د. هبة العطار
حين نتأمل مشاعرنا داخل العلاقات نلحظ أن الحب قد يبقى في موضعه من القلب، بينما يتبدل إحساسنا بالأيام التي نعيشها داخله، فنشعر بفتور لا نعرف له سببًا، فنظن أن الحب نفسه قد تراجع، عند هذه النقطة يختلط الملل بالحب، فنُفتِّش في العلاقة عن تفسير لما ربما كان مصدره أوسع من حدودها ويكمن في نمطية تفاصيل لا علاقة لها بقلوبنا وبمشاعرنا؛ فالإنسان لا يعيش بمشاعره وحدها، بل يتأثر بإيقاع أيامه وأعبائه وما يتكرر حتى يفقد قدرته على إدهاشه، والمألوف على ما يحمله من أمان يصبح أحيانًا أقل قدرة على إثارة الحماس، لا لأنه فقد قيمته، بل لأن اعتيادنا عليه غير طريقة استقبالنا له، وهناك فرق بين أن يتغير شعورنا تجاه إنسان، وأن تتغير قدرتنا على الاستمتاع بتفاصيل الحياة التي تجمعنا به، وهو فرق قد يحمي علاقات كثيرة من أحكام متعجلة.
أثارت دراسة عالم النفس الأمريكي آرثر آرون، بالاشتراك مع زملائه من المتخصصين في علم النفس، والمنشورة عام 2000، هذه المشكلة، وقدمت مدخلًا لفهم هذه الحالة وطريقًا للخروج منها؛ إذ أشارت إلى أن مشاركة الشريكين في أنشطة جديدة ومثيرة قد تُسهم في تحسين جودة العلاقة. وتناولت أبحاث لاحقة دور الرتابة في نشوء الملل العاطفي وما يترتب عليه من تراجع في المبادرة، فتتشكل دائرة يغذي فيها غياب الجديد الملل، ويقلل الملل تباعًا الشغف والرغبة في كسر الروتين بالتجديد للركود المتراكم لنفس التفاصيل. والتجديد هنا لا يعني سلسلة من المغامرات، بل أن تظل العلاقة مساحة قابلة للاكتشاف، يرى فيها كل طرف الآخر خارج الصور المعتادة، فقد يكون أحيانا في أن نمنح بعضنا مساحة للاستقلال والنمو، لأن من يواصل اكتشاف العالم وتطوير ذاته يأتي علاقته بخبرات وأسئلة ورؤى جديدة، لا بتكرار وجه الأيام وبلورتها لتعبيرنا عنها وعن أنفسنا داخلها بثبات مقيت.
أنضج ما يمكن أن نبدأ به حين نبحث عن حل ليس السعي وراء نشاط جديد، بل الإصغاء إلى ما يقوله الملل دون استعجال في تفسيره، فبدلًا من أن يتحول الفتور إلى اتهام صامت أو اختبار لمقدار الحب، يمكن أن يصبح مدخلًا لحوار هادئ يكشف ما افتقدناه في أيامنا، ويفيد في ذلك أن يخصص الطرفان وقتًا منتظمًا يبتعدان فيه عن الشاشات ويتحدثان عما يشغلهما حقًا، وأن يصنعا لحظات مختلفة ولو كانت بسيطة، كزيارة مكان غير مألوف أو استعادة عادة جميلة انحسرت تحت ضغط الحياة أو التعبير عن تقدير يظل حاضرًا في القلب حتى حين يغيب الكلام ويحل الصمت؛ فالأفعال طريق لإنعاش النبض، والتفهم والاحتواء بلسم يُلطِّف أي توترات انتجتها نمطية العالم من حولنا، وذكاء المحبين يدفعهم باستمرار كي لا تصبح العلاقة بينهما المصدر الوحيد للمتعة أو المسؤولة الوحيدة عن سعادتنا، وأن نستطيع القول إننا متعبون دون أن يفهم الآخر ذلك رفضا له، على أن بعض الملل قد يكشف عن خلافات متراكمة أو احتياجات مهملة أو خلل أعمق يحتاج إلى مواجهة، ولذلك تظل معرفة مصدر الشعور أهم من الإسراع في التخلص منه.
قد لا يكون ما نحتاج إلى تغييره هو الشخص الذي نحب، بل الطريقة التي نحيا بها معه، فقد لا يكون الملل أحيانًا رسالة تطلب منا الرحيل، بقدر ما هو سؤال يدعونا إلى مراجعة ما اعتدناه حتى فقدنا الإحساس به؛ فالحياة لا تمنحنا الدهشة في صورتها الأولى إلى الأبد، وقدرة العلاقات على الاستمرار تتأثر بما نمنحه لها من اهتمام وصدق ومرونة، وبقدرتنا على التمييز بين ما انتهت صلاحيته فعلا وما غطاه غبار الاعتياد، فمن أقسى الأخطاء أن نحمل الآخرين مسؤولية كل ما يتغير في داخلنا، أو أن نستبدل الأشخاص كلما فقدت الحياة بريقها، دون أن نتساءل إن كنا نحمل نظرتنا القديمة إلى كل تجربة جديدة، فالعالم الذي يسكننا يشارك في تشكيل العالم الذي نراه، ومن لا ينتبه إلى حالته الداخلية يغير المشهد مرارًا ويظل يشعر بالفراغ ذاته، أما حين نفهم أنفسنا ونجدد خبراتنا، فإننا لا نضمن اختفاء الملل، لكننا نحوله من تهديد غامض إلى إشارة مفهومة نتصالح معها ونقاوم اثارها لصالح قلوبنا.
ربما لا تكمن قيمة الحب في قدرته على إبقائنا مبهورين طوال الوقت، بل في قدرتنا على صيانته حين تخفت الدهشة، فليس كل ما يفقد دهشته يفقد قيمته، وليس كل ما يخفت بريقه قد انطفأ، وبعض الأشياء لا تغيب عن حياتنا، وإنما يغيب انتباهنا إليها، وهنا يصبح التجديد فعل وعي قبل أن يكون تغييرا في التفاصيل.
الاعتياد وإن كان آفة الحب ليس قدره المحتوم، والحب الحقيقي لا يموت بالملل حين ينتبه له من يحبه ويدرك أن الفتور عارض يحتاج إلى علاج، لأن المشاعر كلها تعرف مراحل من الضعف ثم تقوى بمن يعيشونها بصدق ويتشاركون عناء الحفاظ عليها، والآفة التي تتسلل إلى القلوب في صمت لا تهزمها المفاجآت الكبرى، بل الانتباه الصغير المتجدد كل يوم، وحين نتعلم أن نرى من نحب بعين ثالثة، ندرك أن للحب الحقيقي بصيرة لا تراها العينان، فالعين الأولى ترى الظاهر وتألفه، والثانية تحصي العيوب وتقيس التغير. أما الثالثة فهي التي تبصر ما استقر خلف الظاهر، وتعرف أن من أحببناه لم يتبدل في حقيقته مهما تبدلت الأحوال، فتجدد النظر إليه كل يوم وتكتشف فيه ما لم تكتشفه من قبل، وبهذه العين ندرك أن الزمن يضيف إلى العلاقة في كل موقف وكل تصرف وكل لحظة طبقة من المعرفة بتفاصيل جميلة في الحبيب، وأن أجمل ما في الحب أن يبقى الحبيب في موضعه، بنظرته ومودته ورحمته واحتوائه.
نحن نمر بظروف تغير أساليبنا في التعامل مع بعضنا دون أن تمس جوهرنا، وجوهر الحب الحقيقي لا تعصف به الأيام، وإنما يستتر خلف التعب حتى تعود إليه عين تعرف كيف تراه، وحين تعود نكتشف أن ما ظنناه فتورًا لم يكن إلا غبار الأيام على معدن لا يصدأ، فنعود إلى حبه من جديد، سالكين نحوه طرقا لم نسلكها من قبل، وبوسائل لا تنتهي.
