صَحار: دهليز الملاحة البحرية العالمية قديماً وحديثاً

 

 

 حمد الناصري
عندما تُشرق الشمس من مياه بحر عُمان، تخرج مغتسلةً لتُعانق مدينةً قُدّت من الجمال والتاريخ؛ مدينة لم تكن يوماً مجرد حيّز ساحل عابر، بل كانت "فضاء عمومياً" تلاقت فيه أنفاس التجارة والملاحة العالمية عبر العصور. إنها صَحار، أقدم مدن عُمان وأكثرها أموالاً قديماً وحديثاً، التي لم تقف حدود عظمتها عند حافة الساحل، بل امتدت لتكون "الخزانة الكبرى" والدهليز الحيوي الذي صبّت في رَحاه تجارةُ الممرات والمحاور البحرية الستة للعالم القديم والحديث.
ومن أمهات المعاجم اللغوية والجغرافية نجد اسم صَحار في معجم "البلدان" لياقوت الحموي، على أنّها سُميت بذلك نسبة إلى صَحار بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام. وقال الحموي موثقاً: "وهيَ قصبة عُمان مِمّا يلي الجبل، مدينة طيبة الهواء والخيرات، وهي أرخص بلاد الله فواكه وسغباً، ولها نهر جارٍ وعيون عذبة". أما الفيروزآبادي في "القاموس المحيط" فهو يربط اسم صَحار بالمادة الاشتقاقية (ص ح ر)، ويربط الاسم لغوياً بـ "الصُّحْرة"؛ وتعني في اللغة: الحُمرة الخفيفة الممتزجة بالبياض، أو الأرض الواسعة المستوية الممتدة (ومنها اشتقت الصحراء).
وإذا ما فككنا سجلات الجغرافيا الكلاسيكية وعُدنا إلى وثائق الإغريق والبحارة الأوائل، نجد برهاناً أكاديمياً قاطعاً على مركزيّة صَحار؛ حيث وثّق الجغرافي الإغريقي الشهير بطليموس في كتابه "الجغرافيا" والمؤرخ بلينيوس الأكبر في موسوعته "التاريخ الطبيعي" هيبة هذا الكيان، مُطلقين على البحر المقابل لها في مصوراتهم اسم "بحر أومانا" (Omana Sea)، ومحددين صَحار بوصفها دهليز الملاحة العالمي المُلتقي عند ركيزة مائية تمتد من بحر إيجه والبحر الأسود والبحر الأحمر وعُباب بحر الهند الغربي. كما خلدت المخطوطة اليونانية الشهيرة من القرن الأول الميلادي، "الطواف حول البحر الإريتري" (Periplus)، شهادات حيّة لربابنة مجهولين اعتبروا الموانئ العُمانية محاور ارتكاز لوجستية ومنافذ تفتيش وتمكين تُخضع حركة البحر العميق لقوانينها السيادية المنظمة؛ وهذا ما يُبرهن يقيناً على أنّ البحر الشرقي العميق على واجهتنا الشرقية إنّما هو محيطٌ عُمانيٌ مفتوحٌ.
وذلك العُمق المادي القديم تماهى وتكامل مع السجل الإسلامي العتيق؛ فكانت صَحار هي "بوابة الدنيا" و"قصبة بلاد العرب"، إذ قال الجغرافي المقدسي عبارته الخالدة في (أحسن التقاسيم): "صَحار.. ليس على بحر الصين بلدٌ أجلَّ منها.. دهليز الصين، وخزانة الشرق والعراق، ومغوثة اليمن". وأكد المؤرخ الأصطخري ريادتها بأنها أعْمَر مدينة على البحر وساحل فارس وجميع بلاد الإسلام، حيث تحوّلت منذ القرن الثالث الهجري إلى المركز الأهم للملاحة التي تطوّع الرياح الموسمية، يذود عنها أسطولٌ عُمانيٌ ضاربٌ قاد حملاته الأئمةُ العظامُ؛ كالإمامِ الجلندى بنِ مسعودٍ والإمامِ غسانَ بنِ عبد الله لقمع القرصنة في أعالي البحار وحِماية هيبة الدولة.
ولم يكن لـ صَحار أن تتبوأ هذه الهيمنة الجيوسياسية لولا رسوخ "عقيدتها الملاحية والفلكية" المدونة في سجلات وثائق أعلام البحار وأساطين الملاحة العُمانية؛ وفي طليعتهم أسد البحار أحمد بن ماجد النجدي في مخطوطته العالمية "الفوائد في أصول علم البحر والقواعد"، ورفيقه سليمان بن أحمد المهري في "العمدة المهرية"؛ حيث قسّمت العقلية الصَحارية حركة الموج والمنعطفات البحرية الستة المؤدية إلى الهند والشرق الأقصى وفق حسابات الديرة والقياس النجمي الصارم، واضعةً علوماً مكتوبةً قطعت الطريق على أطماع وتبعية الأعاجم لقرون طويلة.

إن اختزال تاريخ صَحار في مجرد ميناء تجاري هو جور خرائطي وظُلم معرفي؛ فـ صُحار لم تكن دهليزاً عابراً، بل كانت منهجاً سيادياً وعقيدة ملاحية متكاملة صنعتها تضاريس "بحر أومانا (عُمانا)" لذى بطليموس الإغريقي. وأمّا الخرائط الحديثة أو الاستعمارية المُستحدثة، فغالباً ما ترسم الموانئ كمجرد "نقاط جغرافية صامتة" على حافة الساحل لنقل البضائع، وفي هذا اختزال قاصر يُغيب العمق الجيوسياسي لصحار خاصة ولـ عُمان عامة؛ فصَحار في حقيقتها الجغرافية لم تكن مجرد رصيف لرسو السفن، بل كانت عاصمة سياسية، ومحور ارتكاز يُمسك بزمام ممرات بحرية عالمية مُمتدة، ويلتقي عندها البحر العُماني العميق بالأطواد الشامخة لبَرّ عُمان. إذ إنّ اختزالها في وصف "الميناء" يسلبها عُمقها الجغرافي كإقليم سيادي أدار سيادة المياه البحرية المفتوحة باستقلالية لا تُضاهىَ.
واليوم، يتصل هذا المجد التليد بحاضر مُشرق ومشهود؛ حيث يعود ميزان القوة والسيادة ليتجلى في "ميناء صَحار الصناعي الحديث" ومنطقته الحرة. إنّ هذا العملاق اللوجستي المعاصر ليس نبتة طارئة، بل هو امتداد جيني وذكاء مادي لنفس العقلية التنظيمية القديمة؛ ليقفَ الميناءُ اليومَ بوابةً عالميةً ومنصةً رقميةً موحدةً تُعزز كفاءة القطاع البحري وصناعة السفن، رابطاً خطوط التجارة من الشرق إلى الغرب، وشاهداً على أن صَحار كانت ولا تزال الطود الأشم وصمام الأمان الذي يمسك بزمام الأمواج عبر التاريخ.
خُلاصة القول: ستبقى صَحار قديماً وحديثاً بُرهاناً مادياً ساطعاً على أنَّ حمايةَ عُمقِ السيادةِ الوطنيةِ والريادة الاقتصادية يبدآن من امتلاك الأسطول، وصياغة القانون البحري، والقبض على مفاتيح الموج العالمي من فجر التكوين وحتى يومنا هذا. ونؤكد هنا بأننا نحن العُمانيين لا ننطقها صُحار بالضم، ولكن صَحارَ؛ كأننا نضغط على الصاد بتسمينٍ ووشوشةٍ لسانيةٍ ساكنةٍ، يُستبدلُ بحركتها التنوينُ في جرَس اللسان العُماني لتستقر الكلمة في الوقف الصامت المعهود صوتاً وهُوية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z