«تيتانيك العرب» والسفينة تغرق بنا جميعًا! (الرابعة)

 

 

 

 

د. مجدي العفيفي

 

الصرخة الرابعة.. من قلب الغرق

(21)

نعم.. ليست منطقتنا وحدها هي السفينة التي تغرق. الكوكب كله سفينة تايتانيك جديدة، تقوده قوى عظمى أصابها جنون الغرور، تتلهى بحروب عبثية ومسرحيات سياسية سخيفة، بينما الماء يتسلل إلى كل الطوابق، والاصطدام بالجبل الجليدي صار مسألة وقت.

أمريكا… قبطان الأوهام.. أمريكا التي نصّبت نفسها شرطيًا للعالم، تمارس عبثها الكوني بلا رقيب: حروب تشعلها حيثما أرادت، ثم تتنصل من نتائجها كما فعلت في أفغانستان والعراق.

اقتصاد ينهش كوكب الأرض بلا رحمة، من أجل أرباح شركات عابرة للقارات.

سياسات داخلية تصنع الانقسام، ثم تُصدّر خطاب الحرية والديمقراطية للعالم بينما تقمعها في أماكن أخرى.

أمريكا اليوم هي قبطان أعمى يعتقد أن بإمكانه إعادة صياغة خريطة العالم بالقوة، غير مدرك أن السفينة التي يقودها تتصدع من الداخل.

(22)

روسيا والصين جبال الجليد الصامتة.. روسيا، التي حلمت باستعادة أمجاد الاتحاد السوفيتي، تحوّلت إلى قوة عسكرية متورطة في حروب استنزاف، بينما اقتصادها ينزف.

الصين، التي تبني إمبراطوريتها الاقتصادية، تغضّ الطرف عن الكارثة البيئية التي تساهم هي في صناعتها، وتكتفي بلعب دور التاجر الصامت الذي ينتظر لحظة انهيار الآخرين ليقتنص الفرصة.

هذه القوى، ببرودها القاتل، تشكّل جبال الجليد التي تصطدم بها السفينة العالمية.

أوروبا… القارة العجوز التي تلهو بالزينة..  بينما يشتعل الشرق الأوسط، وتتحرك إفريقيا في فوضى، ويتآكل القطبان، تنشغل أوروبا بجدالات الهوية، والهجرة، والانتخابات الشكلية.

قارة تلهو في قاعات الدرجة الأولى، بينما حرارة الكوكب ترتفع، ومحيطاته تتمدد، وجيوش اللاجئين تدق أبوابها.

(23)

العالم يلهو… والكوكب يحتضر..  كل القوى العظمى – بلا استثناء – تتعامى عن الحقيقة الصارخة: الاحتباس الحراري يلتهم المدن.. البحار تغمر السواحل..  الحرائق تدمر الغابات والرئة الخضراء للأرض.

الموارد تُستنزف بوتيرة جنونية تجعل مستقبل الأجيال القادمة رهينة خراب شامل.

ومع ذلك، ينشغل السادة الكبار بالأسلحة، والمنافسات الرياضية، وأسعار العملات، وسباق الفضاء، وكأنَّ الأرض ليست إلا ملعبًا لمراهقتهم السياسية.

تيتانيك غرقت لأنَّ الغرور أعمى القبطان عن رؤية الجبل الجليدي.

واليوم، القوى العظمى تمارس الغرور ذاته: تظن أن التقنية ستنقذها..  تراهن على الثروة والنفوذ لتأجيل الكارثة.. وتنسى أن المحيط لا يرحم، وأن الطبيعة لا تعرف حدودًا ولا أعلامًا.

المقاومة الكوكبية أمل البشرية الأخير.. إذا كان للعالم من نجاة، فهي في مقاومة كونية تعيد ضبط بوصلة السفينة: تضامن الشعوب ضد الاستبداد السياسي والنهب الاقتصادي.

ثورة بيئية توقف جريمة قتل الكوكب.

إعلام حر يفضح الأكاذيب الكبرى بدل أن يروّج لها.

وعي جمعي يدرك أن الأرض ليست ملكًا لجيل أو لقوة عظمى، بل أمانة في عنق البشرية كلها.

صرخة إلى الكوكب كله.. إما أن نصحو جميعًا، أو نغرق جميعًا.

لا نجاة لدولة دون أخرى، ولا لقوة دون أخرى.

المحيط سيبتلع الكل بلا تمييز، كما فعل بجميع ركاب تيتانيك.

ولن ينفع أحدًا يومها لا الذهب، ولا الجيوش، ولا الصواريخ النووية.

(24)

أيها العرب.. أيها العالم.. لقد بلغ الماء الحلقوم.. لم يعد في الوقت متّسع للأحلام الوردية ولا لترف الانتظار. السفينة تغرق، وصوت الحديد وهو يتفتت تحت ضغط المحيط يعلو على كل صوت.

لقد أنذرنا التاريخ مرارًا، لكننا كنّا صُمًّا عن النداء. واليوم، إن لم نفتح أعيننا ونواجه الحقيقة، فإننا سنكون جيل العار… الجيل الذي شاهد السفينة تتهاوى ولم يمدّ يده ليمسك بدفّتها.

أيها العرب.. كفاكم صمتًا وخوفًا، النجاة الوحيدة هي أن تعيدوا امتلاك وعيكم، أن تجعلوا الثقافة حصنكم، والحرية زادكم، والمقاومة سلاحكم.

أيها العالم.. تظنّون أن الكارثة محصورة في منطقتنا؟ أنتم مخطئون.

فالغرق الذي بدأ عندنا لن يتوقف عند حدودنا. سيبتلع الكوكب كله ما دامت القوى العظمى تلعب بالنار، وتتعامل مع الشعوب كأرقام، ومع الكوكب كملعب مفتوح للفوضى.

اليوم، إما أن نختار النجاة جميعًا أو الهلاك جميعًا.

إما أن نثور على غفلتنا، أو نُسجّل في دفاتر التاريخ كضحايا حمقى صدّقوا أن السفينة لا تغرق.

هذه ليست خاتمة، بل جرس إنذار أخير: أيها الركاب، تمسّكوا بحبال النجاة…

لا تنتظروا القبطان، فقد خانكم منذ البداية.

أنقذوا ما يمكن إنقاذه، قبل أن نصبح جميعًا جثثًا عائمة على سطح التاريخ.

وللصرخة تداعيات كوكبية وعربية.. إن كان في العُمر بقية.

الأكثر قراءة

z