علي بن سالم كفيتان
حدثني مسعود عن ابيه أنهما في يومٍ قائظٍ نحرا ناقة في عامٍ جفَّ فيه الزرع والضرع، ليأكلوا لحمها ويدخروا ما تبقى قديدًا ليُعينهم وأسرهم على البقاء على قيد الحياة. ويقول مسعود: "ما كدنا ننحر الناقة ويصل دمها الأرض حتى التم علينا جمع من الناس فيهم نساء وأطفال ولا أدري كيف علموا عن نيتي أنا وأبي؟ رغم أننا لم نعلم أحدًا وكان القرار وليد حديث مقتضب على أثافي النار بوادي قصي استمر بضع دقائق فقط".
يقول مسعود- والعهدة على الراوي- إنهم قسموا لحم الناقة على 40 قسمًا، ولم ينلهم سوى قسم مثل غيرهم، وكانوا في غاية السعادة؛ فالشركة في الجوع والشبع كانت ميزة تلك الأيام الخوالي.
تبقت 9 إبل معنا بعد أن نحرنا واحدة، وفي اليوم التالي كان علينا البحث عن بدائل للقرار التعسفي بذبح القطيع، الناقة تلو الأخرى، لسد حاجتنا من الطعام؛ فالمواسم أخفقت والأبواب أغلقت. يقول مسعود: جمعنا متاعنا القليل وأردفنا طفلين على ظهر جمل ورحلنا؛ فالبدوي لا يستسلم لجفاء أرض أجدبت، ومررنا على عين ماء لا تكاد عينها تفيض إلّا كخيط رفيع إلى بركة معظمها جاف، عليها جمع من النَّاس يبقون قطعانهم على أطرافها، وبعد أن يملأوا حوضا عقب ساعة عناء، يطلقون بضع إبل أو أبقار عليه. قررنا عدم السقيا من هنا؛ لأن الأمر سيطول وعانينا في إقناع التسع نياق وخمس من الماعز نحلبها للأطفال، كانت خلف السيدة العجوز، بالاستمرار معنا، لكننا رحلنا وتركنا القحط لهذه الأرض، متوجهين إلى المجهول متأملين من ربنا الفرج.
مرَّ علينا أناس ضامرو البطون تغير لونهم، مسرعين على ذلك الطريق العام، يهرعون إلى المدينة علَّهم يأتون بما يسدون به رمق أسرهم. ويقول: فسألت أحدهم، ما عساك تجد بعد كل هذا العناء، فقال لي لا زالت هناك بيوت في المدينة تفتح أبوابها، بينما آخرون عندما يرون القادمين من البوادي والأرياف يغلقون، لقلة ما لديهم في سنة القحط هذه.
وقبيل الغروب، حللنا بسهلٍ فسيحٍ في أرض غير أرضنا، وأناس لم نعاشرهم، جمعنا أنفسنا تحت شجرة، وحلبنا ناقة لا زالت تدر بعض الحليب، بينما أسقطت سلمى من خمارها ما جمعت من ثمار التين، جمعتها ونحن راحلون. كانت ليلة استوى فيها القمر في كبد السماء؛ فصدح أبي بصوته الشجي مطلقًا النانا (فن غنائي ريفي لا يعتمد سوى على صوت المؤدين) وقصيدة عتب لسكان هذه الأنحاء، الذين لم يشغلهم وجودنا كراحلين. وعلى بقايا النَّار وخبزة طُبخت بالجمر والصخر وشاي لا سكر فيه، سكنَّا إلى صوت الليل وهمهمات البوم، ودخلنا في نوم عميق. لم نفق إلّا فجرًا على نحيب نحر الناقة الثانية. كان المشهد مؤلمًا ومُفرحًا معًا؛ فالألم يأتي من تساقط النوق الواحدة تلو الأخرى، والفرح بالحصول على طعام لأيام مقبلة.
وللحديث بقية مع مسعود.
