أحمد بن محمد العامري
ليست كل وحدة تجمعها الجغرافيا والتاريخ والمصالح قابلة للتحول تلقائيًا إلى اتحاد سياسي، كما أن الاتفاق على وحدة المصير لا يعني بالضرورة الاتفاق على المصالح أو القدرة على صناعة قرار مشترك. ومن هنا، فإن الدعوة إلى الاتحاد الخليجي بما تحمله من طموح مشروع وتطلعات استراتيجية، تطرح سؤالًا يتجاوز الرغبة في الوحدة إلى مدى توافر شروط نجاحها واستدامتها. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في الانتقال من مجلس التعاون إلى كيان اتحادي جديد، وإنما في بناء منظومة سياسية ومؤسسية قادرة على إدارة التباينات، وتحقيق المصالح المشتركة، وصناعة إرادة جماعية تحترم خصوصية الدول، ولا تجعل اختلافاتها مصدرًا للتعطيل.
جاءت كتابة هذا المقال انطلاقًا من متابعتي لما يطرحه عدد من الكُتّاب والمغردين الخليجيين بشأن ضرورة قيام اتحاد خليجي، وما يصاحب ذلك من نقاشات وتطلعات. ومع كامل تقديري لهذه الآراء وأصحابها، رغبت في المشاركة في هذا النقاش من زاوية مواطن عُماني يؤمن بأهمية الوحدة، ليس الخليجية فحسب، بل العربية أيضًا، لكنه يرى أن تحقيقها يتطلب نقاشًا جادًا لشروط نجاحها، لا الاكتفاء بالتعبير عن الرغبة فيها.
الواقع أن الاتحاد ليس مجرد إعلان سياسي أو استجابة لمخاوف إقليمية، بل هو مشروع لإعادة تنظيم العلاقات بين الدول، وتحديد المصالح المشتركة، وتوزيع الصلاحيات والمسؤوليات، ووضع قواعد واضحة لصناعة القرار وإدارة الخلاف. ولذلك، فإن السؤال الأهم ليس: هل نريد اتحادًا خليجيًا؟ بل: هل هيأنا الظروف التي تجعله مصدر قوة واستقرار، بدلًا من أن يصبح إطارًا جديدًا لخلافاتنا القائمة؟
لقد أظهرت التجربة الخليجية أن الروابط المشتركة، على أهميتها، لا تكفي وحدها لتوحيد المواقف في القضايا المصيرية أو الحيلولة دون وقوع الأزمات السياسية؛ فهناك فرق بين وحدة المصير التي تفرضها الجغرافيا والتاريخ والتحديات المشتركة، ووحدة المصالح التي تتطلب التفاوض والتوافق وتحديد الأولويات، ثم وحدة القرار التي تستلزم مؤسسات وقواعد ملزمة وآليات واضحة لصناعة الموقف الجماعي. فقد تتفق الدول على أهمية الأمن والاستقرار، لكنها تختلف في تقدير التهديدات وترتيب الأولويات واختيار التحالفات. وهذا التباين طبيعي ما دامت لكل دولة مصالحها وحساباتها، لكن الإشكالية تبدأ عندما تغيب الآليات القادرة على التوفيق بينها، أو تتقدم الاعتبارات الوطنية المنفردة على مقتضيات العمل الجماعي.
وقد عايشت جانبًا من هذه الإشكالية من خلال مشاركتي في إحدى مجموعات التواصل عبر تطبيق واتساب، التي ضمت عددًا من المثقفين من دول الخليج. غير أن المجموعة لم تستمر طويلًا؛ إذ كشف أول تباين في وجهات النظر عن صعوبة إدارة الاختلاف بين أعضائها. فقد اعتبر بعض المشاركين أن النقد الرصين للسياسات العامة لدول المجلس، والإشارة إلى أوجه القصور فيها، يمثلان إساءة إلى دولهم وإهانة لأوطانهم، بينما رأى آخرون أن نقد السياسات العامة ظاهرة صحية ومظهر من مظاهر المواطنة المسؤولة، ما دام ملتزمًا بالموضوعية والاحترام، وبعيدًا عن الإساءة والتجريح. ولعل هذه التجربة، على محدوديتها، تطرح سؤالًا أوسع: إذا تعذرت إدارة الاختلاف بين مجموعة من المثقفين، فكيف يمكن إدارة التباينات بين دول يجمعها مشروع للتكامل السياسي والاستراتيجي؟
إن تعزيز التكامل الخليجي يتطلب إرادة سياسية جماعية تمتلك رؤية استراتيجية تتجاوز الحسابات الآنية، واستعدادًا حقيقيًا للشراكة في صنع القرار، ومؤسسات ذات اختصاصات محددة، وقواعد واضحة تنظم العلاقة بين السلطات الوطنية والمؤسسات المشتركة. كما يتطلب ضمان عدم هيمنة طرف على آخر، وألا يُستخدم التمسك بالسيادة الوطنية مبررًا لتعطيل الالتزامات الجماعية المتفق عليها. فالنجاح لا يتحقق بإلغاء خصوصية الدول أو الانتقاص من سيادتها، بل بإيجاد توازن عادل بين مصالحها الوطنية والتزاماتها المشتركة، يضمن تكافؤ الشراكة واستدامتها.
ولا تنفصل هذه المسألة عن طبيعة علاقات دول الخليج بالقوى الدولية والإقليمية. فاستقلال القرار الاستراتيجي لا يتحقق بمجرد جمع الدول تحت مظلة سياسية واحدة، بل يحتاج إلى تصور مشترك للأمن والمصالح والتحالفات، يمنع تحول التباينات في العلاقات الخارجية إلى مصدر للتنافس أو الإضرار بالأولويات الخليجية. والمطلوب ليس الانكفاء عن العالم، وإنما بناء شراكات متوازنة تنطلق من المصالح الخليجية، وتمنح القرار الجماعي استقلاليته، دون أن تفرض على الدول تطابقًا كاملًا في جميع علاقاتها الخارجية.
أما الاستشهاد بالتجربة الأوروبية لإثبات أن اختلاف الدول لا يمنع اتحادها، فينبغي ألا يقتصر على الإشارة إلى دور الشعوب في دعم الوحدة. فالدرس الأهم يكمن في التدرج في التكامل، وبناء المؤسسات المشتركة، والتفاوض على المصالح، والتوافق على قواعد قانونية ملزمة، وإيجاد آليات لاتخاذ القرار وتسوية الخلافات. ولم يُلغِ الاتحاد الأوروبي تناقضات أعضائه، بل أوجد أطرًا مؤسسية وقانونية لإدارتها، مع ما واجهه ولا يزال يواجهه من أزمات وتحديات. ومن ثم، فإن الاستفادة من هذه التجربة لا تكون باستنساخ نموذجها، بل بفهم الآليات التي جعلت التعاون المؤسسي ممكنًا رغم اختلاف المصالح.
وتقدم تجربة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2020 درسًا مهمًا في هذا السياق؛ فقد كشف استفتاء عام 2016، الذي صوّتت فيه أغلبية المشاركين لصالح الانسحاب، أن استدامة الاتحادات لا تتحقق بمجرد جمع الدول تحت مظلة مؤسسية، بل تتطلب المحافظة على ثقة الشعوب، وتحقيق التوازن بين المصالح المشتركة والخصوصيات الوطنية، وإبقاء المشروع الاتحادي مرتبطًا بتطلعات المواطنين وقناعتهم بجدواه.
وهنا يبرز سؤال خليجي جوهري: ما الدور الذي تؤديه الشعوب في تحديد مستقبل التكامل الخليجي؟ وهل تمتلك الأدوات التي تتيح لها المشاركة في صياغة أولوياته ومساءلة مؤسساته؟ إن بناء منظومة خليجية أكثر تكاملًا واستدامة يتطلب عقدًا اجتماعيًا جديدًا بين المواطن والكيان الخليجي المشترك، يقوم على المشاركة في صنع القرار، والشفافية والمساءلة، وصون الحقوق، وتحديد الواجبات والمسؤوليات المتبادلة، وضمان انعكاس ثمار التكامل السياسي والاقتصادي على حياة المواطنين ورفاههم. فالتكامل ليس اتفاقًا بين الحكومات فحسب، بل مشروع يستمد شرعيته من شعوبه، ويُقاس نجاحه بقدرته على تحقيق تطلعاتها وحماية مصالحها، من خلال صيغ مؤسسية تتناسب مع خصوصية المجتمعات الخليجية.
ولا تقل الثقة المتبادلة أهمية عن بقية هذه الشروط؛ فهي لا تُبنى بمجرد إعلان النوايا، وإنما من خلال الممارسة والالتزام واحترام التوافقات. ويتطلب ذلك استمرار الحوار عند اختلاف المواقف، والاحتكام إلى آليات مؤسسية متفق عليها لتسوية النزاعات، وضمان تنفيذ ما يتم التوافق عليه، حتى لا تتحول الخلافات السياسية إلى أزمات تعطل مسيرة التعاون. فالمطلوب ليس إزالة الاختلاف، بل بناء قواعد تضمن إدارته، وتحول دون أن يصبح سببًا للقطيعة أو تعطيل المصالح المشتركة.
ومن هنا، فإن الطريق الواقعي نحو تكامل خليجي مستدام لا يبدأ بالقفز إلى إعلان اتحاد سياسي، ولا يتطلب انتظار زوال جميع الخلافات، بل يقوم على بناء مقومات الشراكة تدريجيًا، عبر تعزيز التكامل الاقتصادي والدفاعي، وتنسيق السياسات الخارجية حيث تتوافق المصالح، وتطوير المؤسسات المشتركة، وتوسيع المشاركة الشعبية، وربط الالتزامات بأهداف واضحة وآليات للتنفيذ والمساءلة. فكل خطوة ناجحة في التكامل تهيئ لما يليها، وتمنح مشروع الوحدة أساسًا عمليًا أكثر رسوخًا من الاكتفاء بإعلان النوايا، مع إبقاء المجال مفتوحًا أمام الدول للتوافق على الشكل المؤسسي الذي يلبي تطلعاتها ومصالح شعوبها.
إن الخطر يكمن في أن يتحول التقارب الخليجي إلى استجابة للخوف من الخارج، دون معالجة مكامن الضعف في الداخل. فالتهديدات قد تدفع الدول إلى التقارب، لكنها لا تضمن استمراره؛ إذ يرتبط ذلك بعدالة الشراكة، وتوازن المصالح، واستقلال القرار، وفاعلية المؤسسات في إدارة الاختلاف.
لسنا بحاجة إلى التخلي عن طموحات الوحدة الخليجية، ولا حتى عن حلم الاتحاد العربي، بل إلى تحرير هذه الطموحات من العاطفة التي تستعجل نتائجها قبل استكمال شروطها. فالوحدة ليست مجرد انتقال من مجلس التعاون إلى كيان سياسي جديد، وإنما انتقال من تنسيق المواقف إلى صناعة القرار المشترك، ومن التقارب المعلن إلى الشراكة الفعلية، ومن وحدة المصير في الخطاب إلى تحمل مسؤولياتها في الواقع.
وقبل أن نتحد في كيان واحد، علينا أن نتعلم كيف نختلف دون أن نتخاصم، وكيف نتعاون دون أن يتغلب أحدنا على الآخر. فالخليج لا يحتاج إلى إطار يجمع خلافاته تحت سقف واحد، بل إلى مشروع يحوّل اختلافاته إلى مصدر قوة، ومصالحه المشتركة إلى إرادة سياسية، وتطلعات شعوبه إلى عقد اجتماعي جديد وواقع مؤسسي مستدام.
