بدر بن عبدالله المحروقي **
عندما نتحدث عن ريادة الأعمال، تحضر الأرقام سريعًا: رأس المال، والإيرادات، ونسب النمو، وفرص التوسع. لكننا نادرًا ما نسأل عن الإنسان الذي يقف خلف هذه الأرقام؛ كيف ينام؟ ماذا يقلقه؟ ومن يستمع إليه حين تتراكم الالتزامات ويصبح مطالبًا بأن يبدو واثقًا ومتماسكًا، بينما يحمل في داخله أسئلة ومخاوف لا يملك دائمًا إجاباتها؟
بمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي يوافق العاشر من أكتوبر، أرى أننا بحاجة إلى إفساح مساحة أوسع لهذا السؤال في حديثنا عن ريادة الأعمال: كيف نبني مشروعات ناجحة، ونحافظ في الوقت نفسه على سلامة أصحابها النفسية وقدرتهم على الاستمرار؟
خلف كل مشروع حكاية لا تظهر كاملة في صور الافتتاح أو أخبار الإنجازات. هناك من ينتظر مستحقاته ليصرف رواتب موظفيه، ومن يعيد حساباته آخر الليل حتى يفي بالتزاماته، ومن يواجه تعثرًا ويخشى أن يبوح به حتى لا تهتز ثقة الآخرين في مشروعه. وقد يعود رائد الأعمال إلى منزله، لكن العمل يظل حاضرًا في ذهنه، على مائدة أسرته، وفي ساعات راحته، وحتى في محاولاته للنوم. فبعض الأعباء لا تنتهي بانتهاء يوم العمل، بل تستمر في صورة قلق صامت واستنزاف ذهني لا يراه الآخرون.
ويزداد هذا العبء حين نرسم للنجاح صورة لا تعترف بالتعب. نحتفي بمن يعمل بلا توقف، ونصف انشغاله الدائم بأنه دليل طموح، ثم نطالبه بمزيد من الصبر كلما أرهقته الرحلة. بهذه اللغة، قد نجعل الإنسان يشعر بالذنب حين يرتاح، وبالضعف حين يطلب المساندة، وكأن عليه أن يدفع من صحته النفسية ثمنًا لإثبات جديته. والأخطر أن يعتاد إخفاء تعبه إلى الحد الذي يصبح فيه الاستنزاف جزءًا طبيعيًا من حياته، فلا ينتبه إليه إلا حين تبدأ قدرته على التركيز واتخاذ القرار والاستمتاع بالحياة بالتراجع.
علينا أن نراجع هذه الصورة. فالقدرة على الاستمرار لا تعني القدرة على التحمل بلا حدود، بل تحتاج إلى وعي بالحدود، وإلى شجاعة في الاعتراف بأن المسؤوليات قد تصبح أكبر من طاقة شخص واحد. ومن حق رائد الأعمال أن يقول: «أنا متعب»، وأن يجد من يأخذ تعبه بجدية، دون التشكيك في كفاءته أو قدرته على القيادة. فالاعتراف بالإرهاق ليس نقيضًا للقوة، بل قد يكون أول خطوات الحفاظ عليها.
ومن أصعب ما قد يواجهه صاحب المشروع أن تختلط قيمة ذاته بنتائج أعماله. تصبح خسارة الصفقة حُكمًا على شخصه، وتأخُّر المشروع دليلًا على فشله، ونجاحات الآخرين سببًا لقسوة مستمرة على نفسه. ومع الوقت، قد يجد نفسه في سباق لا ينتهي لإثبات قيمته، حتى يصبح النجاح مصدر ضغط بدلًا من أن يكون مصدر رضا. هنا ينبغي أن نرسخ معنى مهمًا: قد يتعثر المشروع دون أن يكون صاحبه إنسانًا فاشلًا، وقد تتراجع الأرباح دون أن تتراجع قيمة من يقف خلفها. نتائج المشروع قابلة للمراجعة والتصحيح، وقيمة الإنسان أوسع من ميزانية شركته. يمكنه أن يتعلم من قرار خاطئ، وأن يغير مساره، وأن يبدأ من جديد، دون أن تتحول التجربة إلى إدانة دائمة لذاته.
لكن المسؤولية لا تقع على رائد الأعمال وحده؛ فمن غير المنصف أن نطالبه بالهدوء والاتزان بينما يواجه تأخر المستحقات، وغموض الإجراءات، وتراكم الالتزامات؛ فليس كل استنزاف نفسي ناتجًا عن ضعف في إدارة الضغوط؛ أحيانًا تكون بيئة العمل نفسها مصدرًا مستمرًا لها. والحديث الجاد عن صحته النفسية يستدعي أيضًا بيئة أعمال أكثر وضوحًا وإنصافًا؛ تحترم العقود ومواعيد السداد، وتيسر الوصول إلى المشورة، وتتعامل مع التعثر بوصفه حالة تستحق الفهم والمعالجة، لا وصمة تلاحق صاحب المشروع.
وأرى أن لغرفة تجارة وصناعة عُمان، وهيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة «ريادة»، والجهات الداعمة، دورًا مهمًا في إدراج هذا البُعد الإنساني ضمن برامجها؛ إذ يحتاج رواد الأعمال إلى مساحات آمنة وموثوقة لتبادل تجاربهم بصدق، بعيدًا عن ضغوط المقارنة وصورة النجاح المثالي، وإلى إرشاد يساعدهم على إدارة الأعباء واتخاذ القرارات في أوقات الضغوط، وإلى توعية تزيل الحرج عن الاستعانة بالمختصين عند الحاجة. والدعم الحقيقي لريادة الأعمال لا ينبغي أن يقتصر على حماية استدامة المشروع، بل يجب أن يمتد إلى حماية الإنسان الذي يحمل مسؤولية استدامته.
وعلى المستوى الشخصي، تبدأ خطوات الحماية من قرارات يومية واقعية: توزيع المسؤوليات، ووضع حدود لساعات التواصل، وتخصيص وقت للراحة والأسرة، وعدم حمل كل مشكلة منفردًا. ومن المهم أيضًا أن يتعلم رائد الأعمال الفصل بين مسؤوليته تجاه مشروعه ومسؤوليته تجاه نفسه، وأن يدرك أن الراحة ليست مكافأة تأتي بعد اكتمال جميع المهام، بل حاجة أساسية لاستمرار قدرته على العطاء. وإذا أصبح الضيق مستمرًا أو مؤثرًا في النوم أو العلاقات أو الحياة اليومية، فإن طلب المساعدة المتخصصة خطوة تستحق الاحترام والمساندة.
كما أن وعي رائد الأعمال بهذه المسألة يمتد إلى فريقه. حين يحترم أوقات الراحة، ويجعل التوقعات واضحة، ويتيح للموظفين التعبير عن الضغوط دون خوف من اللوم أو الانتقاص، فإنه يترجم اهتمامه بالصحة النفسية إلى ممارسة حقيقية داخل مؤسسته؛ فالقائد الذي يدرك حدود طاقته الإنسانية يصبح أكثر قدرة على احترام حدود الآخرين، وبناء بيئة عمل لا تخلط بين الالتزام والاستنزاف.
في العاشر من أكتوبر، أتمنى أن يتسع تعريفنا للنجاح ليشمل حياة الإنسان خارج العمل، وقدرته على الاستمتاع بما يبنيه، وعلاقته بأسرته وبنفسه، وشعوره بالرضا والطمأنينة بعيدًا عن لغة الأرقام والإنجازات.
إننا نريد لرواد الأعمال أن يطمحوا ويبتكروا ويخوضوا التجارب، وأن يجدوا في محيطهم ما يعينهم على مواصلة الطريق بكرامة واتزان، دون أن يشعروا بأن عليهم الاختيار بين نجاح مشروعاتهم وسلامتهم النفسية؛ فالمشروع الذي نبنيه ليمنحنا حياة أفضل، ينبغي ألّا يستهلك قدرتنا على عيشها.
** مستشار ريادة الأعمال
