هيثم نافل والي
أعتبره من زمرة الشباب، بل إن الحقيقة أقرب من ذلك؛ فهو أخي في البرج، ويكبرني بسنة واحدة فقط!
سمعت عنه في غربتي، ثم وجدت كتبه في رحلتي الأخيرة إلى مصر، وكالعادة، قرأت ما اقتنيت من رواياته الواحدة تلو الأخرى تباعًا، وخرجت بهذه النتيجة المذهلة:
يُقال إن الرمح لا يختبئ في شوال؛ وأعمال صاحبنا لا أستطيع إدراجها ضمن قوائم الروايات العالمية للآداب التي نعرفها. خاصمنا صديقنا أم لم يخاصمنا، هذا رأينا.
النتيجة نفسها، والهدف ذاته، والطريق لا يختلف، والخطة لم تتغير، وسكته لم تنحرف. هذا ما أحب تسجيله بعد أن اطّلعت على أعماله الكتابية، رغم الضجة والأرباح، ورغم الترجمة وعلامات النجاح.
لعبة، وشدّ، وحبكة بوليسية، وأهداف كثيرة غير مرئية من الوهلة الأولى، لكنها تبقى جميعها بعيدة كل البعد عن الأدب الروائي الإنساني العالمي الخالد الذي نعرفه، ذاك الذي نتوخّاه منه وما زلنا ننتظره!
الدقة التي يكتب بها ليست دقة قلم، بل دقة كمبيوتر مبرمج وفق حسابات آلية مُعدّة مسبقًا، لا إحساس بشريًا فيها، ومجرّدة من المشاعر؛ تلك التي لا يمكن للفن أن يكون إلا بتوافرها وحضورها. ما نفع الأدب لو تخلّى عن الوصف الآدمي؟ ماذا عن التعبير عن حالات الغضب أو الحب أو الفرح أو الحزن؟ ماذا تبقّى منه؟ وصف الإحساس هو لبّ عمل الكاتب المتميز المبدع، وما سواه عمل عادي لا يسعى إلا إلى الربح والشهرة على حساب القيمة الحقيقية للأشياء. وفي رأيي، لن يكون خالدًا؛ لأن عمره قصير بحكم التغيّر والسرعة والعلم والتقنية، على عكس الأعمال التي سنذكرها، لما تتسم به من إنسانية، ولما لها من تحكّم وتأثير في حياة الفرد بشكل مباشر، دون تزويق خادع مؤقت قابل للزوال في أي لحظة من لحظات التطور، والعالم دائم الحركة، سريع التطور، كما لا يخفى.
لم نعثر على خلجات الإنسان، بطل رواياته، وهو يتحرك ضمن نطاق وسياق مُعدَّين مسبقًا بشكل آلي، كما قلنا، بحرص وحذر، دون أن نشم رائحة المكان الذي يتحرك فيه. لن تجد أي انفعالات حقيقية، دقيقة، إنسانية، طبيعية، تؤثر فيك وأنت تقرأ رواياته؛ فكل شيء فيها موجود إلا الإحساس، والفن لا يقوم إلا على وجود الأخير. رضي عنا براون أم لم يرضَ، فهذا قولنا بعد قراءة دقيقة وعميقة لكل حرف سجّله. وأبعد ما توصّل إليه في الوصف هو ما كرّره مئات المرات: «تسارع نبض قلبه»! ما هذا، بحق الله؟ ثم أراد أن يوهم القارئ بأن البطلة رجل في الوهلة الأولى، فقال عنها: «كان»، ثم بعد صفحة كاملة من الأحداث رجع عن قوله فكتب: «لم يكن يعلم بأنها سيدة، فقد كانت...»! كيف يعني؟ العلم عند الله سبحانه وتعالى.
نتقدم قليلًا لنصل إلى مسألة الهدف، أو الخدمة التي يقدمها براون للبشر من وراء أعماله:
لن تجد ثقبًا واحدًا في نصوصه، ولا حتى مسامّة في نسيجها، خارج نطاق كونها المرسوم بدقة. حِيكَت بشطارة شيطانية مذهلة، لكنها تبقى، في عرفنا، شطارة بائع يروّج لبضاعة صُنعت في وقتها؛ سوقها اليوم، وليس الغد. كان براون يفهم في الربح والخسارة جيدًا، كمقاول بناء ناجح لا يفكر في البناء بقدر ما يفكر في الدولار. مسكين شاعرنا الجميل بيرم التونسي، عندما ترك جامعته نتيجة الفقر ليفتتح دكانًا للبقالة يسترزق منه، وهناك أبدع! ويذكّرني هذا برائد المسرح العربي توفيق الحكيم، عندما كان يدرس في فرنسا ويتخلى عن الموزة التي اعتاد شراءها مرة في الأسبوع ليوفّر ثمن بطاقة دخوله إلى المسرح. لله في أمره شؤون!
اعتماد براون على المغامرة والسرد السريع المتواصل، المحبوك بشكل أكاديمي، ينقصه الإبداع الحسي الوصفي المتعارف عليه في تكوين أي نسيج درامي روائي، خاصة أنه لم ينجز لنا، نحن البشر، ما كنا نوده، رغم ترجمة أعماله إلى أربعين لغة، وتحقيقها إيرادات مالية يصعب على الشيطان عدّها أو حصرها. وكل ما خرج به هو التالي:
القديم أفضل من الجديد، وهو ما جرى تطويره لاحقًا. النشوء الأول كان في العهود القديمة. كما حاول أن يقول إن الدين لا يقبل بالعلم، ولا يسمح له بأن يؤدي دوره في التوعية والإرشاد، بل إن الدين حارب العلم وفنّد أعماله. ثم يعرّج على مسألة الجماعة الماسونية التي أصدع بها رؤوسنا المتصدعة أصلًا من كثرة المنظمات والأحزاب والحركات الموجودة في العالم، وبدأ يشرح لنا أمورًا شائقة عنها، مثل نجمة داود ورمزها، وختم الدولار الأمريكي وعلاقته بالماسونية وبالنجمة اليهودية. لسنا بحاجة إلى ذلك، نحن البشر الذين نود الحياة بكرامة وحرية على الأرض.
ترى، ما الذي قاله جديدًا؟ تحدث عن تقنيات متطورة جدًا؛ نعم، سنعرفها غدًا. وتحدث عن أسرار الفاتيكان وأقبيةِه، وعن رموز غاليليو وجماعته، وعن الحروب الداخلية بين الأنصار والمعادين للماسونية، وعن دور المخابرات الأمريكية، وهكذا يلف ويدور بنا في مصانع لا تُغني فقيرًا ولا تُشبع جائعًا. هل هذا هو الأدب الروائي الإنساني الذي ينتظره البشر؟!
لا أعرف لماذا، وأنا أتابع أعماله، وجدت نفسي أتذكر بقوة مكتشف «غوغل»، الذي حقق خلال 12 سنة إيرادات وصلت إلى 54 مليار دولار أمريكي، ومخترع «كوكاكولا»، وصانع «الهمبرغر»، وكل تلك الصناعات التي جلبت لأصحابها ما لم يحلموا به، ودرّت عليهم ثروات تساوي اقتصادات بلدان نامية كثيرة مجتمعة!
لم نرَ في كتاباته ما حدّثنا عنه نيكوس كازانتزاكيس في إحياء التراث وغضب الإنسان تجاه التقاليد والأعراف في رائعته «المسيح يصلب من جديد»، ولم نجد ثورة الإنسان ضد الفقر في رواية جون شتاينبك «عناقيد الغضب»، ولم نعثر على تصادم الإنسان مع ذاته، بين الكفر والإلحاد وعلاقتهما بالإيمان الواعي، في ثلاثية دوستويفسكي «الإخوة كارامازوف»، التي قال عنها مؤلفها: «أستطيع الحياة بعد كتابتها عشرين عامًا أخرى!». ولم نجد قوة ماركيز الذهنية في «مئة عام من العزلة»، تلك التي تحاكي الإنسان وقدره. والقائمة تطول بمثل هذه الأعمال الروائية الخالدة التي تصلح لكل العصور الإنسانية وتعيش فيها.
ترى، أليس من حقنا أن نسأل: هل براون ماسوني؟ ما علاقته بتلك الحركة؟ هل جرى تمويله من خلال أعضاء بارزين في تلك الحركة، وجعلت منه أحد أهم مئة شخصية في العالم أثّرت فيه؟ ما حجم التعاون بينهم؟ لماذا أراد دائمًا أن يوضح للقارئ أن الماسونية خلاّقة، وأن الانتماء إليها يستوجب اتباعها؟ والارتقاء في سُلّم الماسونية يتطلب مالًا كثيرًا، كما في حالة الترشح للرئاسة الأمريكية. أليس هناك رابط بين ما ينتجه وتلك الدعاية وذلك الترويج؟ لماذا لم يُجب عن سؤال كونه مسيحيًا؟ أجاب بثلاثة أجوبة ولم يُجب عن السؤال! لماذا يرغب الناس في معرفة ما تحويه الماسونية من أسرار عظيمة يُقال إنها تفيد البشرية لو كُشف النقاب عنها؟ هو، طبعًا، لم يكشف شيئًا، كالعادة. وعندما لا يعرف الجواب، هل يهرب منه؟ يرميه للقدر، ويفجّره قبل نضوجه!
