السنوار يُطيح بنتنياهو

 

 

 

علي بن سالم كفيتان

أطاح الثائر الفلسطيني يحيى السنوار المسجى جثمانه في ثلاجة للموتى بإحدى المستشفيات العسكرية في تل أبيب بحكومة بنيامين نتنياهو، ووضع حدًا لمُغامراته، ولا شك أنَّ ذات المصير بات ينتظر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بفقدانه الأغلبية في مجلسيْ النواب والشيوخ الأمريكيين في الانتخابية المُقررة بعد أيام.

ارتفعت الأصوات التي تحاكم قرار السنوار بخوض حرب السابع من أكتوبر مع الكيان الصهيوني، وترى فيها مغامرة غير محسوبة ونتائج مؤلمة، ولا شك أنها خلفت ذلك، لكنها اليوم تُغيِّر وجه إسرائيل من الداخل؛ فمن كان يتوقع أن تحصل الأحزاب العربية على 18 مقعدًا تقريبًا في الكنيست.. إنه رقم تاريخي غير مسبوق لعرب الداخل؛ حيث أصبحوا يُشكِّلون نقطة التوازن لمن يريد حُكم الكيان الصهيوني خلال الفترة المقبلة. وبنظرة على وضع عرب الداخل أو كما يسمون "عرب 48"، قبل طوفان السنوار، سنرى تشرذمًا وشتاتًا وتهميشًا ودورًا خجولًا في الكنيسيت، لا يتعدى بضعة مقاعد لا تُشكِّل أي ثقلٍ سياسي في الداخل الصهيوني. واليوم بات من يريد الحكم عليه أن يخطُب ودهم، إذا استمروا في التماسك ولم تخطَّفهم المُغريات والوعود الكاذبة لكلا الطرفين.

على المستوى الإقليمي، أبرز حدث كان مهاجمة إسرائيل وأمريكا لإيران، ومن ثم ضرب إسرائيل وحصارها اقتصاديًا ونبذها دوليًا، واتهام رئيس وزرائها وزمرته بارتكاب جرائم حرب، أعقبته اعترافات بالجملة بالدولة الفلسطينية، وأبرز مثال على قسوة ما فعله السنوار بنتنياهو، كان في آخر ظهور لرئيس وزراء الكيان على منبر الأمم المتحدة، وخروج معظم وفود العالم الحُر من القاعة، في احتجاج دولي غير مسبوق، وعزل تاريخي لإسرائيل، التي طالما أظهرت نفسها كبوابة علمية وحضارية نادرة في الشرق الأوسط! وقدمت نفسها على أنها الديمقراطية الوحيدة في المنطقة!!

ولو نظرنا إلى موقف إسرائيل قبل الطوفان وموقعها اليوم، لعلمنا أن السنوار دمَّر صورة إسرائيل خارجيًا، مثلما فعل داخليًا؛ فصارت طائرة نتنياهو تلف وتجوب بحار العالم ومحيطاته تجنبًا لاعتقاله، بعد صدور أمر اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية.

في هذه المعمعة، أُدخلت دول الخليج وإيران والعراق واليمن في صراع غير مسبوق وتدهور للمستوى الاقتصادي وارتفاع لأسعار الطاقة بسب الاختناقات في مضيق هرمز وباب المندب ونشاط جماعة أنصار الله "الحوثيين" في اليمن، ما أريك المشهد بالكامل. كل ذلك كلَّف دول المنطقة الكثير اقتصاديًا، وأجهدها سياسيًا، وانعكس على مستويات الرفاه التي تعيشها شعوب المنطقة؛ فلم تُثمر التحالفات أو اتفاقيات الدفاع المشترك- حتى الآن- في حفظ أمن واستقرار الخليج، وبات على الجميع العودة للتفاهم مع طهران. وهنا نستحضر اجتماع صلالة الذي كان مرتقبًا في أغسطس 2026، ثم تأجَّل. فهل نتدارك ما فاتنا في صلالة، في طهران؟

وفي هذا السياق، نقتطف مما ذكره معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية في جامعة كامبريدج، حول فكرة كانت قائمة منذ نوفمبر 1976 لتعاون إقليمي لأمن المنطقة، فلماذا هذه الجهود لم ترَ النور؟

بطبيعة الحال، ما نراه اليوم، يمثل ارتدادًا للتسونامي الذي أطلقه السنوار في 7 أكتوبر 2023، ولا شك أن دول المنطقة لم تكن مستعدة لهكذا طوفان؛ فالحسابات والرهانات كانت متناقضة بلا شك.

إن المناضل الفلسطيني يحيى السنوار لم يقفز في الظلام، ولم يشأ أن تزهق أرواح عشرات الآلاف من أبناء شعبه، لكن نتنياهو أكل الطُعم وعلق فوق الشجرة ثلاث سنوات، واليوم أنزله السنوار إلى الساحة وهو خالي الوفاض، وكيانه مكروه عالميًا، ومهدد بالمحاكمات والسجن داخليًا، في مقابل موقف قوي لعرب الداخل، وأمل يحدو الضفة وقطاع غزة بعودة فلسطين الحرة بعد "طوفان الأقصى" الذي أحدثه السنوار. وقد كانت قراءة الكثير خاطئة للحدث ومالت للرواية الغربية عبر شيطنة حماس والخوف من بُعبع "الإرهاب"، وربط ما حدث في غزة بحركات الإسلام السياسي في كثير من بلدان المنطقة، رغم أن الحدث فلسطيني بامتياز، ويعتبر ضمن نطاق السعي للتحرر الوطني، لكنه أحدث زلزالًا كبيرًا في المنطقة والعالم، حتى بات يُهدِّد مقعد أكبر وأقوى رئيس دولة في العالم بسبب رهانه الخاسر على نتنياهو.

الأكثر قراءة

z