل هذه الأسس والقواعد من المسؤولين يبالغون في التزام الحذر، وتنقصهم الجرأة في ممارسة وتطوير الصلاحيات الممنوحة لمؤسساتهم خوفاً من لومة لائم، ويعطلون بتراخيهم وعدم إقدامهم تقدُّم البلاد وتطورها في مختلف المجالات التنفيذية والقضائية والتشريعية.

[email protected]