◄ الصندوق قادر على تحريك استثمارات تتجاوز رأسماله.. وكازاخستان بوابة عُمان إلى آسيا الوسطى
◄ الدقم منصة صناعية ولوجستية للشركات الكازاخستانية وآسيا الوسطى للوصول إلى المحيط الهندي
◄ نجاح الصندوق يعتمد على طبيعة الاستثمارات وحركة التجارة والقيمة الاقتصادية
الرؤية- سارة العبرية
أكد الدكتور داود بن سليمان المحرزي، الخبير في الاقتصاد السياسي والتشريعات الاقتصادية، أن تأسيس الصندوق الاستثماري المشترك بين سلطنة عُمان وجمهورية كازاخستان برأسمال يبلغ 150 مليون دولار يُشكل نقطة انطلاق لشراكة استثمارية أوسع بين البلدين، مشيرًا إلى أن أهمية الصندوق ينبغي أن تُقاس بحجم بقدرته على تحريك استثمارات إضافية واستقطاب القطاع الخاص والبنوك والصناديق الاستثمارية.
وقال المحرزي- في حوار خاص مع "الرؤية"- إن نجاح الصندوق يتوقف على قدرته على الانتقال من مجرد استثمار رأس المال المتاح إلى استخدامه كأداة لتحفيز استثمارات أكبر، موضحًا أن الصندوق إذا استطاع تحويل رأسماله البالغ 150 مليون دولار إلى مشروعات تبلغ قيمتها الإجمالية 500 مليون دولار أو أكثر، فإن أثره الاقتصادي سيكون أكبر بكثير من حجم رأسماله. وأضاف أن أحد أبرز مؤشرات الأداء التي ينبغي متابعتها مستقبلًا يتمثل في قياس حجم الاستثمار الإضافي الذي استطاع الصندوق جذبه مقابل كل دولار من رأس ماله، مؤكدًا أن الـ150 مليون دولار يجب النظر إليها باعتبارها "نقطة انطلاق" وليست سقفًا للعلاقة الاستثمارية بين البلدين. وأوضح المحرزي أن أهمية الصندوق تتجاوز الجانب المالي المباشر؛ إذ ينقل العلاقات الاقتصادية بين سلطنة عُمان وكازاخستان من مرحلة الاتفاقيات والتفاهمات إلى مرحلة الشراكة الاستثمارية المؤسسية طويلة الأجل.

وأشار إلى أن تأسيس الصندوق يأتي ضمن حزمة اقتصادية أوسع صاحبت زيارة الدولة التي قام بها حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- إلى جمهورية كازاخستان، والتي شملت اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجالات الاستثمار والنقل والطاقة والتعدين والسياحة، إضافة إلى إنشاء مجلس الأعمال العُماني- الكازاخستاني والربط الإلكتروني بين بورصة مسقط وبورصة أستانا الدولية.
وبيّن أن هذه الخطوات تعكس توجهًا نحو بناء "بنية اقتصادية مؤسسية" تربط الاستثمار بالتجارة والتمويل والنقل والأسواق المالية والقطاع الخاص، معتبرًا أن ذلك يوفر أساسًا أوسع لتطوير العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
ولفت المحرزي إلى أن وجود منطق اقتصادي واضح في اختيار كازاخستان، في ظل الأداء المتنامي لاقتصادها، موضحًا أن الاقتصاد الكازاخستاني سجل نموًا حقيقيًا بلغ 6.5% خلال عام 2025، وواصل نموه بنسبة 4.1% خلال النصف الأول من عام 2026. وأشار إلى أن قطاع التصنيع سجل نموًا بنحو 9.8%، فيما حقق قطاع النقل والتخزين نموًا بنحو 7% خلال النصف الأول من عام 2026، مبينًا أن هذه المؤشرات تشير وجود قاعدة اقتصادية متنامية يمكن أن توفر فرصًا استثمارية أمام الصندوق والمستثمرين من البلدين.
اتجاهين متكاملين
وأكد أن القيمة الاستراتيجية للصندوق تتمثل في اتجاهين متكاملين؛ أولهما أن تصبح كازاخستان بوابة أمام الشركات والاستثمارات العُمانية نحو آسيا الوسطى، والثاني أن تصبح سلطنة عُمان بوابة بحرية ولوجستية وصناعية أمام الشركات الكازاخستانية للوصول إلى أسواق أوسع.
وحول القطاعات التي يمكن أن تحقق عوائد واستثمارات مستدامة للبلدين، قال المحرزي إن بناء محفظة الصندوق ينبغي ألا يركز فقط على القطاع الذي يعد بأعلى عائد مالي في المدى القصير، وإنما على القطاعات التي تجمع بين العائد المالي والاستدامة والقيمة الاستراتيجية المضافة لاقتصادي البلدين.
ويقترح المحرزي تصورًا تحليليًا يتضمن إمكانية تخصيص نحو 25% للأمن الغذائي والزراعة والصناعات الغذائية، و25% للصناعة والتعدين والصناعات التحويلية، و20% للخدمات اللوجستية والنقل، و20% للطاقة والطاقة المتجددة، و10% للرعاية الصحية والتكنولوجيا والقطاعات الأخرى.
وأوضح أن الأمن الغذائي والصناعات الغذائية تأتي في مرتبة متقدمة لوجود تكامل واضح بين البلدين؛ فكازاخستان تمتلك إمكانات زراعية وإنتاجية كبيرة، بينما تمتلك عُمان الموقع والموانئ والبنية اللوجستية والقرب من أسواق استهلاكية كبيرة.
وبيّن أن هذا التكامل يمكن أن يتجاوز مجرد استيراد الحبوب أو اللحوم أو المنتجات الزراعية، إلى بناء سلسلة قيمة مشتركة تبدأ بالإنتاج في كازاخستان، ثم انتقال بعض المنتجات إلى سلطنة عُمان للتخزين أو التصنيع الغذائي أو التعبئة والتغليف والتوزيع، وإعادة تصديرها إلى دول مجلس التعاون وشرق إفريقيا والهند وغيرها.
وأضاف أن هذا النموذج يمنح عُمان قيمة اقتصادية أكبر من مجرد استيراد السلعة، من خلال إقامة مصانع وخدمات لوجستية وتوفير وظائف وتحريك الموانئ وتعزيز الصادرات وإعادة التصدير.
وأشار المحرزي إلى أن الفكرة نفسها تنطبق على قطاع المعادن، موضحًا أنه بدلًا من الاقتصار على تجارة المواد الخام، يمكن استكشاف مشروعات تجمع الموارد الكازاخستانية مع القدرات الصناعية والطاقة والبنية الأساسية العُمانية لإنتاج سلع ذات قيمة مضافة أعلى.
وأكد أن الصناعة والتعدين والصناعات التحويلية تمثل فرصة استراتيجية كبيرة، خاصة في ظل امتلاك كازاخستان موارد معدنية وطبيعية واسعة، مقابل سعي سلطنة عُمان إلى توسيع قاعدة التصنيع والصناعات التحويلية.
وقال إن التفكير ينبغي أن يتجاوز تجارة المواد الخام، من خلال ربط الموارد المعدنية الكازاخستانية بالقدرات الصناعية والطاقة والبنية الأساسية الموجودة في سلطنة عُمان، بما يسمح بمعالجة بعض المواد أو تصنيعها وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة أعلى قبل تصديرها.
وأضاف أن الدقم وصحار وصلالة يمكن أن تدخل بقوة في هذه المعادلة، مؤكدًا أن الاستفادة العُمانية لن تقتصر في هذه الحالة على السلعة، وإنما ستمتد إلى المصانع والخدمات اللوجستية والوظائف وحركة الموانئ والصادرات وإعادة التصدير.
الدقم منصة لوجستية
ووصف المحرزي الخدمات اللوجستية بأنها "القطاع الرابط بين جميع القطاعات الأخرى"، موضحًا أن الاستثمار في الغذاء أو التعدين أو الصناعة لن يحقق كامل إمكاناته ما لم توجد منظومة نقل وتخزين وموانئ وسلاسل إمداد فعالة.
وأشار إلى أن الدقم وصحار وصلالة يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في هذه المعادلة، معتبرًا أن الدقم تحديدًا تستطيع أن تقدم نفسها كمنصة صناعية ولوجستية للشركات الكازاخستانية وشركات آسيا الوسطى للوصول إلى المحيط الهندي.
وحول الطاقة المتجددة، أوضح أنها تمثل استثمارًا طويل الأجل ومهمًا للبلدين، بالأخص مع الاتجاه العالمي نحو خفض الانبعاثات والتحول في أنظمة الطاقة، وإمكانية ربط الطاقة النظيفة مستقبلًا بالصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة والصناعات المعدنية. وأكد أن القاعدة المناسبة للصندوق تتمثل في أعلى عائد وأفضل مزيج بين العائد والمخاطر والقيمة الاقتصادية الاستراتيجية.
وبيّن المحرزي أن فتح أسواق جديدة أمام الشركات العُمانية والكازاخستانية قد يكون من أهم الآثار الاستراتيجية للصندوق على المدى الطويل. موضحا أنه ينبغي ألا يُنظر إلى كازاخستان كسوق تنتهي عند حدود الدولة نفسها، وإنما باعتبارها نقطة دخول إلى فضاء آسيا الوسطى، وبالمثل ينبغي أن ينظر المستثمر الكازاخستاني إلى عُمان كبوابة إلى أسواق الخليج والمحيط الهندي والهند وشرق إفريقيا.
وقال إن المطلوب هو الانتقال من مفهوم "بيع السلعة" إلى مفهوم "امتلاك جزء من سلسلة القيمة"، مشيرًا إلى إمكانية دخول شركة عُمانية مع شريك كازاخستاني في مشروع زراعي أو غذائي أو تعديني داخل كازاخستان، وفي الوقت نفسه إنشاء جزء من عمليات التصنيع أو التخزين أو التوزيع في سلطنة عُمان.
وأضاف أن الشركات الكازاخستانية تستطيع استخدام المناطق الاقتصادية في الدقم وصحار وصلالة لإنشاء مصانع أو مراكز توزيع أو مخازن استراتيجية تخدم أسواقًا تتجاوز السوق العُمانية. مؤكدا أن ذلك من شأنه تحويل عُمان من مجرد مستورد للمنتجات الكازاخستانية إلى شريك في سلسلة القيمة والتجارة الدولية لهذه المنتجات.
وأكد المحرزي أهمية مجلس الأعمال العُماني-الكازاخستاني في دعم أهداف الصندوق، مشيرًا إلى أن العلاقات الحكومية تستطيع فتح الأبواب، لكن القطاع الخاص هو الذي يحول هذه الأبواب إلى عقود ومصانع وتجارة وفرص عمل. كما أشار إلى أهمية الربط الإلكتروني بين بورصة مسقط وبورصة أستانا الدولية، باعتباره قناة إضافية للتواصل بين المستثمرين والأسواق المالية في البلدين.
وشدد على ضرورة ألا يظل الصندوق محصورًا في الشركات الحكومية أو المشروعات العملاقة فقط، داعيًا إلى إتاحة المجال أمام الشركات الخاصة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة للدخول ضمن سلاسل التوريد للمشروعات التي يمولها الصندوق.
وضرب مثالًا بالمشروعات الغذائية، موضحًا أن إنشاء مشروع غذائي كبير يمكن أن تستفيد منه شركات عُمانية تعمل في النقل والتعبئة والتغليف والتخزين والتبريد والخدمات التقنية والتسويق، بما ينقل أثر المشروع من شركة واحدة إلى منظومة كاملة من المؤسسات.
وقال الدكتور داود إن الهدف تعميق العلاقة الاقتصادية بحيث يصبح هناك استثمار مشترك وتصنيع مشترك وتمويل مشترك وشركات تعمل في السوقين وسلاسل توريد مترابطة.
5 عوامل للنجاح
وحول العوامل التي ستحدد نجاح الصندوق في تحويل الاتفاقية إلى مشروعات فعلية ذات أثر اقتصادي، قال المحرزي إن الاختبار الحقيقي للصندوق يبدأ بعد الإعلان وليس عند الإعلان.
وأوضح أن هناك 5 عوامل أساسية ستحدد نجاح التجربة، أولا جودة اختيار المشروعات، حتى لا يكون معيار الاختيار هو حجم المشروع أو اسمه أو القطاع الذي ينتمي إليه، وإنما جدواه الاقتصادية وحجم السوق والتدفقات النقدية المتوقعة والميزة التنافسية والشريك المناسب والقدرة على التوسع.
وأشار إلى العامل الثاني المتمثل في قدرة الصندوق على جذب رأس مال إضافي، وأضاف أن العامل الثالث هو إدارة المخاطر، في ظل ما يفرضه الاستثمار بين اقتصادين تفصل بينهما مسافة جغرافية كبيرة من تحديات تتعلق بالنقل وسلاسل الإمداد والعملات والتشريعات والأسواق والأسعار، مؤكدًا أهمية تنويع المحفظة وعدم تركيز نسبة كبيرة منها في مشروع أو قطاع واحد.
وبيّن أن العامل الرابع يتمثل في سرعة التنفيذ، مشيرًا إلى أن أحد التحديات التي تواجه كثيرًا من الاتفاقيات الاقتصادية هو طول الفترة بين توقيع الاتفاق وظهور المشروع على أرض الواقع.
وأكد أهمية تحديد مجموعة من المشروعات ذات الأولوية والقابلة للتنفيذ منذ البداية، بما يسمح بظهور نتائج ملموسة خلال فترة زمنية معقولة، موضحًا أن نجاح مشروع أو مشروعين في البداية يمكن أن يبني الثقة ويجذب مستثمرين إضافيين.
أما العامل الخامس، والأهم بالنسبة له، فهو قياس الأثر الاقتصادي وليس العائد المالي فقط.
وأوضح المحرزي أنه بعد ثلاث أو خمس سنوات ينبغي قياس عدد المشروعات التي أُنشئت داخل سلطنة عُمان، والوظائف المباشرة وغير المباشرة التي وفرتها، وعدد الشركات العُمانية التي دخلت في سلاسل التوريد، وحجم القيمة المحلية المضافة، والصادرات وإعادة التصدير، إضافة إلى حجم المعرفة والتكنولوجيا التي تم توطينها.
وتابع حديثه بالتأكيد على أن نجاح الصندوق بحلول عام 2030 أو 2031 سيؤكد بحجم استثماره والتجارة والقيمة الاقتصادية التي استطاع رأس المال هذا توليدها.
وقال "إذا استطاع الصندوق مضاعفة أثر رأسماله، وجذب القطاع الخاص، وإنشاء مشروعات فعلية، وربط الموارد والأسواق الكازاخستانية بالموانئ والمناطق الصناعية العُمانية، وفتح آسيا الوسطى أمام الشركات العُمانية، فإننا لن نكون أمام صندوق استثماري مشترك فقط، مضيفا سنكون أمام نواة لممر اقتصادي جديد بين سلطنة عُمان وآسيا الوسطى".
