قراءة في كتاب "حصاد كفاح الحياة" للشّيخ عبد الله باكثير

 

 

 

خالد بن سعد الشنفري

 

لا يُمكن تلمّس التّحوّلات البنيويّة العميقة الّتي شهدها المجتمع العُماني والخليجي خلال القرن العشرين بمجرّد الاطّلاع على الوثائق الرّسميّة أو الأرقام الإحصائيّة الجافّة؛ بل تظهر الرّوح الحقيقيّة لهذه التّحوّلات في السّير الذّاتية الّتي عاش أصحابها المخاض والانتقال.

ومن هذا المنطلق، يأتي كتاب "حصاد كفاح الحياة.. سيرة ذاتيّة" للشّيخ عبد الله بن علي بن عوض باكثير الكندي؛ ليقدّم للمكتبة العربيّة والعُمانيّة نموذجا فريدا من الأدب البيوغرافي الّذي يتجاوز التّوثيق الشّخصي إلى التّفكيك السّوسيولوجي والأنثروبولوجي لملامح الهويّة والاغتراب والتّحديث انطلاقا من الأصل والجذور وصولًا إلى كلّ ملامح الحداثة والعصرنة.

فحين نقرأ كتب التّاريخ، غالبًا ما نجد أرقامًا وتواريخ جافّة عن نشأة الدّول وتحوّلاتها؛ لكنّ التّاريخ الحقيقي لا يكتبه سوى أولئك الّذين عايشوا تفاصيله وصنعوا بأيديهم لبناته الأولى. من هنا تحديدًا، تأتي الأهميّة الكبرى لهذه السّيرة؛ فهي ليست مجرّد مذكّرات شخصيّة تروي قصّة نجاح فرديّة؛ بل مرآة صادقة تعكس تحوّلات المجتمع العُماني ومنطقة الخليج على مدار ثمانية عقود من الزّمان.

وتنطلق بدءًا من نقطة الارتكاز الأولى: بيئة صلالة الأصيلة. يستحضر الكاتب بذاكرة وجدانيّة حيّة ملامح الحياة اليوميّة القديمة، والعلاقات القرابيّة، والمنظومة القيميّة الّتي حكمت مجتمعات جنوب الجزيرة العربيّة في مرحلة ما قبل النّفط والدّولة الحديثة.

المدينة هنا ليست مجرّد حيّز جغرافي؛ بل هي فضاء ثقافي شكّل "الوعي الأول" للمؤلّف. فعندما يترعرع ويعتاد الذّهاب مع أبيه رحمه الله إلى الجلسة المرتّبة تحت ظل شجرة البيذان بمزرعتهم "بئر عريجة" والّتي تستضيف أعيان البلاد كوالي ظفار آنذاك السيد سعود بن علي البوسعيدي -رحمة الله عليه- وغيره من التّجّار فمن المؤكّد أنّه سيتشرّب أحوال البلاد وما يعجّ به المجتمع من حكايات. فيأتينا الكتاب كشاهد يرصد بتفاصيل دقيقة أنماط العيش، والاعتماد على الموارد المحلّيّة، والتّكافل الاجتماعي. وبالتّالي توثّق الفصول الأولى من الكتاب مرحلة تاريخيّة كادت أن تندثر من الذّاكرة الشّفويّة.

هذا الجزء من الكتاب يمثّل بحق قيمة تاريخيّة واجتماعيّة ثمينة جدًا؛ حيث يثمّن بساطة العيش وقوّة الرّوابط الأسريّة والمنظومة القيميّة الأصيلة الّتي كانت تحكم المجتمع آنذاك؛ فيرصد بالكلمات عادات وتقاليد وأنماط معيشيّة ليست حاضرة بهيبتها الأولى في حياة اليوم. وبذلك يحفظ للأجيال الجديدة ملامح حياة لأجدادهم لم تعد موجودة.

ينتقل الكتاب بعد ذلك ليرسم ملامح ظاهرة سوسيولوجيّة بارزة شكّلت وجدان الجيل العُماني في منتصف القرن الماضي، وهي رحلة الاغتراب والبحث عن الرّزق في دول الخليج الشّقيقة. ولم تكن هجرة الشّيخ عبد الله باكثير مجرّد انتقال فيزيائي مادّي بتغيير المكان والحدود الجغرافيّة؛ بل كانت تجربة كفاح وتفاعل مع مجتمعات خليجيّة كانت هي الأخرى تمرّ بمخاضات التّحديث الأولى. وبذلك لم تكن هجرته مجرّد سفر عابر؛ بل كانت مدرسة حقيقيّة في الصّبر والتّعلّم. من خلال فصول الكفاح في الغربة، يحلّل المؤلّف بذكاء كيف يساهم الاغتراب في صقل الهويّة الوطنيّة وزيادة الوعي بالذّات. فيتحوّل العُماني المغترب إلى فاعل اجتماعي يمتصّ المعارف والخبرات الإداريّة والعمليّة، ويختزنها بانتظار اللّحظة التّاريخيّة المُناسبة لتوظيفها في خدمة وطنه الأم.

وتتجلّى القيمة الأكاديميّة والتّاريخية الكبرى للكتاب في رصده للّحظة المفصليّة عام 1970، مع بزوغ فجر النّهضة العُمانيّة الحديثة بقيادة السّلطان قابوس بن سعيد -طيّب الله ثراه-. هنا، تلتقي السّيرة الذّاتيّة الفرديّة بالسّيرة الجماعيّة للوطن.

وفي هذا الجزء يتحوّل الكاتب عبد الله باكثير من مغترب يكافح في سبيل العيش إلى رجل دولة يسهم بوعيه وخبراته التّراكميّة في بناء مؤسّسات الدّولة الحديثة. فنجده يتدرّج بكلّ جدارة في المناصب الحكوميّة الرّفيعة مقدّما للمؤرّخين والباحثين ورجال الفكر شهادة حيّة حول كيفيّة تحوّل عُمان من مجتمع تقليدي إلى دولة مؤسّسات وقانون، مع الحفاظ على الأصالة والهويّة الثّقافيّة.

للأمانة عند قراءة كتاب "حصاد كفاح الحياة-سيرة ذاتيّة" يشعر القارئ بأنّه قريب من القلب ولن يتركه إلّا وقد ختمه، ولعلّ ذلك يعود إلى فرط الصّدق الوجداني العالي الّذي تتحلّى به أسطره. فالشّيخ عبد الله لم يكتب بأسلوب استعراضي؛ بل كتب بنبرة إنسانيّة دافئة متواضعة مليئة بالامتنان لرحلة الحياة بحلوها ومرّها.

في النّهاية، يمكن الجزم بأنّ كتاب "حصاد كفاح الحياة" هو وثيقة إنسانيّة وعُمانيّة بليغة عابرة للأجيال. هو ليس مجرّد كتاب يُقرأ ويمرّ مرور الكرام؛ بل هو درس بليغ في قوّة الإرادة والوفاء للوطن، يقدّمه الشّيخ عبد الله بن علي بن عوض باكثير الكندي كصك لتجذّر الهويّة والاعتزاز بالأصل، وليكون إلهامًا لكلّ شاب يبحث عن معنى الكفاح الحقيقي، ولكل باحث يريد أن يفهم كيف بُنيت عُمان الحديثة بروح المحبّة والعطاء.

الأكثر قراءة

z