جماليات الخطاب الوطني بين الصورة والإيقاع

 

 

 

◄ قراءة في قصيدة "عُمان شموس تزيح الظلاما" للشاعر عبد الحليم البداعي

 

 

د. جمال فودة **

 

عُمَانُ شُمُوسٌ تُزِيحُ الظَّلَامَا               وَمَجْـــــدٌ تَأَصَّلَ عَــامًا فَعَامَا

وَشَــــلّالُ حُـــــبٍّ تَحَدَّرَ لُطْفًا             وَأَمْطَرَ عَطْفًا وَسَالَ انْسِجَامَا

بِلَادٌ هِيَ الْعِزُّ فِي شَكْلِ أَرْضٍ              وَفِيهَا اسْتَـــقَرَّ وَفِيهَا أَقَـــامَا

بِهَا الشَّعْبُ يَرْسُمُ صَفْحَةَ مَجْدٍ             بِصَدْرِ الزَّمَانِ فَكَانَتْ وِسَامَا

*****

وَهُمْ تَرْجَمُوا الْفَخْرَ فِعْلًا وَقَوْلًا           فَسَادُوا وَجَادُوا فَبَزُّوا الكِرَامَا

وَطَابُوا نُفُوسًا وَأَعْطَوا دُرُوسًا               فَكَانُوا شُمُوسًا وَبَدْرًا تَمَامَا

هُمُ اللُّطْفُ سِلْمًا، هُمُ البَطْشُ حَرْبًا         هُمُ المَوْتُ فَتْكًا لِخَصْمٍ تَعَامَى

بِهــــَذَا تَتِيهُ عُمَـــــانُ فَخَــــــارً              وَتَبْرُزُ اِسْمًا وَتَعْلــــُو مَقَامَا

*****

وَهَيْثَمُ يَمْضِي بِهَذِي الْبِلَادِ                 وَبِالشَّعْبِ فِيهَا إِلَى حَيْثُ رَامَا

بِعَزْمٍ أَكِيدٍ وَحَــــــزْمٍ شَدِيدٍ                 وَفِــكْرٍ سَـــدِيدٍ يَنَالُ الْمَــــرَامَا

يُذَلِّلُ صَــــعْبًا يُمَـــهِّدُ دَرْبًا                يُحَقِّقُ كَسْـــبًا عَظِيــــمًا تَنَامَى

يَخُطُّ مَسَـــارًا وَيُعْلِي مَنَارًا               وَيُمْلِي قَــــرَارًا بِهِ الْــعِزُّ دَاما

*****

بِنَجْلَيْهِ نَأْمَنُ صَرْفَ الزَّمَانِ              وَنَحْفَظُ مَجْـــــــدًا تَلِيدًا تَسَامَى

فَيَا رَبِّ سَدِّدْ خُطَاهُمْ وَسَدِّدْ               خُطَـــــانَا، وَحَبِّبْ إِلَيْنَا الوِئَامَا

وَحَقِّقْ إِلَهِي مُرَادَ الْجَـــمِيعِ              وَظَلِّلْ عَلَيْنَا إِلَــــهِي الْغَمــــَامَا

وَخُـــــذْ بِعُمَانَ إِلَى مَا تُحِبُّ              إِلَهِي، وَأَنْعِــــــمْ وَزِدْهَا سَلَامَا

 

تنهض قصيدة «عُمان شموس تزيح الظلاما» للشاعر عبد الحليم البداعي على تجربة وطنية وجدانية واضحة، يتداخل فيها حب الوطن مع الفخر بتاريخه وشعبه وقيادته، ويتحوّل الانتماء إلى عُمان من مجرد إحساس عاطفي إلى رؤية شعرية تستحضر المجد بوصفه قيمة متأصلة في الذاكرة والوجدان. ومنذ مطلع القصيدة يضع الشاعر المتلقي أمام صورة مشرقة للوطن، حين يقول: «عُمانُ شموسٌ تزيحُ الظلاما/ ومجدٌ تأصّلَ عامًا فعاما»، فيجعل عُمان جمعًا من «الشموس» التي تبدد الظلام، وهي صورة استعاريّة تقوم على تحويل الوطن إلى مصدر للنور والهداية والأمل. ولا يكتفي الشاعر بإضاءة الحاضر، بل يربط هذه الإضاءة بمجد ممتد عبر الزمن، إذ إن المجد عنده لم ينشأ طارئًا، وإنما «تأصّل عامًا فعاما»، بما يوحي بالاستمرارية والتراكم التاريخي.

وتتنامى في النص صورة الوطن من خلال شبكة من الاستعارات والصور الحسية التي تمنح المعاني المجردة حركة وحياة. ففي قوله: «وشلالُ حبٍّ تحدّرَ لطفًا/ وأمطرَ عطفًا وسالَ انسجاما» تتوالى الأفعال المرتبطة بالماء: «تحدّر، أمطر، سال»، لتجسيد الحب والعطف والانسجام في صورة شلال متدفق. وهذه الصورة تمنح العاطفة الوطنية طابعًا حركيًا؛ فالحب ليس ساكنًا في النفس، بل هو فيض متواصل ينساب ويغمر المكان. كما أن الجمع بين «الحب» و«العطف» و«الانسجام» يوسّع المجال الدلالي للقصيدة من مجرد الفخر إلى الإحساس بالألفة والتآخي والسلام.

ويستثمر الشاعر كذلك أسلوب التشخيص في قوله: «بلادٌ هي العزُّ في شكل أرضٍ/ وفيها استقرَّ وفيها أقاما»، فيمنح «العز» وجودًا مكانيًا يستقر في الأرض، وكأن العز قيمة متجسدة يمكن أن تتخذ من عُمان موطنًا ومستقرًا. وتبدو العلاقة بين المكان والقيمة علاقة عضوية؛ فالأرض ليست مجرد جغرافيا، وإنما حاضنة للعز والمجد. ثم ينتقل الشاعر إلى الشعب بوصفه شريكًا في صناعة هذه الصورة الحضارية: «بها الشعب يرسم صفحة مجدٍ/ بصدر الزمان فكانت وساما». ويبرز هنا الفعل «يرسم» بوصفه استعارة تجعل التاريخ صفحة، والشعب فنانًا يخط عليها أثره، بينما يتحول المجد إلى «وسام» يزيّن صدر الزمان. وتتشكل من هذه الصور لوحة وطنية تجعل الماضي والحاضر متصلين في مشروع واحد.

وفي المقطع الثاني ينتقل الشاعر من وصف الوطن إلى وصف أبنائه، فيؤكد أن الفخر العماني ليس مجرد شعور أو ادعاء، وإنما يتحول إلى سلوك وممارسة، كما في قوله: «وهم ترجموا الفخر فعلًا وقولًا». ويحمل الفعل «ترجموا» دلالة مهمة؛ إذ يجعل الفخر لغةً تحتاج إلى ترجمة، ولا تكون الترجمة إلا بالفعل والقول معًا. ومن ثم يربط الشاعر قيمة الإنسان بما يقدمه ويجسده من أخلاق ومواقف. ويأتي بعد ذلك تتابع الأفعال: «فسادوا وجادوا فبزّوا الكراما»، وهو تتابع يمنح البيت حركة وإيقاعًا متسارعًا، ويؤكد تعدد مظاهر الفضل والكرم والسيادة.

ويواصل الشاعر بناء صورة الإنسان العماني من خلال الجمع بين القيم الأخلاقية والقدرة على مواجهة التحديات، فيقول: «وطابوا نفوسًا وأعطوا دروسًا/ فكانوا شموسًا وبدرًا تماما». ويتضح هنا توظيف الصورة الضوئية مرة أخرى من خلال «الشموس» و«البدر»، وهي مفردات تنتمي إلى الحقل الدلالي للنور الذي تأسس منذ مطلع القصيدة. وبذلك تتماسك الصور الشعرية بتكرار رموز الضوء، وكأن الشاعر يريد أن يجعل النور علامة ملازمة لعُمان وأهلها.

ويبلغ هذا التصوير ذروته في قوله: «هم اللطف سلمًا، هم البطش حربًا/ هم الموت فتكًا لخصم تعامى». ويقوم هذا التركيب على المقابلة بين «اللطف» و«البطش»، وبين «السلم» و«الحرب»، ليبرز قدرة الإنسان العماني على الجمع بين المسالمة والقوة بحسب الموقف، " وبين استيحاء الدلالة واستيحاء عكسها تكمن المفارقة وتنمو وتتشابك وتتفاعل، مما يجعل النص قادرًا على البث المتجدد" (1).

كما يتكرر ضمير «هم» في بداية العبارات، وهو تكرار يمنح المقطع قوة إيقاعية ويؤكد حضور الشعب بوصفه محورًا أساسيًا في التجربة الشعرية. ولا تأتي القوة هنا منفصلة عن الأخلاق، وإنما تظهر في سياق الدفاع والرد على الخصم، بينما يظل السلم واللطف قيمة أساسية في الصورة التي يرسمها الشاعر.

وفي المقطع الثالث ينتقل الخطاب إلى القيادة ممثلة في قوله: «وهيثم يمضي بهذه البلاد/ وبالشعب فيها إلى حيث راما». ويصبح الشاعر هنا أكثر تحديدًا في رسم صورة المستقبل، إذ يربط مسيرة الوطن بقيادته، ويصوّر هذه المسيرة بوصفها حركة مقصودة نحو غاية منشودة. ويتكثف هذا المعنى في البيت: «بعزم أكيد وحزم شديد/ وفكر سديد ينال المراما»، حيث تتجاور الألفاظ «عزم، حزم، فكر»، وهي ألفاظ تنتمي إلى المجال الدلالي للإرادة والتخطيط والقدرة على اتخاذ القرار. كما أن التقارب الصوتي بين «أكيد، شديد، سديد» يمنح البيت جرسًا موسيقيًا واضحًا، ويجعل الصفات متتابعة في نسق متوازن يخدم المعنى.

وتبرز في هذا المقطع ظاهرة التوازي التركيبي، ولا سيما في قوله: «يذلل صعبًا يمهد دربًا/ يحقق كسبًا عظيمًا تنامى»، ثم «يخط مسارًا ويعلي منارًا/ ويملي قرارًا به العز داما». إن تتابع الأفعال المضارعة «يذلل، يمهد، يحقق، يخط، يعلي، يملي» يمنح النص إحساسًا بالحركة والاستمرار، ويجعل القيادة في الصورة الشعرية فعلًا متواصلًا لا حالة جامدة، إذ يتم إنتاج الدلالة في وسط زمني ينتمى إلى المستقبل من خلال مجموعة "المضارعات" التي تُفجِّر بُعدًا زمنيًا خاصًا إذ "تتحرك الصياغة حركة مزدوجة؛ حيث تتعلق بالماضي وتشده إلى الحاضر، كما  تتعلق بالحاضر  وتشده إلى الماضي، فتخلق بهذه الازدواجية معادلًا يوازى تجربتها خارج إطار الزمن، وهى تجربة تجمع بين الذات  وموضوعها في  لحظة مطلقة  تؤكد  أهمية العزم والحزم في مواجهة التحديات، وتحقيق الطموحات، وصناعة المستقبل" (2).

كما أن الشاعر ينتقل من «تذليل الصعب» إلى «تمهيد الدرب»، ثم إلى «تحقيق الكسب»، وهي حركة دلالية تنتقل من مواجهة العائق إلى فتح الطريق ثم الوصول إلى النتيجة.

وفي المقطع الأخير يتغير مسار الخطاب من الإخبار والوصف إلى الدعاء والمناجاة: «فيا رب سدّد خطاهم وسدّد/ خطانا، وحبب إلينا الوئاما». وهذا التحول يمنح القصيدة خاتمة وجدانية وروحية، إذ ينتقل الشاعر من الحديث عن الوطن والشعب والقيادة إلى التوجه مباشرة إلى الله. ويكرر الفعل «سدّد» مرتين، في الأولى للقيادة، وفي الثانية للجماعة، بما يعكس رؤية تقوم على وحدة المصير بين القيادة والشعب.

وتصل القصيدة إلى خاتمتها بقوله: «وخذ بعمان إلى ما تحب/ إلهي، وأنعم وزدها سلاما»، وهي خاتمة تتسم بالبساطة والوضوح، وتجمع بين الدعاء للوطن وبين الأمل في استدامة السلام والنعمة. ويلاحظ أن الشاعر يعود في النهاية إلى اسم «عمان» صراحة، بعد أن تنوعت الإشارات إليها عبر الأرض والبلاد والشعب والمجد، وكأن القصيدة تعود في خاتمتها إلى مركزها الأول: الوطن.

ومن الناحية الفنية، تقوم القصيدة على وحدة وجدانية واضحة قوامها الحب والفخر والدعاء، وتتدرج في بنائها من الوطن إلى الشعب، ثم إلى القيادة، لتنتهي بالدعاء للجميع ولعُمان. وهذا التدرج يمنح التجربة الشعرية مسارًا تصاعديًا يبدأ بصورة الوطن المضيء، ثم يفسر مصدر مجده من خلال أبنائه، ثم يلتفت إلى قيادته ومسيرتها، وأخيرًا يستودع المستقبل في الدعاء.

وتتميز اللغة الشعرية في القصيدة بوضوحها ومباشرتها، مع حضور ملموس للمفردات ذات الدلالة الوطنية والوجدانية، مثل: «المجد، الفخر، الكرام، الشموس، البدر، مقامًا، السلام».

وتكشف القصيدة في مجملها عن رؤية شعرية تجعل الوطن ذاكرةً ومجدًا وحاضرًا ومستقبلًا في آن واحد. فعُمان في النص ليست مكانًا فحسب، بل قيمة متكاملة تتجسد في الأرض والشعب والقيادة والتاريخ، ويظل الحب فيها مرتبطًا بالفعل، والفخر مرتبطًا بالإنجاز، والمستقبل مرتبطًا بالأمل والدعاء، وبذلك تتكامل في النص ثلاثة أبعاد أساسية: بُعد وجداني يقوم على الحب، وبُعد وطني يقوم على الاعتزاز، وبُعد روحي يتجسد في الدعاء، لتتشكل قصيدة وطنية ذات نبرة احتفالية واضحة، تستمد جمالها من تآزر الصورة والإيقاع مع صدق العاطفة وعمق الدلالة.

******

المصادر:

(1) مصطفي السعدني: البنيات الأسلوبية في لغة الشعر العربي الحديث ـ منشأة المعارف – إسكندرية - 1987م/ 231.

(2) محمد عبد المطلب: قراءات أسلوبية في الشعر العربي الحديث – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة – 1995/ 193.

 

** أستاذ النقد والبلاغة

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z