شيخة بنت سالم المعمرية
المرأة العُمانية قصة حضور مُمتد عبر التاريخ، عُرفت بالقوة والصبر والجد والاجتهاد، وأسهمت في مختلف ميادين الحياة. كانت أمًّا ومعلّمة وفقيهة، ومرجعًا يُرجع إليه في شؤون العلم والدين، وتركت نساء عُمانيات بصمات بارزة في صفحات التاريخ. ومن الحقل والبيت في الماضي إلى قاعات الشورى والمحاكم والجامعات اليوم، ظلّت المرأة العُمانية وفيّةً لجذورها، مُنفتحةً على مستقبلها، مستندةً إلى إرثٍ من العمل والعطاء، وإلى تشريعات تكفل حقوقها وتُعزز حضورها.
وحضور المرأة العُمانية في الحياة العامة امتد عبر مراحل التاريخ؛ إذ برزت نساءٌ عُمانيات عُرفن بالعلم والحكمة والمشاركة في شؤون المجتمع. وعرفت عُمان فقيهاتٍ يُرجع إليهن في الفتوى ويُؤخذ برأيهن، ومنهن عائشة الريامية التي اشتهرت بعلمها رغم فقدانها البصر، وكانت النساء يقصدن الفقيهات في أمور دينهن، فكنّ مرجعًا علميًا في مجتمعاتهن قبل أن تتخذ المرجعية العلمية صورتها المؤسسية الحديثة. ومن الأسماء التي تجاوز أثرها حدود الوطن الأميرة سالمة بنت سعيد بن سلطان، التي وثقت جانبًا من تجربتها الحياتية في مُذكراتها، لتترك شهادة تاريخية عن عصرها ومجتمعها.
ومن هذا الإرث، نفهم أنَّ التشريعات التي تكفل للمرأة اليوم حقوقها في التعليم والعمل والمشاركة لم تنشئ من فراغ، بل جاءت لتصون حقوقها وتعزز مكانتها. وهو ما يمنحني، بصفتي امرأة عُمانية ومحامية، شعورًا بالفخر والمسؤولية؛ فأنا لا أتناول هذه الحقوق بوصفها نصوصًا قانونية فحسب، بل أتعامل معها في مُمارستي المهنية، وأسهم من خلال عملي في مكتب محمد إبراهيم للمُحاماة وما نقدمه في التعريف بها وتقديم الخدمات القانونية التي تساعد على حمايتها. فالحقوق تكتمل قيمتها حين تعرفها المرأة، وتتمكن من مُمارستها والاستناد إليها في حياتها اليومية.
وقد تعزز هذا الأصل الدستوري بتوجيه القيادة الحكيمة؛ إذ أكد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المُعظم- حفظه الله ورعاه- في خطابه السامي الأول حرصه على أن تتمتع المرأة بحقوقها التي كفلها القانون، وأن تعمل مع الرجل جنبًا إلى جنب في مختلف المجالات، فصار ما قررته المادة (15) من النظام الأساسي من مساواة نهجًا ساميًا تتبناه القيادة وتحرص على ترسيخه، ثم جاء التوجيه السامي بتخصيص أحد عشر مقعدًا إضافيًا للمرأة في مجلس الشورى، بواقع مقعد لكل مُحافظة، ليترجم هذا النهج من القول إلى التمكين، ومن النص إلى المشاركة في صناعة القرار.
وفي ميدان العمل، قررت المادة (84) من قانون العمل إجازة وضع مدتها (98) ثمانية وتسعون يومًا تغطي ما قبل الولادة وبعدها، وإجازة وفاة الزوج بـ(130) يومًا للعاملة المُسلمة و(14) يومًا لغير المسلمة. ثم جاء القرار الوزاري رقم (656/2011) ليوازن بين حق المرأة في العمل وحقها في الأمان، فحدّد الأحوال والأعمال والمناسبات التي يجوز فيها، على سبيل الاستثناء، تشغيل النساء ليلًا بين التاسعة مساءً والسادسة صباحًا، وقيّد هذا التشغيل بأن يوفر صاحب العمل للعاملات ضمانات الحماية والرعاية والانتقال والأمن.
ولأنَّ الحقوق لا تكتمل خارج البيت وحده، أحاط قانون الأحوال الشخصية المرأة داخل الأسرة بسياج من النصوص، وفي سياق متصل، أوجب قانون العمل الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (53/2023) على صاحب العمل معاملة العمال على قدم المساواة متى تماثلت طبيعة عملهم وظروفه (المادة 23). كما حظر فصل العاملة بسبب حملها أو ولادتها الوشيكة، أو أثناء إجازة الأمومة أو الرضاعة. وأتاح للأم العاملة سندًا إضافيًا في رعاية طفلها، فـمنح العاملة المرضعة ساعة يوميًا تحددها بنفسها لرعاية طفلها لمدة عام بعد انتهاء إجازة الوضع، وتُحتسب من ساعات العمل الفعلية، وأجاز منحها بناءً على طلبها إجازة بدون أجر لرعاية طفلها لمدة لا تتجاوز عامًا، وألزم المنشأة التي تزيد عاملاتها على 25 عاملة بتوفير مكان مخصص لاستراحة المرأة. ومن مظاهر الإنصاف أيضًا أنَّ القانون الجديد لم يقيّد إجازة الوضع بعدد الولادات، بعد أن كان القانون السابق يحدّها بثلاث ولادات.
وفي إطار تنظيم هذه الإجازة، نظّم قانون الحماية الاجتماعية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (52/2023) فرعًا لتأمين إجازات الأمومة، تلتزم جهة العمل بموجبه بسداد اشتراك شهري إلى الصندوق بواقع (1%) من الأجر، فانتقل هذا الحق من إطار الالتزام التعاقدي إلى إطار النظام التأميني.
وفي الختام.. لم تنتظر المرأة العُمانية نصًا يمنحها مكانتها، فقد صنعتها بعلمها وعملها، ثم جاء القانون فكتب ما كانت قد أثبتته. واليوم تجتمع لها ضمانات دستورية تكفل المساواة، وتشريعات تحمي حقوقها، وقيادة تؤمن بشراكتها، فتمضي بخطى ثابتة نحو المستقبل، مستندةً إلى قانون يصون حقوقها، وتاريخ يشهد على إسهاماتها.
