غازي الخالدي
مع تصاعد النقاش حول دور القطاع الخاص في سلطنة عُمان، يبرز سؤال اقتصادي أراه أكثر أهمية من مجرد السؤال عن عدد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي استطعنا تأسيسها: كم مؤسسة منها استطاعت أن تنمو فعلًا؟ وكم مؤسسة صغيرة أصبحت متوسطة، وكم مؤسسة متوسطة استطاعت أن تتحول إلى شركة كبيرة؟ فالفرق كبير بين اقتصاد تتكاثر فيه المؤسسات واقتصاد تنمو فيه الشركات؛ الأول يوسّع قاعدة النشاط الاقتصادي، أما الثاني فيراكم رأس المال والخبرة، ويرفع الإنتاجية، ويخلق وظائف أكثر استدامة، ويبني شركات وطنية قادرة على المنافسة والاستثمار والتوسع.
ومن هنا ربما يحتاج النقاش حول المؤسسات الصغيرة والمتوسطة إلى الانتقال تدريجيًا من مفهوم «الدعم» إلى مفهوم أوسع يمكن تسميته «المصعد الاقتصادي»، والمقصود به قدرة البيئة الاقتصادية على تمكين المؤسسة الكفؤة من الانتقال بصورة طبيعية من مرحلة التأسيس إلى النمو، ثم إلى التوسع محليًا وإقليميًا ودوليًا. فكما يحتاج تأسيس الشركات إلى بيئة مناسبة، يحتاج نموها إلى منظومة أكثر انسيابية تشمل تمويلًا يتناسب مع مراحل التوسع، وسوقًا يتيح فرصًا أكبر، ومشتريات حكومية وخاصة تساعد المؤسسات على بناء سجل أعمال أقوى، وتدفقات نقدية أكثر استقرارًا، وقدرة أفضل على الوصول إلى أسواق جديدة. وإذا تعطلت إحدى هذه الحلقات، فقد تنجح المؤسسة في البقاء، لكنها لا تنجح بالضرورة في النمو.
وقد حظيت المؤسسات الصغيرة والمتوسطة خلال السنوات الماضية باهتمام واسع في السلطنة، وهو توجه مهم للاقتصاد الوطني، إلا أن تأسيس المؤسسة ينبغي ألا يكون نهاية السياسة الاقتصادية تجاهها، بل بدايتها. فالمؤسسة التي تأسست قبل عشر سنوات وما زالت تعمل ضمن الحجم الاقتصادي نفسه تطرح سؤالًا مختلفًا عن مؤسسة انتقلت خلال الفترة ذاتها من خمسة موظفين إلى خمسين، ومن عقود محدودة إلى مشروعات أكبر، ومن سوق محلي إلى أسواق خارجية. كلاهما مؤسسة قائمة، لكن أثرهما في الاقتصاد مختلف.
وتكمن القيمة الحقيقية للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة في أنها ليست مجرد وحدات اقتصادية صغيرة ينبغي المحافظة عليها، بل يمكن أن تكون خزان الشركات العُمانية الكبرى في المستقبل. فمعظم الشركات الكبرى لم تبدأ كبيرة، وإنما بدأت برأس مال محدود وعدد قليل من العاملين وسوق صغيرة، ثم توسعت مع تراكم الخبرة والأرباح والقدرة المؤسسية. غير أن الانتقال من مرحلة إلى أخرى لا يحدث تلقائيًا؛ لأن متطلبات النمو تصبح أكثر تعقيدًا كلما ارتفع حجم الشركة.
المشروع الأكبر يحتاج إلى رأس مال عامل أكبر، ورأس المال يحتاج إلى تمويل وضمانات، والتمويل يتطلب قوائم مالية وتدفقات نقدية أكثر قوة، والتصنيف الأعلى يحتاج إلى خبرات وسجل أعمال، بينما بناء هذا السجل يتطلب أصلًا الوصول إلى عقود أكبر. وهكذا قد تجد المؤسسة نفسها أمام دائرة مغلقة: تحتاج إلى أن تكبر لكي تحصل على فرصة أكبر، وتحتاج إلى الفرصة الأكبر لكي تستطيع أن تكبر.
وهذه، هي النقطة التي قد يتعطل عندها المصعد الاقتصادي؛ فالمؤسسة تكون قد تجاوزت مرحلة التأسيس وأثبتت قدرتها في السوق، لكنها لم تصل بعد إلى الحجم الذي يمنحها القوة المالية والتفاوضية التي تتمتع بها الشركات الكبرى. وفي هذه المرحلة تصبح السيولة، والضمانات البنكية، وسرعة تحصيل المستحقات، ومتطلبات التأهيل، وحجم العقود المتاحة، وتكلفة استقطاب الكفاءات عوامل حاسمة في تحديد ما إذا كانت المؤسسة ستنتقل إلى المستوى التالي أم ستظل لسنوات تعمل ضمن النطاق نفسه.
وتزداد أهمية هذه المسألة عندما نضع حجم السوق العُماني في المعادلة؛ فسلطنة عُمان تمتلك اقتصادًا متنوع الفرص، وموقعًا جغرافيًا استراتيجيًا، وموانئ ومناطق اقتصادية وبنية أساسية تمنحها إمكانات كبيرة للاستثمار والتجارة، إلا أن حجم الطلب المحلي يظل بطبيعته أصغر من أسواق إقليمية وعالمية عديدة. ولذلك فإن زيادة عدد المؤسسات من دون توسع موازٍ في حجم الفرص المتاحة أمامها قد تعني ببساطة أن عددًا أكبر من الشركات يتنافس على السوق نفسه.
والمنافسة في ذاتها عنصر صحي للاقتصاد عندما تدفع الشركات إلى تحسين الجودة والإنتاجية والابتكار، لكنها تصبح أقل فائدة عندما تتحول إلى منافسة سعرية مفرطة على حجم محدود من الأعمال. فالشركة تحتاج إلى هامش يسمح لها بإعادة استثمار أرباحها، وبناء احتياطياتها، وتطوير أنظمتها، وتوظيف الكفاءات، وتحمل مخاطر التوسع. وإذا استُنزفت هوامشها باستمرار في المنافسة على السعر والبقاء، أصبحت قدرتها على تراكم رأس المال اللازم للنمو محدودة.
ولهذا لا يمكن فصل سياسة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة عن سياسة توسيع السوق المتاح لها. وهنا تستطيع العقود الحكومية وعقود الشركات الكبرى وسياسات المحتوى المحلي أن تؤدي دورًا يتجاوز مجرد تخصيص نسبة من الأعمال لهذه المؤسسات. فإذا صُممت منظومة التعاقد والمشتريات بصورة تخدم النمو، يمكن للعقد أن يتحول من مجرد فرصة تجارية إلى أداة لبناء شركة وطنية.
وقد يكون من المفيد، على سبيل المثال، تطوير مسارات تأهيل تدريجية تسمح للمؤسسة التي تنجح في تنفيذ عقود صغيرة بالانتقال إلى عقود أكبر، وربط بعض أدوات التمويل بمرحلة نمو المؤسسة بدل اقتصارها على مرحلة التأسيس، والعمل على تسريع دورة سداد المستحقات، وتطوير أدوات للضمان ورأس المال العامل تتناسب مع المؤسسات التي بدأت تدخل مرحلة التوسع.
وبالتوازي مع ذلك، ينبغي أن يتطور قياس نجاح سياسات المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. فبدلًا من الاكتفاء بعدد المؤسسات المسجلة، أو حجم التمويل، أو قيمة العقود المسندة إليها، يمكن أن يصبح أحد أهم المؤشرات هو الحراك بين أحجام الشركات: كم مؤسسة صغيرة أصبحت متوسطة خلال خمس سنوات؟ وكم مؤسسة متوسطة تحولت إلى شركة كبيرة؟ وما متوسط الزمن الذي تحتاج إليه المؤسسة العُمانية للانتقال من فئة إلى أخرى؟ وكم شركة استطاعت أن تنتقل من الاعتماد الكامل على السوق المحلي إلى تحقيق جزء من إيراداتها من الخارج؟ فهذه المؤشرات لا تقيس وجود الشركات فقط، وإنما تقيس قدرة البيئة الاقتصادية على إنتاج النمو.
وإذا كان السوق المحلي محدودًا بطبيعته، فإن اكتمال المصعد الاقتصادي يقتضي ألا تكون نهايته داخل السوق العُماني. فالشركة التي تستمر في النمو ستصل في مرحلة ما إلى مستوى يصبح فيه التوسع الخارجي ضرورة اقتصادية، وليس مجرد خيار إضافي. وهنا تمتلك سلطنة عُمان مزايا مهمة يمكن البناء عليها، من موقعها الجغرافي وموانئها وعلاقاتها التجارية وقربها من أسواق الخليج والهند وشرق أفريقيا، بما يسمح بالنظر إلى السلطنة ليس فقط باعتبارها سوقًا للشركات العُمانية، وإنما قاعدة لانطلاقها إلى أسواق أكبر.
كما أن التصدير لا ينبغي أن يُختزل في المنتجات الصناعية والسلع؛ فهناك خدمات هندسية واستشارية، ومقاولات، وخدمات لوجستية وتقنية، وحلول رقمية، وغيرها من الأنشطة التي يمكن للشركات العُمانية أن تنافس من خلالها خارج السلطنة. وحين تحصل شركة عُمانية على إيرادات من الخارج، فإنها لا توسع سوقها فقط، بل تضيف طلبًا خارجيًا إلى الاقتصاد الوطني، وتراكم خبرات ورؤوس أموال يمكن إعادة استثمارها داخل عُمان. وعندها ينتقل مفهوم المحتوى المحلي إلى مرحلة أكثر تقدمًا: من مجرد الاحتفاظ بجزء من الإنفاق داخل الاقتصاد إلى بناء قدرات وطنية تستطيع جلب إيرادات من اقتصادات أخرى.
إن المرحلة المقبلة تحتاج، في تقديري، إلى موازنة دقيقة بين اقتصاد تأسيس الشركات واقتصاد توسيع الشركات. فريادة الأعمال تخلق قاعدة الاقتصاد، لكن المؤسسات التي تنجح في النمو تمنحه القدرة على التراكم والاستثمار والمنافسة. وليس المطلوب أن تتحول كل مؤسسة صغيرة إلى شركة كبيرة؛ فهذا لا يحدث في أي اقتصاد، ولا ينبغي أن يكون هدفًا في ذاته. فالسوق بطبيعته يفرز المؤسسات بحسب الكفاءة والإنتاجية والطلب. المطلوب ببساطة هو ألا تواجه المؤسسة التي أثبتت كفاءتها سقفًا للنمو لا يرتبط بقدرتها التنافسية.
ومن هنا، فإن السؤال ليس: كيف نصنع شركات كبيرة بقرارات مباشرة؟ بل كيف نبني بيئة اقتصادية تجعل نشوء الشركات الكبيرة نتيجة طبيعية لنمو المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الناجحة؟ فالاقتصادات القوية لا تعتمد فقط على استقطاب الشركات الكبرى، وإنما تبني أيضًا شركاتها الوطنية بالتراكم؛ مؤسسة تبدأ صغيرة، ثم تتوسع، وتبني سجل أعمالها، وتزيد قدراتها، وتدخل أسواقًا جديدة، إلى أن تصبح بعد سنوات شركة كبيرة دون لحظة واحدة يمكن القول عندها إن أحدًا «صنعها». البيئة الاقتصادية هي التي أتاحت لها طريق النمو.
وهذا هو جوهر المصعد الاقتصادي الذي أعتقد أننا نحتاج إلى تعزيزه في عُمان. فرؤية "عُمان 2040" تضع القطاع الخاص في موقع محوري في بناء اقتصاد تنافسي ومتنوع، وتحقيق ذلك لا يرتبط فقط بزيادة عدد المؤسسات، بل بزيادة قدرة المؤسسات العُمانية على تراكم رأس المال والإنتاجية والخبرة والوصول إلى الأسواق. وكلما ارتفع عدد الشركات القادرة على الانتقال من الصغيرة إلى المتوسطة، ومن المتوسطة إلى الكبيرة، أصبح القطاع الخاص أكثر عمقًا، وأصبح الاقتصاد أكثر قدرة على إنتاج شركات وطنية جديدة.
وربما يكون السؤال الأجدر بأن نطرحه اليوم ليس: كم عدد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في عُمان؟ بل: كم شركة عُمانية كبيرة سيولدها هذا القطاع خلال السنوات العشر المقبلة؟
فقد تكون إحدى الشركات الوطنية الكبرى في عام 2040 مؤسسة صغيرة لا يعرفها معظمنا اليوم؛ تعمل من مكتب متواضع في إحدى محافظات السلطنة، وتنفذ عقدها الأول أو الثاني، وتحاول بناء فريقها والحفاظ على تدفقاتها النقدية. وما سيحدد مستقبلها لن يكون طموح مؤسسها وحده، بل مدى وجود طريق اقتصادي يسمح لها بالانتقال من مرحلة إلى أخرى كلما أثبتت كفاءتها.
ذلك هو المصعد الاقتصادي: ألا نكتفي بفتح باب الاقتصاد أمام المؤسسة العُمانية، بل أن نفتح أمامها طريق الصعود بقدر ما تسمح به كفاءتها وطموحها؛ فحين تصعد الشركات العُمانية، يصعد معها الاقتصاد العُماني.
