◄ من التأهيل إلى المشاركة في التنمية
د. أحمد بن محمد الهنائي **
يمثّل يوم الشباب العُماني مناسبة وطنية لتجديد الاهتمام بطموحات الشباب، وتعزيز دورهم في مسيرة التنمية، والتفكير في السبل الكفيلة بتحويل معارفهم وقدراتهم إلى إسهامات عملية. وتتعزز قيمة هذه المناسبة حين تقترن بتلمس احتياجاتهم، وتقييم فرص التأهيل والمشاركة المتاحة لهم، وتطوير الآليات المؤسسية التي تساعدهم على بناء مستقبلهم المهني والمساهمة في خدمة الوطن.
وغنيٌ عن البيان أن صناعة الفرص تقوم على منظومة مترابطة من العوامل، تشمل: التعليم والتدريب، والتوجيه المهني، وبيئة العمل، ودعم المبادرات. وتتطلب فاعلية هذه المنظومة تكاملًا بين كل من: المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والمؤسسات التعليمية والتدريبية، مع وضوح أدوارها ومسؤولياتها. وفي الوقت ذاته تتطلب مبادرة الشباب أنفسهم إلى تطوير قدراتهم، والاستفادة من الفرص المتاحة، وتحمل مسؤولية اختياراتهم المهنية. ولمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع، سوف نعمد إلى تناوله في ثلاثة محاور على النحو الآتي:
أولاً: تأهيل الشباب لمتطلبات العمل المتغيرة:
مما لا ريب فيه أن إعداد الشباب للعمل يحتاج إلى الجمع بين المعرفة التخصصية والمهارات التطبيقية والسلوك المهني. فالمؤهل العلمي يشكّل أساسًا مهمًا، ولكن لا يكفي وحده للمنافسة في سوق العمل، بل يحتاج إلى العديد من المهارات المساندة كالقدرة على التواصل، والعمل ضمن فريق، وحل المشكلات، واستخدام الأدوات الرقمية ذات الصلة بالمهنة. ويكتمل هذا الإعداد بالوعي بالحقوق والواجبات، واحترام أخلاقيات العمل، والاستعداد للتعلم المستمر.
ويأتي هنا دور الأكاديميات والمعاهد التدريبية في سد الفجوة بين التعليم الأكاديمي القائم على المعرفة وبين التهيئة لسوق العمل، وذلك من خلال بناء البرامج التدريبية على احتياجات محددة، وربط محتواها بمهام ومواقف تعكس واقع الممارسة المهنية. وتظهر قيمة التدريب في قدرة المشارك على توظيف ما تعلمه في أداء عمل أو معالجة مشكلة أو تحسين إجراء. ولذلك، فإن تقييم البرامج يستلزم النظر إلى المهارات المكتسبة ومدى تطبيقها، إلى جانب قياس رضا المشاركين عن تجربة التدريب.
وبطبيعة الحال يؤدي التوجيه المهني دورًا مكملًا في مساعدة الشباب على فهم قدراتهم وميولهم، والتعرف إلى الخيارات المتاحة، ومتطلبات كل مسار. كما يتيح التواصل مع المختصين وأصحاب العمل تكوين تصور واقعي عن المهن، ويساعد على اتخاذ قرارات أكثر وعيًا بشأن التخصص والتدريب والتقدم إلى فرص العمل.
ثانيًا: تهيئة البيئة المؤسسية لصناعة الفرص:
لا جرم أنَّ الاستفادة من التأهيل تتطلب وجود فرص تتيح للشباب تطبيق معارفهم وإظهار كفاءتهم. ويمكن تعزيز ذلك من خلال شراكات واضحة بين المؤسسات التعليمية والتدريبية وجهات العمل، تُحدَّد فيها الاحتياجات والأدوار والنتائج المتوقعة، وتُراجع مخرجاتها بصورة دورية.
وتحقيقًا للوصول إلى الهدف المنشود يجب أن تشمل هذه الشراكات التدريب الميداني المنظم، والمشروعات التطبيقية، والإرشاد المهني، وإتاحة فرص للتعرف إلى بيئات العمل ومتطلباتها. ولكي تحقق هذه المسارات غاياتها، ينبغي أن تتضمن مهامًا مُحددة، وإشرافًا مهنيًا، وآليات لتقييم التعلم، مع وضوح طبيعة العلاقة وحقوق المشاركين والتزاماتهم وفق الأطر المنظمة لها.
ويستدعي دعم المبادرات الشبابية وريادة الأعمال مراعاة طبيعة كل مشروع ومرحلته وقدرات صاحبه؛ فالإرشاد في دراسة السوق، والتخطيط المالي، والتسويق، وفهم الالتزامات القانونية والتنظيمية، كلها عوامل تساعد على اتخاذ قرارات مدروسة. بالإضافة إلى أهمية المحافظة على تنوع الخيارات المهنية، وتقديم ريادة الأعمال بوصفها مسارًا يتطلب استعدادًا ذا تأطير تشاركي، دون إغفال اختلاف المقومات والتفاوت بين الأشخاص والمشروعات.
وتأسيسًا على ذلك؛ تزداد فاعلية هذه الجهود عندما تستند إلى معلومات موثوقة عن احتياجات جهات العمل، وتستفيد من تجارب الشباب وملاحظاتهم. ويتيح ذلك مراجعة البرامج وتوجيه الموارد إلى تدخلات أكثر اتصالًا بالاحتياجات الفعلية.
ثالثًا: تعزيز المشاركة الشبابية في التنمية وصنع الحلول:
لا مندوحة أن المشاركة الشبابية تسهم في تحديد الاحتياجات، واقتراح الحلول، وتصميم المبادرات، وتنفيذها، وتقييمها. وتوفر اللقاءات الحوارية مجالًا للاستماع إلى تجارب الشباب وتطلعاتهم، وتتعزز فائدتها بوضوح أهدافها، وتوثيق مخرجاتها، وتحديد مسارات التعامل معها.
لذلك؛ يا حبذا أن يكون هناك فريق عمل يجمع بين وزارة العمل وبعض مؤسسات القطاع الخاص والأكاديمية والمعاهد التدريبية، لدراسة ترتيب المقترحات وفق أهميتها وقابليتها للتنفيذ، وتحديد ما تستطيع الجهة المنظمة متابعته ضمن اختصاصاتها ومواردها، وما يمكن عرضه على الجهات المختصة للنظر فيه عبر القنوات المناسبة.
ومن المُسلَّم به أنَّ مناقشة المقترحات أو رفعها لا تعني بالضرورة اعتمادها، وأن تنفيذها يرتبط بالاختصاص والإمكانات والإجراءات المعمول بها. مما يؤدي وضوح هذه الرؤية إلى بناء الثقة وإدارة التوقعات على أسس واقعية. وفي الوقت ذاته تتعزز جودة المشاركة حين يقترن عرض التحديات بأفكار مدروسة، واستعدادًا للعمل الجماعي، وقبول التقييم والتطوير. وتتيح المشروعات المجتمعية والتطوعية للشباب ممارسة هذه الأدوار، واكتساب الخبرة، وتحويل أفكارهم إلى نتائج يمكن مُلاحظتها وتقييمها.
وصفوة القول.. إنَّ الاستثمار في الشباب يكتسب أثره حين يرتبط التأهيل بفرص التطبيق، والمشاركة بآليات المتابعة، والمبادرات بمقومات الاستمرار. فحين تتكامل جهود المؤسسات مع وعي الشباب ومبادرتهم، تتسع فرصهم في بناء مستقبل مهني مستقر، وتتعزز فاعليتهم ودورهم في التنمية الوطنية.
وبغية تذليل الصعوبات، وتسخير الإمكانات للشباب، نُوصي بدراسة المقترحات الآتية: تطوير برامج تأهيل تطبيقية تستند إلى احتياجات مهنية محددة، وتتضمن أدوات لقياس اكتساب المهارات ومدى تطبيقها بعد التدريب، وتعزيز خدمات التوجيه والإرشاد المهني بما يساعد الشباب على فهم المسارات المتاحة ومتطلباتها، واتخاذ قرارات تتناسب مع قدراتهم واهتماماتهم، وتوسيع الشراكات لإكساب الشباب الخبرة العملية من خلال برامج واضحة الأهداف والمهام والإشراف والتقييم، تراعي الأطر القانونية والتنظيمية ذات الصلة، ووضع آلية لمتابعة مخرجات اللقاءات الشبابية تتضمن توثيق المقترحات وترتيب أولوياتها، وتحديد مسؤولية المتابعة، وإطلاع المشاركين على ما يُتخذ بشأنها، وتوفير إرشاد متدرج لأصحاب المبادرات والمشروعات يشمل اختبار الجدوى والمتطلبات المالية والقانونية والتشغيلية، قبل التوسع في الالتزامات والنفقات.
** دكتوراة في القانون الدستوري والعلوم السياسية
