أن نقرأ العالم من عيونهن: نساءٌ بين السطور وفي ذاكرة الحكاية

 

 

 

ليلى البريكي

هل نقرأ نساءنا في الكتب؟ ربما لا نبحث عنهنّ بشكل مباشر، لكننا نصادفهنّ بين الصفحات؛ في طريقة عيشهن، وفي الأشياء التي يخشينها، وفي ما ينتظرنه، وفي تفاصيل يومية قد تبدو عابرة، لكنها تقول شيئًا عن زمنٍ كامل.

أحيانًا نقرأ عن امرأة عاشت قبلنا، فنجد أنفسنا نتوقف عند حياتها أكثر من الحكاية نفسها. نتساءل كيف كانت ترى أيامها، وما الذي كان يشغلها، وما الذي حملته معها ولم تقله.

وربما لهذا أحب أن أقرأ النساء في الكتب. ليس بحثًا عن صورة واحدة للمرأة، ولا اعتقادًا بأن ما تحكيه الرواية يمثل حياة النساء جميعًا، وإنما لأن الحكاية تترك لنا شيئًا من أثرهن؛ شيئًا صغيرًا ربما لم يكن ليصل إلينا لولا أنه وجد مكانًا بين السطور؛ فالكتب لا تحفظ حياة النساء كاملة، لكنها أحيانًا تحفظ ما يكفي كي لا تختفي حياتهن تمامًا.

فكم من امرأة عاشت أحداثًا لم تستطع أن تحكيها، أو مضت من الحياة قبل أن تجد من يسألها عمّا مرّت به؟ وكم من تفاصيل عاشت معها، ثم انقطعت بانقطاع صوتها؟

هنا تأتي الحكاية متأخرة أحيانًا؛ لا لتتكلم بدلًا عنها، ولا لتدّعي أنها تعرف كل ما حدث، وإنما لتترك لها أثرًا يصل إلى من يأتي بعدها.

تحفظ شيئًا من أيامها، من خوفها، ومن فقدها، ومن الأشياء التي حملتها بصمت، حتى يعرف جيلٌ لم يعش ذلك الزمن أن هناك نساءً عشنه من قبلهن، وأن ما يبدو لنا اليوم بعيدًا كان يومًا ما حياةً كاملة لأشخاص حقيقيين.

من هنا بدأتُ أفكر في المرأة العُمانية التي نلتقي بها في الأدب: لا المرأة بوصفها صورة في العناوين والاحتفالات، ولا ما حققته من إنجازات فحسب، وإنما المرأة التي تعيش داخل الحكاية، بين جدران البيوت وفي تفاصيل اليوم العادي. ماذا تتيح لنا الرواية أن نفهم عنها؟ وماذا يمكن أن نتعلم من تجاربها، من مواقفها، ومن تلك الخيوط الصغيرة التي قد لا نجدها في الكتب التي تحفظ التاريخ بصورته الرسمية؟

ربما لا تمنحنا الرواية إجابة كاملة، لكنها تمنحنا شيئًا آخر: زاوية للنظر.

حين نقرأ شخصية نسائية في رواية، نحن لا نلتقي بالمرأة العُمانية كلها؛ فالأدب ليس سجلًا إحصائيًا، ولا وثيقة تاريخية محايدة. إنه واقع أعيد تشكيله بالكلمات، واختار كاتبه أي الشخصيات يقرّبها، وأي التفاصيل يمنحها صوتًا، وأي اللحظات يتركها في الظل. ولهذا لا أقرأ الرواية لأعرف: «كيف كانت المرأة العُمانية؟» وكأن هناك إجابة واحدة تختصرنا جميعًا، بل أقرأ لأتساءل: كيف اختارت هذه الحكاية أن تريني امرأة عاشت في ذلك الزمن؟ وما الذي جعلتني أراه من حياتها ولم أكن لأراه من خلال سرد التاريخ وحده؟

قد يحفظ التاريخ أسماء المعارك وتواريخها، ويحفظ أسماء الرجال الذين كانوا في مقدمة الأحداث، لكن الرواية تأخذنا إلى مكان آخر: إلى البيت الذي بقيت فيه امرأة تنتظر، إلى الخوف الذي لا تظهره الوثائق، وإلى طفل يكبر وسط الغياب، وإلى جلسة بين نساء يستعيدنا قصة قديمة لأن استعادتها تمنح الحاضر القاسي شيئًا من الألفة والدفء.

في ثلاثية «البيرق» لشريفة التوبي، مثلًا، تظهر شخصيتا "عويدة" و"جوخة" في عالم أثقلته الحروب والفقر وغياب الرجال. هناك تتسلل تفاصيل الحياة اليومية لتصبح جوهر الحكاية؛ من رعاية الأسرة إلى اقتسام أعباء العيش، ومن التعامل مع الخوف والفقد إلى مجالس النساء واسترجاع الماضي. حين أقرأ عنهن، أجد أن جلسات النساء وتداول الحكايات القديمة لم تكن لمجرد ملء الفراغ، بل كانت وسيلتهن لمقاومة الوحشة ولحفظ الذاكرة الشفهية للمكان.

هنا لا تعنيني "عويدة" أو "جوخة" بوصفهما نموذجًا متخيلًا فقط، بقدر ما تعنيني الأسئلة التي تفتحها حكايتاهما: ماذا يعني أن تعيش امرأة في زمن يغيب فيه الرجال بسبب الحرب أو الهجرة؟ ماذا يحدث للحياة اليومية حين تقع مسؤولية استمرار البيت والأسرة كاملة على من تبقين من النساء؟

هناك فرقٌ دقيق لكنه مذهل بين أن نرى المرأة في الحكاية، وأن نحاول أن نرى العالم من عينيها.

حين نحاول القراءة من عينيها، نسأل: كيف يبدو هذا العالم بالنسبة إليها؟ ماذا يعني لها البيت، والغياب، والعمل، والصمت؟

في رواية «دلشاد: سيرة الجوع والشبع»، كانت "مريم" من الشخصيات التي جعلتني أفكر مليًا في هذا النوع من القراءة؛ لا لأضعها في خانة تمثل الجميع، بل لأنها فتحت بابًا للنظر في حياة امرأة تخوض تجربتها الخاصة داخل ظروف وعلاقات اجتماعية معقدة، وتجعلنا نتساءل: كم من الحيوات اليومية لنسائنا يمكن أن نتعرف إليها ونشعر بها من خلال الأدب، حتى وإن لم نعش زمنهن؟

ويزداد هذا السؤال عمقًا حين لا تكون المرأة مجرد شخصية نراها عبر عين الراوي، بل تصبح هي التي تروي تجربتها بنفسها.

فيما تأخذنا «مذكرات أميرة عربية» للسيدة سالمة إلى مكان مختلف تمامًا؛ فنحن لا نقترب من امرأة عبر شخصية صنعها كاتب، بل من صوت امرأة عُمانية تروي سيرة حياتها وتجربتها كما عاشتها هي. وهنا يظهر الفرق بين امرأة نعرفها لأن شخصًا آخر حكاها، وامرأة تمنحنا صوتها لتستعيد حقها في التعبير عن ذاتها.

وأحيانًا أشعر أن ما يبقى لي من النساء في هذه الكتب ليس الحدث الكبير ولا نهايات القصص، بل تلك التفاصيل البسيطة التي مرت بهدوء: طريقة صمت امرأة، أو انتظارها، أو حديث عابر على درج بيت قديم. تفاصيل لم تكن تبدو مهمة في وقتها، لكنها الآن تصبح مثل خيط ساحر يربطنا بحياة كاملة.

وفي أحيان كثيرة، أجدني بعد إغلاق الكتاب أنظر إلى النساء من حولي بطريقة مختلفة.

وأتذكر أُمًا، أو جدة، أو امرأة أعرفها، وأفكر في الأشياء التي عاشتها ولم تخبرنا بها، وفي تفاصيل من حياتها ربما بدت لها عادية، لكنها لو رُويت يومًا قد تخبرنا الكثير عن الزمن الذي عاشته. أكتشف حينها أن الحكايات لا تحفظ الماضي فقط، بل تغيّر الطريقة التي ننظر بها إلى حاضرنا أيضًا؛ تجعلنا ننتبه إلى أن كل امرأة نعرفها تحمل خلفها زمنًا من التفاصيل والذكريات، وأن ما نسمعه منها ليس بالضرورة كل ما عاشته.

في النهاية، لا أظن أن قيمة قراءة المرأة في الأدب تكمن في أن نخرج بصورة نهائية ومكتملة عنها؛ فالأدب لا يقول لنا بصوت جازم: «هذه هي المرأة العُمانية». إنما يقول، بصورة أكثر تواضعًا وجمالًا: هذه امرأة عاشت هنا، في هذا الزمن، وهذه إحدى الحكايات التي يمكن أن نرى العالم من خلالها.

ولهذا بالذات نقرأ؛ ليس لنحفظ الحكاية فقط، بل كي لا تختفي صاحبتها تمامًا.

فنحن لا نستطيع أن نردّ إلى اللاتي سبقننا كل ما فقدناه من أصواتهن، لكننا نمنح أثرهن فرصة أخرى كي يصل.. إلى قارئ لم يعش زمنهن، وإلى جيل لم يعرف أسماءهن، وإلى ذاكرة كان يمكن أن تمرّ بهن دون أن تتوقف.

إنَّ الاحتفاء الحقيقي بالمرأة، في نهاية المطاف، قد لا يكون برفع صوتٍ واحدٍ فوق كل الأصوات؛ بل بالإنصات الصادق لأصوات كثيرة مرّت من هنا، وتركَت لنا أثرًا بين السطور.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z