علي بن بدر البوسعيدي
في زحام الحياة الحديثة، تتكاثر المفارقات من حولنا؛ حيث أصبحنا نملك من وسائل الراحة ما لم يكن متاحًا لأجيال سبقتنا، لكننا في الوقت نفسه نشكو ضيق الوقت، وبينما نمتلك من أدوات التواصل ما يجعل العالم بين أيدينا، إلّا أننا نشعر أحيانًا بأن المسافات بين القلوب تتسع، ونُنجز معاملاتنا عبر تطبيقات ذكية، ونطلب احتياجاتنا بلمسة إصبع، ومع ذلك يبدو أن الحياة أصبحت أكثر تعقيدًا، وأن الإنسان بات يركض كثيرًا، لكنه لا يصل دائمًا إلى ما يريد.
هذه واحدة من مفارقات عصرنا؛ رفاهٌ يتزايد، وعلاقات إنسانية تتراجع، وانشغال لا ينتهي، يقابله أحيانًا فتور في الإنجاز وضعف في القدرة على التركيز والتأمل. في كثير من الأحيان أتامل حياتي وأجد أنني محظوظ بوجود التكنولوجيا في حياتي لما حققته من فوائد كثيرة لي ولغيري، لكنها لم تنجح في اختصار المسافات النفسية بين الناس، وأرى ذلك بنفسي في كثير من العلاقات.
والحقيقة أن العيب ليس في التكنولوجيا ذاتها، لكن في طريقة تعاطينا واستخدامنا لها، فالتقدم الذي لا يمنح الإنسان مزيدًا من الطمأنينة، ولا يساعده على الإنجاز، ولا يعزز علاقاته بالآخرين، يحتاج إلى مراجعة في طريقة استخدامه، لا إلى مزيد من الاحتفاء بمظاهره فقط.
ملاحظة أخرى، ما نزال نراه كل يوم، وحديثي هنا عن البيروقراطية، والتي تتناقض مع ما نسمعه يوميًا عن التحول الرقمي وتطوير الخدمات وتبسيط الإجراءات؛ حيث يحدثني كثيرون عن بطء إنجاز المعاملات في عدد من الجهات الحكومية، والأكثر غرابة أن هذا البُطء أصبح يطال مؤسسات خاصة كذلك، وكأنها عدوى تنتشر.
المفارقة أن بعض الإجراءات لا تزال تُثقل كاهل المراجعين، حتى عندما تكون الخدمات الإلكترونية متاحة نظريًا.
لذلك نؤكد أن نجاح التحول الرقمي لا يجب أن نقسيه بعدد التطبيقات والمنصات الرقمية، لكن بالأحرى قدرة هذه المنصات والتطبيقات على اختصار الوقت، وتقليل الخطوات، وتوحيد البيانات، ومنح المستخدم تجربة سهلة وواضحة. لذا نأمل مراجعة هذه الإجراءات، وتحديد أسباب التأخير، ومعالجة مواطن الخلل.
ملاحظة ثالثة، لفتت انتباهي مع صدور بيان النيابة العامة، حول ما تشهده منصات التواصل الاجتماعي من تصريحات وتغريدات ومنشورات تتجاوز أحيانًا حدود الرأي المسؤول، وتفتح الباب أمام تأويلات قد تُسيء إلى المجتمع أو تمس علاقات سلطنة عُمان بالدول الأخرى. ونصيحتي للجميع أن حرية التعبير مسؤولية قبل أن تكون مساحة للنشر، والكلمة التي تُكتب في لحظة انفعال قد تتجاوز آثارها حدود صاحبها، وتتحول إلى مادة للتداول والاستغلال، وربما تترك آثارًا يصعب تداركها. ولذا أُثمِّنُ عاليًا دعوة النيابة العامة إلى التحلي بالوعي والحكمة عند طرح الرأي.
هذه كانت ملاحظات عابرة، آمل أن تجد الصدى المأمول لكل من يرى أنها تلامسه أو أنه معني بها، فنهضة وطننا ونشر السعادة بين الناس يجب أن يظل من بين الأهداف التي نسعى لها في هذه الحياة.
