"طالع نازل".. والانتقام الهدَّام

 

 

 

د. هبة العطار

في مسلسل «طالع نازل»، من بطولة منى زكي ومحمد شاهين ومريم الخُشت، وإخراج هاني خليفة، والمعروض حاليًا على منصة «شاهد» في عشر حلقات، تؤدي منى زكي شخصية نورا، سيدة أعمال ناجحة تدير شركة كبرى لإدارة أعمال الفنانين، وقفت سنوات طويلة خلف زوجها الموسيقار علي داوود (محمد شاهين) حتى صار من أشهر الأسماء في مصر، تبدو حياتهما من الخارج نموذجًا للاستقرار، إلى أن تكتشف زواجه سرًا من حبيبته القديمة مي (مريم الخشت)، التي رفضته يوم كان بلا اسم، ثم عادت إليه بعدما صار نجمًا. ومن هنا تبدأ رحلة نورا بين الانكسار والغضب ومحاولة استعادة كرامتها، في دراما نفسية انقسم الجمهور حولها بين متعاطف مع بطلتها ومن يرى أنها تجاوزت حدود استعادة الحق.

لم يكن جرح نورا في أن زوجها عاد إلى امرأة أحبها قبلها، وإنما في طبيعة هذه العودة؛ فالمرأة التي لم ترَ فيه يومًا رجلًا يصلح للزواج، وذهبت إلى غيره، لم تعد إليه إلّا بعد أن اكتمل نجاحه، لتقطف ثمرة غرستها غيرها، جاءت إلى حياة جاهزة صنعتها نورا بجهدها وسهرها وإدارتها لكل تفصيل فيها، وهكذا لم يأخذ منها هذا الموقف شخصا فحسب، بل أخذ منها روايتها عن نفسها، خسرت سنوات أفنتها في بناء إنسان، وخسرت امتنانًا كانت تظنه حقًا مكتسبًا، وخسرت أمومة أُجِّلَت من أجل حياة لم تكافئها، هذه هي الخسارة الأولى، وهي موجعة ومشروعة، أما الخسارة الثانية فتبدأ حين تقرر أن ترد الألم بالألم، لأن الانتقام لا يُعيد شيئًا مما ضاع، بل يضيف إليه خسارة جديدة، أن تدفع من عمرها مرة أخرى لمن أخذ منه الكثير بالفعل.

المُنتقِم يدفع الثمن مرتين، مرة حين يُجرح، ومرة حين يقضي أيامه في إعادة فتح الجرح. تتحول المراقبة وتتبع التفاصيل واستحضار المشهد مرارًا إلى اجترار ذهني يُبقي الإساءة حية بدل أن يتركها تخفُت، ويُنهك الأعصاب والجسد، وهو ما يتجلى في نوبات الهلع التي تعيشها الشخصية، والانتقام في جوهره ليس قوة، بل تعلُّق يرتدي ثوب القوة؛ فالمنتقم يبقى مربوطًا بمن آذاه أكثر مما كان في الحب. وفي غمرة هذه المطاردة ينحت الإنسان نفسه من جديد على صورة جرحه، فيصير أكثر حذرا وأقل ثقة وأشد قسوة، وتنتقل طاقته من البناء إلى الترصد، وهنا تكمن المفارقة الكبرى، من أفنت حياتها في صناعة نجاح غيرها، تفنيها الآن في صناعة سقوطه، فتحول وجعها إلى مشروع جديد اسمه «علي»، مشروع هدم بدل بناء، وفي الحالتين يبقى الآخر هو العنوان، وتبقى هي في الهامش، حتى في غضبها لا يزال هو محور حياتها.

ربما كان هناك طريق أعمق وأكثر هدوءًا كان يجب أن تسلكه نورا، أن تطوي الصفحة بلا ضجيج، وأن تتوقف عن العطاء؛ فالامتنان الذي لا يُمنح طواعية لا يُنتزع بالقوة، وأبلغ درس يتعلمه من لم يقدر هو أن يختبر الحياة بدون من كانت تحمل عنه ثقلها، فلتترك له تلك التي لم تؤمن به حين كان في أول الطريق، ولتر كيف يمضي بدون من صنعت له الطريق، لا حاجة لأن تصرخ في وجهه بما كانت تعنيه له، فغيابها سيقول ذلك وحده، وعندها تلتفت إلى ما أُجِّل طويلًا، نجاحات تحمل اسمها، ومشاريع تخصها، وإنسان جديد يرى فيها شريكة لا سُلَّمًا، يقدرها ويكمل معها الطريق. والكرامة الحقيقية ليست أن يندم الآخر، بل أن ترفض المرأة البقاء في مكان لا يعرف قيمتها، وأن تحمل عطاءها إلى حيث يُثمر، فمن أعطى كثيرا لا يُكافأ بأن يظل يعطي لمن لا يستحق، بل يُكافأ بأن يلتقي بمن يستحق.

تبقى نورا مرآةً لكل من أعطى بلا حساب ثم اكتشف أن العطاء لا يضمن الوفاء، وأن الامتنان ليس دينًا مستحقًا على الآخرين؛ بل فضيلة لا يملكها كل الناس، ومن انتظر من غيره أن يمنحه قيمته سيظل رهينة لمن لا يعرف قيمته. الإنسان لا يُقاس بما ضاع منه، بل بما يصنعه بعد الضياع، وأصعب ما في الجرح ليس لحظته، لكن ما نفعله به بعد ذلك، فإمَّا أن نجعله قيدًا يربطنا بمن آذانا، فنظل نعيش في الماضي نحرسه ونغذيه حتى يبتلع حاضرنا ومستقبلنا، وإمَّا أن نجعله بابًا نعبُر منه إلى حياة تشبهنا. حياةٌ نكون فيها نحن الأصل لا الظل، والغاية لا الوسيلة. ومن أدرك أن الحرية الحقيقية ليست في أن ينتصر على من آذاه؛ بل في أن يكف عن الالتفات إليه أصلًا، فقد انتصر انتصارًا لا يملك أحد أن يسلبه منه، وكل من يمُر بتجربة كهذه يكتشف في النهاية أن أعظم ما كان يملكه لم يكن ما قدمه للآخر، بل قدرته على أن يقدمه، وهذه القدرة لا تموت بالخُذلان، ولا تُهدر على من لم يعرف قدرها؛ فهي أغلى من أن تُمنح لمن يستهين بها، وأثمن من أن تُبدد في معركة لا تستحقها.

وفي هذا العالم من يعرف كيف يُقدِّر من يُعطي، ومن يرى في الوفاء شرفًا لا عبئًا، وهناك فقط يستحق عطاؤها أن يستقر، وهناك فقط تعود إلى نفسها عزيزة مُكرَّمة، وقد صارت هي من تختار، لا من يُختار لها.

الأكثر قراءة

z