الأربعاء, 19 سبتمبر 2018

خبر : "منتدى الرؤية الاقتصادي" يبرز أهمية وضع آليات لتطبيق اقتصاد المعرفة وإيجاد سياسات مستدامة لتنمية الابتكارات وخلق بيئة محفزة على الإبداع منذ الصغر

الأربعاء 11 مايو 2016 01:06 ص بتوقيت مسقط

المشاركون في ورشة العمل المصاحبة للحدث يؤكدون أنّ التحول نحو "الابتكار المفتوح" يستلزم قيادة مؤسساتية للقطاعات المختلفة

المشاركون: اقتصاد المعرفة يُعزز طرح المجتمع لخدمات ذات قيمة مضافة

عسقلان: "الابتكار المفتوح" مرتكز رئيسي في نمو المجتمعات المتحضرة

البلوشي: السلطنة تزخر بالمُبدعين والمبتكرين.. وحرية البحث العلمي تكفل لهم القدرة على التَّميز

الحريبي: اقتصاد المعرفة يؤسس لنموذج قائم على الأفكار بدلاً من المنتجات التقليدية

الحارثية: السلطنة تضم العديد من المبتكرين.. والتحدي الأبرز في تأسيس بيئة محفزة

العوفي: نشر ثقافة الإبداع والابتكار تبدأ في سن مُبكرة لضمان ترسيخ المعرفة

الهنائي: مظاهر الابتكار متعددة في المجتمع.. وحاجة أصيلة لتنظيمها وتوجيهها على النحو الأمثل

الرؤية - ناصر العبري

استعرضت الدورة الخامسة من مُنتدى الرؤية الاقتصادي قضايا "الابتكار العلمي واقتصاد المعرفة.. خطوة نحو الاستدامة"، وذلك خلال ورشة عمل مُصاحبة لفعاليات الحدث الاقتصادي البارز.

وتضمنت الورشة ورقتي عمل، وقدَّمت حنان بنت عبد القادر عسقلان المدير التنفيذي لشركة الديين للاستشارات الإدارية والتكنولوجيا ورقة عمل حول "التنويع الاقتصادي عبر الابتكار المفتوح في النظام البيئي"، أشارت فيها إلى ضرورة التحول من كوننا مستهلكين للتكنولوجيا إلى مبدعين وخبراء في المعارف المبتكرة. وقالت إنّ الأمم المختلفة تجري عمليات تحول نحو استيعاب المعرفة وتبنيها وتقاسم نتائجها، ومن ثم ابتكار معارف جديدة. وأضافت أنّ السلطنة حددت في "رؤية عمان 2020" القطاعات المستهدفة لتحقيق التنوع الاقتصادي، ولبلوغ هذه الغايات يتعين علينا الاستثمار في الابتكار بهدف تحقيق استدامة هذه القطاعات وفق آليات تضمن تكلفة أقل.

وتساءت عسقلان عن مفهوم "الابتكار المفتوح" وماذا يقصد به، موضحة أنّه يعني "طريقة تفكير الدولة أو المنظمات في كيفية الاستخدام الهادف لمخرجات ومدخلات المعرفة لتسريع وتيرة الابتكار الداخلي، علاوة على توسيع نطاق الأسواق لتحقيق الاستخدام الخارجي للابتكار". وأبرزت أن هذا المفهوم يتيح إمكانية الولوج إلى الأسواق المتطورة تكنولوجيا، كما يسمح للشركات بعقد صفقات تكنولوجية ونشر المعرفة بغية تطوير صناعات وأسواق جديدة. ولفتت عسقلان إلى أنّ منصات الابتكار والتقنيات المتحولة تتضمن مختبرات البحث العلمي والمؤسسات الأكاديمية، والشركات الرائدة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة ومجالس المناقصات، والمشاريع والصناعة، والمناطق والمشاريع الحضارية واستخدام التقنيات الذكية.

التنويع والاستثمار

وأعقب ذلك ورقة عمل قدمها الدكتور يوسف بن عبد الله البلوشي مدير مكتب نقل العلوم والمعارف والتكنولوجيا بوزارة الخارجية، وحملت عنوان "الابتكار.. مفتاح التنويع وتحفيز الاستثمار". واستهل البلوشي ورقة العمل بالقول: "يسرني أن أكون معكم في المنتدى الاقتصادي الذي تنظمه مؤسسة الرؤية، في حدث يجمع في داخله أنشطة وأفكارا متعددة، علاوة على تركيزه على مناقشة قضايا النمو الاقتصادي والتنمية وغيرها من التحديات الكبيرة". وأضاف البلوشي أنّ من القضايا الساخنة في الوقت الحالي مسألة الابتكار، والتي تقفز إلى سطح المناقشات بين الحين والآخر، وهو ما يعكس حرص المجتمع ووعيه بأهمية هذه المسألة. وأوضح البلوشي أنّ موضوع الابتكار يحمل العديد من النقاط المهمة، وقد تطرق إليه الكثير من السياسات أو الفلسفات الاقتصادية، إذ تسعى الدول في الوقت الحالي إلى مزيد من الاعتماد على الابتكار في قطاعات الصناعة والتجارة والزراعة والخدمات، والتحول إلى اقتصاد أكثر ديمومة وأكثر استقلالية وأكثر إنتاجية وأكثر نموا.

وتابع البلوشي أن الابتكار يتعدى موضوع الاقتصاد الذي هو محور هذا المنتدى، إذ إنّ هناك الكثير من الأفكار والمفاهيم المطروحة في موضوع الابتكار تبرز أهمية الابتكار على المستوى الفردي أو على مستوى المؤسسات وكذلك على مستوى الدول والمجتمعات. وأشار إلى أنّ المُشاركين في هذه الجلسة النقاشية يدركون ولو اليسير حول المفاهيم الأساسية للابتكار. وأوضح أنّ الابتكار ينبع من الأفكار الخلاقة والإبداعية، ومن أهم وأشهر هذه الأفكار أن تجري بحثاً علميًا ومن ثم تتحول نتائج هذا البحث العلمي إلى أسس، وكذلك في مرحلة لاحقة تسفر عن نتائج مُحدَّدة، لكن من المؤسف أنّ الكثير من المؤسسات لا تلقي بالاً لهذه النتائج، فيما يهتم بها آخرون ويعملون على تطويرها وتحويلها إلى ما يسمى عمليات الابتكار، والتي تفرز عائدات إيجابية في نهاية المطاف. وذكر البلوشي أنّ عائدات الابتكار بلغت في بعض الدول 62 مليون دولار في عام واحد، مشيرًا إلى أنّ أيّ اقتصاد يقوم على هذا النوع من الابتكار يحقق الاستدامة المرجوة منه، ويحرك كامل العمليات في الدولة؛ لاسميا المدارس ومراكز البحث العلمي. ولفت إلى أنّ الابتكار في السابق لم يكن يتجاوز الحيز الذي يتخلف فيه، مثل المختبرات ومعامل البحث العلمي، لكن في الوقت الحالي وعلى مستويات وطنية وبفضل التسارع الحاصل في مُعدلات التعليم والتَّعلم وتقدم البحث العلمي، بات الابتكار أكثر شيوعًا وانتشارًا، ويستطيع المبتكر أن يتعاون مع مؤسسات أخرى ومع المختصين، وهنا في السلطنة فإنّ أيّ مُبتكر قادر على التعاون مع مُختلف المؤسسات البحثية، منها جامعة السُّلطان قابوس وغيرها.

وشدَّد البلوشي على أنّ السلطنة في أمس الحاجة إلى الابتكار المفتوح؛ إذ إنِّها تمتلك المقومات الكافية بدخول هذه المجال، سواء من حيث الأفكار أو بيئة البحث العلمي المتوافرة. وأوضح أنّه على مستوى الابتكار المُغلق كانت الدول تعتمد على مصادر محلية في البحث العلمي أو الجامعات، لكن الابتكار المفتوح يتم العمل فيه على مستوى الأفراد والأفكار.

جلسة حوارية

بعد ذلك، أدار بدر الحبسي جلسة حوارية تضمنت عدة محاور؛ أهمها كيفية خلق ثقافة الإبداع بشكل عام في المجتمع، سواء لدى الطالب أو الموظف في سوق العمل، أو المواطن في الحياة العامة، إلى جانب الإشارة إلى تحديات بيئة الابتكار وكيفية خلق بيئة محفزة للابتكار والإبداع. وأشار الحبسي إلى أنّ الاقتصاد والمعرفة والابتكار كُلهم بمثابة محفزات لمواصلة الإنجاز.

ومن جانبه، قال الدكتور يوسف بن عبد الله البلوشي إنّ السلطنة تزخر بالمبتكرين والمبدعين، مشيراً إلى أنّه عمِل في جامعة السلطان قابوس مع العديد من المُبدعين عن طريق دائرة النشاط الثقافي، وبعد بحوث وممارسات تبين للجميع أنّ المبدع من الأفضل أن يعمل بمفرده، حيث إنّ العمل البحثي المؤسسي تختلط به البيروقراطية من لجان وفرق عمل وتنظيمات، لا تؤدي إلى تسهيل عمل المُبتكر، الذي يُريد أن ينطلق بخياله دون حدود. وأضاف البلوشي أنّ هناك الكثير من الدول تعمل على زيادة ثقافة الإبداع والابتكار في مؤسساتها، لكن المُبدع على المستوى الفردي فإنه يسعى للعمل بحرية. وبيَّن البلوشي أنه إذا ما أرادت المؤسسات والدول الاستفادة من المبتكر فعليها ألا تحاول إدارته والتحكم فيه، إذ التحكم في المبدع من الاخطاء التي وقع فيها الكثير من الدول، حيث إنّه يتميز بسمات شخصية مُختلفة عن طبيعة عمل المؤسسات، ويرفضون تحديد وتقييد قدراتهم.

اقتصاد المعرفة

وانتقلت الجلسة الحوارية بعد ذلك إلى الحديث عن اقتصاد المعرقة، وقال خالد بن الصافي الحريبي نائب رئيس الهيئة العامة للتنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة "ريادة" إنّه قبل المشاركة في هذه الجلسة ضمن أعمال المنتدى، سعى إلى البحث عن معنى مُناسب لاقتصاد المعرفة يخدم الأداء العام للدولة، لكنه عثر على العديد من المفاهيم والمصطلحات، كل منها تتحدث عن اقتصاد المعرفة. وأوضح أنّه لم يجد أيّ من هذه التعريفات يخدمنا في كيفية فهم اقتصاد المعرفة، إذ إنّ الكثير من التعريفات القائمة التي يفترض بالدول أن تتبناها، هي تعريفات وضعها أكاديميون أحيانًا كان ينقصهم الكثير للتواجد في ميدان البحث العلمي، لكنه أشار إلى أنّه استخلص التعريف الخاص باقتصاد المعرفة الذي يخدم التنمية والتطوير في سلطنة عُمان، وهو الاقتصاد المبني على الأفكار بدلاً من الاقتصاد القائم على المُنتجات التقليدية.

وتساءل الحريبي عما إذا كانت السلطنة تمتلك الأفكار التي يمكن أن تحقق قيمة مضافة للمنتجات والخدمات، وما إذا كان لدى المجتمع المحلي الأفكار التي إذا أضيفت للخدمات والمنتجات تحقق لها القيمة المضافة. وقال الحريبي: "هناك الكثير من الدول لا تستطيع تبني اقتصاد المعرفة، لذا يتعين علينا أن نغرس في نفوس الشباب والنشء الفكرة الأساسية حول هذا النوع من الاقتصاد، حتى يتسنى للأجيال المقبلة أن تنشأ على منظومة معرفة حقيقية، تفرز العديد من الخدمات والمنتجات ذات القيمة المضافة، ويمكن لأيّ فرد أن يتميز في تقديمها، ويضيف إليها قيمة حقيقية". وتابع الحريبي أنّه في حالة تبني الدولة لنظام يستند في أساسه على اقتصاد المعرفة، فلن تتمكن أي دولة أخرى من المنافسة إلا في إطار هذا النظام. ويرى الحريبي أنّه يمكن للسلطنة أن تعزز اتجاهها نحو المزيد من الأنشطة الاقتصادية المبنية على اقتصاد المعرفة من خلال ثلاثة محاور رئيسية؛ المحور الأول عبر الإستراتيجية الوطنية، مشيرًا إلى مدى أهمية الغاية النهائية من هذه الإستراتيجية، وأن يكون الهدف الأساسي هو وصول عمان في مجال الابتكار إلى تحقيق أعلى الفوائد الممكنة، لاسيما مع تحديد الفترة الزمنية التي يمكن أن تستغرقها لتنفيذ الإستراتيجية، علاوة على تحديد طبيعة المعارف والابتكارات التي سترتكز عليها مثل هذه الاستراتيجية لبلوغ أهدافها وغاياتها، بجانب نقطة أخرى بالغة الأهمية تتمثل في كيفية توزيع الأنشطة الاقتصادية بين جميع محافظات السلطنة بما يضمن أن تكون هذه التنمية مستدامة ومُنتشرة في أنحاء السلطنة.

تجاهل الحلول الواضحة

وزاد الحريبي قائلاً: "شاركت مؤخرًا في مؤتمر بالأردن وكنت متحمسًا لمناقشة قضية الابتكار، ومن بين المشاركين في هذا المؤتمر إحدى المؤسسات الأردنية التي أكدت أن مشكلة العالم العربي أنّه قرر التخلي عن الحلول الواضحة أمام عينيه، والتحول إلى ضخ خريجين في الأسواق بمختلف التخصصات، دون الاستفادة منهم في تعزيز عائدات الثروات الطبيعية الموجودة داخل المجتمع". وتابع أن هذه المؤسسة وضعت دراسة علمية للسلطنة للبحث في مدى توافر اقتصاد المعرفة خارج محافظة مسقط، وكانت النتيجة أنّه لا يوجد أي أساس لاقتصاد المعرفة خارج العاصمة، أو حتى محاولة لتنبي نموذج، يعمل على تعزيز المنتجات المبنية على الثروات الطبيعية الموجودة في المحافظات، مثل الأفلاج والنخيل والتمور والجبال والاقتصاد الأزرق. وبين أنّ تلك الدراسة قالت إنّها لم تعثر على جهود واضحة لتعزيز منتجات اقتصاد المعرفة في هذا المجال، وقالوا إنّ الابتكار والتقدم الاقتصادي ما لم يصاحبهما توزيع عادل للأنشطة الاقتصادية في المحافظات لا يمكن أن يحقق النتائج المرجوة. ولفت الحريبي إلى أهمية التحول من الابتكار المغلق إلى الابتكار المفتوح، مضيفًا أن مؤسسة "ريادة" مسؤولة عن إيجاد حاضنات جاذبة لرجال الأعمال والمؤسسات الصغيرة في السلطنة، وتدريب هذه المؤسسات وتوجيهها.

وبين الحريبي أنّ التجربة الحالية في السلطنة تؤكد أن أسلوب الجهات الحكومية في الابتكار لا يزال مغلقاً، بينما التوجه العالمي يسير نحو الابتكار المفتوح، مشيراً إلى أن طبيعة المؤسسات الحكومية أنها مغلقة وكل مؤسسة لديها القانون المستندة عليه، بجانب اللوائح الخاصة. وأبرز أن التحول من الابتكار المغلق إلى الابتكار المفتوح يتطلب وقتاً، ويستلزم وجود قيادة مؤسساتية، لأنها تحول المؤسسات من التفكير المغلق داخل المؤسسة إلى التفكير المفتوح الذي يسمح لهيئة مثل "ريادة" أن تشارك في صنع الإستراتيجيات المتعلقة بالابتكار مع المؤسسات الأخرى.

تحديات المعرفة

وأشار الحريبي إلى أن هناك العديد من التحديات التي تواجه آليات تطبيق اقتصاد المعرفة والابتكار المفتوح، منها على سبيل المثال وجود العديد من اللجان المشتركة، والتي لا تعني بالضرورة وجود عقول منفتحة ومشتركة. وأضاف أن التحدي الآخر في اقتصاد المعرفة، يتمثل في غياب خطة عمل واضحة للارتقاء بالمبدعين، وقال إنّه من الضروري وضع خطة عمل واضحة المعالم تتيح للمبتكرين والمبدعين والموهوبين أربع فرص، الفرصة الأولى تتمثل في منحهم الحق في طرح أفكار جديدة. وتساءل الحريبي حول ما إذا كانت جامعاتنا ومدارسنا تعتمد أسلوب التلقين في تعليم أبنائنا وبناتنا، بدلا من أسلوب الابتكار، مشيرًا إلى أن اعتماد أسلوب الابتكار في التعليم يمثل الخطوة الأولى نحو إيجاد جيل قادر على التماشي مع نموذج المعرفة الجديد ومطلع كذلك على آليات الابتكار، في حين تتمثل الخطوة الثانية في مدى قدرة المؤسسات المتعددة في المجتمع على تمويل الموهوبين والمبتكرين، مشيرًا إلى أنّه على الرغم من وجود البنوك والمؤسسات التمويلية التقليدية إلا أنّه لا يزال هناك غياب لرأس المال المبادر، وهو ما يستدعي الحاجة إلى التفكير في آلية استثمار تهدف في الأساس إلى تمويل المبتكرين والموهوبين.

وبين الحريبي أنّ الخطوة الثالثة المطلوبة تتضح في ضرورة توفير أو إتاحة المجال لمزيد من التوسعات، فعندما يكون لدينا مبتكر أو مبدع وقد طرح الأفكار وحصل على التمويل غير التقليدي، فهل يعني ذلك أننا منحناه الفرصة للتوسع في أكثر من مجال، مثل أن يتوسع داخل السلطنة عن طريق العقود والمناقصات والمشتريات، وهل المجال يستقبل أكثر المبتكرين والموهوبين، أم أن النظام يخدم الفرص الاقتصادية القائمة على المؤسسات الحالية والمؤسسات الكبيرة.

أما العنصر الأخير في اقتصاد المعرفة، فيوضح الحريبي أنّه حتى الآن لم يتم فتح المجال أمام الموهوبين، كما أننا لم نقدم التشجيع الكافي لهم، لاسيما وأن اختراعاتهم وأفكارهم لا تقتصر على أسواق السلطنة وحسب.

إلى ذلك، توجه بدر الحبسي مدير الجلسة بسؤال إلى الدكتورة شريفة بنت حمود بن محمد الحارثية اختصاصي أول تخطيط دراسات ومديرة مشروع الإستراتيجية الوطنية للابتكار، حول كيفية تبني هذه الأفكار وتطويرها، وكذلك ما وصل إليه الإنسان العماني الحاضر بأهمية الفكر الإبداعي والابتكاري، وإلى أي مدى وصلنا إليه. وجاء الرد من الدكتورة شريفة الحارثية بتوجيه الشكر في البداية إلى منظمي منتدى الرؤية وهذه الجلسة الحوارية، مشيرة إلى أنها تؤمن أن الابتكار يمثل أهم العوامل التي سوف تقود السلطنة نحو مرحلة جديدة من النمو والتنمية، لكنها أشارت في الوقت ذاته إلى أن الجميع يدرك أن واحداً من أهم التحديات التي تواجه المجتمع العماني غياب الحوار والنقاش في كثير من القضايا.

وأشارت الحارثية إلى مسألة العودة إلى الأصول، موضحة أنّه بالنظر إلى طريقة عيش الإنسان العماني قبل النفط يتبين أنّه انتهج ريادة الأعمال طوال الفترات الماضية، مستشهدة في ذلك بالعديد من المقومات والشواهد، مثل الأفلاج وصناعة الفخار وصناعة السفن.

الإنسان العماني الرائد

وتابعت الحارثية القول: "لو رجعنا إلى ذاتنا لوجدنا الإنسان العماني المبتكر، ونحن اليوم في مجلس البحث العلمي أو في جميع مؤسساتنا لا نخلق مبتكرين لأن المبتكرين موجودين بيننا، لكن فقط نحتاج إلى تأسيس البيئة المحفزة للمبتكرين حتى يستطيعوا تنمية هذه الابتكارات". وأوضحت أنّ العمل الجماعي لا مناص منه، فـ"اليد الواحدة لا تصفق"، مشيرة إلى أنّ مجلس البحث العلمي يقدم كافة الخدمات التي تساعد على الابتكار، لكنه ليس المسؤول الوحيد أو أنه يمتلك "عصا سحرية"، لذلك فإنّ انتقال السلطنة بكاملها إلى عصر "النهضة الابتكارية" لن يتحقق إلا بتضافر جهود الجميع. وشددت الحارثية على حقيقة أنّ البحث العلمي لا تظهر ثماره في وقت يسير، وإنما يستغرق الأمر سنوات للحصول على بشريات أو نتائج أولية، لكنها أكدت أن مجلس البحث العلمي وحتى الآن يعمل بكل جهده حتى يكون شريكًا حقيقيًا في التنمية القائمة على المعرفة والابتكار. وبينت أنه يتعين على الجميع أن يدرك أن البحث والتطوير والابتكار أمور تحتاج إلى سنوات حتى نتحدث عن نتائجها، فقد يمتد ذلك إلى 15 عاما، حتى نرى بشائر الاستثمار في البحث العلمي والتطوير، وبعض البحوث تستغرق حتى 25 سنة، للوصول إلى نتيجة حقيقية معبرة يمكن عرضها دون شك في إمكانية تحقيقها.

غير أنّ الحارثية سلطت الضوء على نقاط أخرى آنية تحققت بالفعل، حيث نجح مجلس البحث بالتعاون مع الشركاء في تمويل عدد كبير جدا من البحوث في جامعات السلطنة المتنوعة، رغم نقص السعة البحثية وأعداد الباحثين بشكل عام. وأضافت: "يمكن القول أن أعداد الباحثين في مختلف العلوم قد تتضاعف خلال الفترة الأخيرة، والمقصود بالباحثين هنا حملة الدكتوراه في الجامعات وحملة الماجستير ومساعدي الباحثين".

منح بحثية

وأضافت الدكتورة شريفة الحارثية أن مجلس البحث العلمي استطاع أن يقدم أيضا المنح البحثية وبعض الدعم لبحوث الطلبة في المؤسسات المختلفة بالسلطنة، ومنها الخاصة والحكومية، لكن حتى الآن لا يمكن القول إننا وصلنا إلى مستوى الطموح الذي نرضى عنه ونطمح إليه، فلا زال البحث العلمي في السلطنة يمر بمرحلة التأسيس وبناء القدرات. وبينت أنه في حالة عدم توافر القدرات المؤهلة للنهوض بالوطن، فبالتالي لن نستطيع أن نصل إلى مرحلة التميز في مجال البحث العلمي والتطوير.

وتوجه بدر الحبسي عقب ذلك بالسؤال إلى حنان بنت عبد القادر عسقلان، حول الكيفية التي انتهجتها للحصول على المعرفة واستثمار الفكر الإبداعي والابتكاري واستمرت لتجني ثمار هذه الثقافة من خلال تبوأها لمنصب الرئيسة التنفيذية لإحدى الشركات الاستشارية. وعقبت عسقلان بالقول إنّ النقطة الأبرز في هذا الحديث ينبغي أن تتمثل في إيمان كل فرد منّا بأنّه لا يجب عليه التوقف عند حدٍ معين، وأن عليه مسؤولية الاستثمار في نفسه حتى ينطلق إلى الخطوة التالية. وأضافت: "بدأت حياتي العملية في مؤسسة (نت وركس) ومن شدة اهتمامي بهذا المجال تم تنفيذ أكبر ندوة في العالم، واستعنت بالعديد من الكتب والمعارف لبناء قدراتها، حتى إنني كنت أتوجه إلى ولاية إبراء للحصول على كتاب مُحدد، أريد أن استقي منه معلومة ما، ولم يكن ذلك بالأمر السهل، وكنت من أوائل النساء العاملات في بحوث البنك الدولي في جانب التكنولوجيا والبرنامج الاقتصادي".

وزادت عسقلان قائلة: "على الرغم من أهمية مؤسسة مثل البنك الدولي إلا أنني قررت مُغادرتها لشعوري بأنّها ليست ذات نفع بالقدر الذي أطمح إليه، وشعرت بعد فترة أنني أريد المزيد". وأوضحت أنها في الوقت الحالي تعمل في مجال الاستثمار في البحوث، وكيف يمكن تطبيق البحث في الأسواق، ومن هذا المنطلق بدأنا كمؤسسة في العمل على منظومة لتطوير الابتكار، تعتمد على دعم الابتكار، ومن المقرر الإعلان عنها في الفترة القليلة المقبلة، بما يدعم الاستثمار في التكنولوجيا داخل السلطنة.

ثقافة الابتكار

ورداً على سؤال عن وضع ثقافة الإبداع والابتكار في المجتمع العماني، قال محمد بن أحمد الهنائي مدير تمكين الأعمال بالمركز الوطني للأعمال إنّ مظاهر الابتكار متوافرة في المجتمع بشكل أو آخر، لكنه على مستوى فردي، وهناك سعي حثيث من قبل العديد من الأفراد إلى انتهاج البحث العلمي ومسار الابتكارات.

وأوضح أنّه عند افتتاح "واحة المعرفة" في مسقط كمنطقة متخصصة في قطاعات تقنية المعلومات والاتصالات، تمّ في العام التالي مباشرة تأسيس برنامج هو الأول من نوعه في السلطنة، تحت مسمى "منجم المعرفة"، وتمثلت الفكرة في البحث عن المبتكرين العمانيين الذين تتوافر لديهم ابتكارات متخصصة ويمكن تحويلها لاحقًا إلى مشاريع على أرض الواقع. وأوضح أنّ النتيجة كانت مفاجئة؛ حيث تلقينا العديد من الأعمال تفوق القدرة الاستيعابية للمركز، مشيراً إلى أنّه تم تعريف المبتكر في هذه الفترة بأنّه الشخص الذي يسعى لتحويل ابتكاره إلى منتج قابل للاستفادة منه في المجتمع المحلي والعالمي بعد ذلك. غير أن الهنائي أوضح أنّ المشكلة الأكبر أمام ثقافة الابتكار، أن المبتكرين أنفسهم يعانون التشتت في الجهود، على الرغم من جهود الجهات الداعمة للابتكار في هذا المضمار.

ويرى الهنائي أنّ المجتمع العماني يتمتع بثقافة الابتكار، وهو جلي في كثير من مظاهر الحياة، ومتوافر في معظم المؤسسات، لكنه بصورة متفاوتة، مؤكداً أنّ نتائج الابتكار والبحث العلمي بصورة عامة تحتاج إلى سنوات عدة لحصد ثمارها، أو حتى تطبيق نتائجه على أرض الواقع، فضلاً عن اعتماده كسياسة حكومية وطنية.

غير أن الهنائي دعا إلى عدم إغفال الإنجازات المتحققة على أرض السلطنة، ولا غض الطرف عن الاجتهادات التي تقوم بها مؤسساتنا التصنيعية، مشيرًا إلى أنّ المؤسسة العامة للمناطق الصناعية- على سبيل المثال- تعتمد على التوسع في الصناعات التحويلية ذات الطابع الابتكاري؛ حيث إن الصناعات التحويلية المتكررة لم تعد تحقق المرجو منها. وأشار إلى المشروع المشترك بين هيئة البحث العلمي والمؤسسة العامة للمناطق الصناعية، المتمثل في إنشاء مركز للابتكار الصناعي، إذ يعد هذا المركز أكبر دليل على الدور البارز لهاتين المؤسستين في رفد هذا القطاع الحيوي بكل ما يدعم تطوره وتنميته.

جهود متعددة

وانتقل الحديث في الجلسة الحوارية بعد ذلك إلى الوقت الأنسب في عمر الإنسان لتلقي المعارف والعلوم الخاصة بثقافة الإبداع والابتكار واقتصاد المعرفة، والطريقة المباشرة نحو هذا الهدف. وقال فارس العوفي مدرب معتمد في مجال الابتكار إنّ هناك الكثير من الجهود المبذولة في مختلف القطاعات، لكنه أشار إلى أن الابتكار في كثير من المدارس بمحافظات السلطنة وكذلك الجامعات لا يتم عرضه بالشكل المطلوب. وأضاف أنه ينبغي النظر في هذه المؤسسات إلى الابتكار من منظور عالمي، مع إغفال الدور المهم لترسيخ هذه الثقافة منذ الصغر، داعيا إلى ضرورة أن تتضمن أي استراتيجية للابتكار مسألة إيجاد برامج خاصة بصغار السن، لتعويدهم على ثقافة الابتكار. وأشار إلى أنه في إحدى الورش التدريبية في ظفار، شارك فيها عدد من المعلمات والمشرفات، ووجه لهن سؤال حول السن المناسب لاتخاذ أسلوب الحوار والمناقشة في التدريس مع الطلبة، وكانت الإجابات بين سن التاسعة والعاشرة. وقال العوفي إنّ هذه الإجابات كانت خاطئة، لاسيما وأنّ دراسات علم النفس والتربية تشدد على أن الحوار مع الطفل يبدأ من سن الثلاث سنوات والأربع سنوات، لأنها السن التي يبدأ فيها الطفل طرح العديد من الأسئلة حول الواقع الذي يعيشه، وهو ما يعني ضرورة عدم تجاهل هذه الفئة السنية الصغيرة؛ إذ إنّها تمثل بداية للتطوير والابتكار.

وانتقد فارس العوفي غياب نشر ثقافة الإبداع والابتكار في وسائل الإعلام، إذ إنه حتى الآن لا توجد مؤسسة إعلامية تكرس برنامجا إذاعيا أو تلفزيونيا متخصصاً في طرح ومناقشة قضايا الابتكار والإبداع، رغم الأحاديث بين الفينة والأخرى عن خطط بعض المؤسسات لتنفيذ مثل هذه المشاريع الطموحة.